صناعة الفن.. ضرورة اقتصادية أم ترف؟

متى تفكر الدول في الإنتاج الفني بوصفه مصدر استثمار وصناعة بديلة.
الخميس 2020/02/13
متحف اللوفر بأبوظبي تجربة تحتذى

تترجم عملية بيع لوحة “ذي سبلاش” لفنان البوب آرت البريطاني ديفيد هوكني، مقابل ثلاثين مليون دولار تقريبا، في دار “سوذبيز” للمزادات في لندن، التحول الكبير في تعامل الدول مع الأعمال الفنية بوصفها مصدرا اقتصاديا هاما يمكن توظيفه في الاستثمار، خاصة أن ذلك يتزامن مع هبّة المستثمرين للبحث عن طرق جديدة لتوظيف أموالهم، ليجدوا في الأعمال الفنية غايتهم، بعيدا عن مخاطر الاستثمار في القطاعات التقليدية كالعقارات والأسهم مثلا. لكن يبقى هذا التفكير الاقتصادي الجديد حكرا على دول دون أخرى، فمتى ستجعل الدول المختنقة اقتصادياتها من صناعة الفن ضرورة ملحة قادرة على أن تكون قطاعا رئيسيا ينافس المجالات التقليدية كالصناعة والزراعة والسياحة والخدمات؟

تونس - في كل مرة ينشر فيها خبر عن بيع لوحة بسعر، يبدو للكثيرين مبالغا فيه، تطرح أسئلة كثيرة حول الاستثمار في الفن، وهل يمكن أن يتحول الإنتاج الفني إلى صناعة بديلة يمكن أن تشكل رافدا هاما للدخل الإجمالي للدول.

حصل ذلك الثلاثاء عندما بيعت لوحة “ذي سبلاش” لفنان البوب آرت البريطاني ديفيد هوكني، مقابل ثلاثين مليون دولار تقريبا، في دار “سوذبيز” للمزادات في لندن.

وتصوّر اللوحة، التي رسمها هوكني في العام 1966، تدفق الماء لحظة غطس رجل في حوض سباحة، ويرى فيها النقاد تجسيدا لنمط الحياة الخيالية في كاليفورنيا، وهي أيضا رمز لفن البوب آرت الذي حدد عصرا فنيا معينا، وأعطى هوية بصرية للوس أنجلس.

والسعر الذي دفعه مشتر مجهول، هو ثمانية أضعاف المبلغ الذي حققه العمل عند بيعه آخر مرة في مزاد العام 2006 في مقابل 4 ملايين دولار.

وكان قد بيعت للفنان نفسه خلال عام 2018 لوحة بعنوان “صورة وجهية للفنان” بأكثر من 90 مليون دولار في نيويورك، وهو رقم قياسي لعمل أنجزه فنان مازال على قيد الحياة.

وفي نفس العام بيعت لوحة لفنان عصر النهضة الإيطالية ليوناردو دافنشي بمبلغ 450 مليون دولار، لتسجل بذلك أعلى سعر لبيع اللوحات الفنية حتى الآن.

ولم تكن تلك اللوحة تساوي أكثر من 45 جنيه إسترليني، عند بيعها في مزاد قبل 60 عاما فقط، واعتقد الخبراء أنها من رسم أحد تلاميذ دافنشي وليست من رسم الفنان الإيطالي نفسه. ويمثل هذا عائدا لأي استثمار حتى بعد حساب معدلات التضخم طوال تلك السنوات.

أرقام خيالية

الأرقام الكبيرة التي سجلتها الأعمال الفنية تطرح سؤالا حول الاستثمار في الفن لتحقيق مكاسب اقتصادية
الأرقام الكبيرة التي سجلتها الأعمال الفنية تطرح سؤالا حول الاستثمار في الفن لتحقيق مكاسب اقتصادية

هذه الأرقام الكبيرة التي سجلتها الأعمال الفنية تطرح سؤالا حول الاستثمار في الفن لتحقيق مكاسب، خاصة وأن هذا النوع من الاستثمار يتميز بانخفاض درجة الخطورة، إلى حد ما، عن غيره من أنواع الاستثمار.

ويعتقد خبراء أن الأزمة الاقتصادية العالمية انعكست إيجابيا على الاستثمار في الفن، حيث اتجه المستثمرون للبحث عن طرق جديدة لتوظيف أموالهم، ليجدوا في الأعمال الفنية غايتهم، بعيدا عن مخاطر الاستثمار في العقارات والأسهم.

ليس الأمر مجرد بحث في أسواق العاديات عن لوحة منسية غيب تفاصيلها الغبار، بل صناعة قائمة في حد ذاتها، غابت طويلا عن الأسواق العربية.

هناك اليوم جهود تبذل لتحويل النشاط الفني والثقافي والمهارات الإنسانية إلى صناعة ترفد الاقتصاد، وتكون جزءا من الناتج المحلي الإجمالي. فهل يمكن أن يتحول النشاط الفني إلى مصدر للدخل بدلا من أن يكون عبئا على الموازنة العامة للدول؟

هذا السؤال تردد طرحه في أكثر من ندوة ومؤتمر ثقافي واقتصادي مؤخرا، أكد جميعها على ضرورة التخطيط لتطوير الإدارة الثقافية، والتعريف بأهمية الاستثمار في الفن والثقافة، وكان آخرها ملتقى عمان الثقافي في الأردن، والذي عقد في شهر أكتوبر الماضي، وحمل عنوان “الاستثمار في الفن والثقافة”.

ليس فقط بسبب من الأزمة المالية العالمية والفوائد المتدنية على المدخرات، بل لأن المنطقة العربية شهدت تبدلات تستدعي التفكير في بدائل اقتصادية، سواء كان ذلك متعلقا بمستقبل الطاقة وبدائلها، أو بسبب المصاعب التي يواجهها قطاع الزراعة في المنطقة بسبب من التغيرات المناخية.

بالتأكيد، لم يسلم السوق الفني تماما من الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها معظم دول العالم، إلا أنه يبقى مقارنة بالأسواق الأخرى، مصدرا أكثر أمانا لتحقيق الربح، خاصة في بلاد دخلت هذا المجال مؤخرا.

البريطاني ديفيد هوكني يبيع لوحة "ذي سبلاش" مقابل ثلاثين مليون دولار تقريبا، في دار "سوذبيز" للمزادات في لندن

وتعتبر منطقة الشرق الأوسط ولاسيما الخليج، خيارا جيدا بعد أن حقق الفن قفزة كبيرة وأصبح يلقى اهتماما كبيرا فيها، وشهدت توافد عدد من المؤسسات الفنية والتجارية، مثل مؤسسة “كريستيز” للمزادات، حيث أشار مدير المؤسسة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا، جيوسي بيلكانن، إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الأعمال الفنية في المنطقة، خلال السنوات القليلة الماضية، وتحدث عن فنانين عرب باعوا أعمالهم بأسعار تنافسية، تجاوزت الـ500 ألف دولار أميركي للعمل الواحد.

وقال فيليب هوفمان، مدير صندوق مجموعة الفن التشكيلي، الذي أطلق مبادرة للاستثمار في الفن الشرقي خلال معرض “آرت – باريس” في أبوظبي “رغم تأثر المنطقة اقتصاديا، إلا أنني أرى إمكانية نجاح عالية في مجال الفن التشكيلي هنا”.

وأخذ الفن الشرقي نصيبه من توافد الشركات الأجنبية إلى المنطقة، ومشاركة الفنانين العرب في المعارض والمزادات الحاصلة فيها، ونجحت هذه الأعمال بما تتميز به من خصوصية في تعزيز الوعي بالفنون العربية في العالم.

ولا يقتصر الاستثمار في الفن على بيع اللوحات، أو المقتنيات الفنية عالية القيمة، ومثال على ذلك متحف اللوفر في باريس، الذي نجح في أن يكون الأوّل في العالم من حيث عدد روّاده، وأصبح مؤسسة ثقافية حقيقية، بل ومركزا للربح أيضا. فحسب دراسة قام بها المركز الاقتصادي التابع لجامعة السوربون في باريس، نُشرت مؤخرا، فإن متحف اللوفر يحقق أكثر من مليار يورو، من الإيرادات سنويا. وتخطى المتحف الباريسي عتبة عشرة ملايين زائر في 2018 وهو رقم غير مسبوق لمؤسسة للفنون الجميلة والآثار.

هناك بالطبع أرباح غير مباشرة، تفوق رقم المليار دولار بكثير، تأتي من إنفاق الزوار الأجانب في مدينة باريس، وحسب تقديرات أجريت في المطار فإن “الدافع الرئيس” لعدد كبير من هؤلاء الزوار الأجانب للمدينة، هو زيارة المتاحف، والتراث الفرنسي، لاسيما متحف اللوفر.

المنطق نفسُه ينطبق على ناشري الكتب الفنية، ومنتجي الأفلام التي يظهر متحف اللوفر فيها. بل إن التقرير اهتمّ أيضا بصافي الإيرادات الضريبية، وفرص العمل، حيث أنّ دار اللوفر توظف نحو 2000 شخص، لكن نشاطها الأوسع يمثل نحو 21000 فرصة عمل.

أمام الدول فرصة يجب ألا تتردد في استغلالها، لغزو العالم ثقافيا وفنيا، وأن "يبيعوا الماء في حارة السقايين" كما باعت كوريا الجنوبية السينما في هوليوود

وتجدر الإشارة إلى أنّ ما يملكه متحف اللوفر من مجموعات هائلة، لا تقدَّر، جوهريا، بثمن، لأنها غير مسعرة تجاريا. والحال، أننا نرى هنا أنّ متحف اللوفر مركز نشاط حيوي، وأنه يمتلك شرعية اقتصادية.

منذ بضع سنوات، صارت الاعتمادات المالية العامة، الممنوحة للمتاحف الوطنية في فرنسا، تتجه نحو الانخفاض لفائدة القطاع الخاص. ففي السنة الماضية، مثّلت رعاية الفنون، وتأجير الفضاءات، أكثر من نصف موارد اللوفر المالية. وبفضل هذه الدراسة ندرك أنّ هذا المال يعود بالفائدة الجمّة على المجتمع.

على العكس مما هو عليه الحال مع اللوفر، بدلا من أن تتحول الثقافة إلى مصدر للدخل، ينظر إلى المؤسسات الثقافية في معظم الدول العربية على أنها مصدر للإنفاق. ويرى الفنانون أن على الدولة واجب شراء أعمالهم، التي تحفظ عادة دون اهتمام أو تصنيف، وتترك مهملة للتلف والضياع.

الدول العربية أحوج ما تكون للبحث عن اقتصاد بديل، يحل مكان الاقتصاد التقليدي، إن نظرة سريعة لمشكلة البطالة والتنمية في معظم دول المنطقة تؤكد الحاجة للاستثمار في الرأسمال البشري. وتشهد الدول العربية ارتفاعا يثير القلق في صفوف خريجي التعليم العالي، مثال على ذلك الأرقام المشار إليها مؤخرا في بلد طالما اعتبر متفوقا على الدول العربية الأخرى، هو تونس، حيث وصل عدد الواقفين في طابور للحصول على فرصة عمل إلى مليون شاب، هذا فقط من بين حملة الشهادات العليا.

اقتصاد بديل

Thumbnail

اقتصاد الريع في طريقه إلى الزوال، نشهد ذلك في القطاع الزراعي، بعد أن فاقت كلفة إنتاج السلع الغذائية، في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، سعر السلع الغذائية، حيوانية ونباتية، في الأسواق العالمية. ويعتبر التغير المناخي الذي تشهده المنطقة من أهم الأسباب التي أدت لذلك. اليوم يطالب الفلاحون حكوماتهم بتقديم دعم، هي عاجزة عن تقديمه، لإنقاذهم من كارثة تبدو محققة أكثر من أي وقت مضى.

قطاع الطاقة هو الآخر مهدد، فالبحث عن الطاقة البديلة إلى جانب استنفاد المخزون بمرور الوقت، أصبح جزءا من واقع لا يمكن تجاهله، خاصة مع تنامي نسب التضخم، بينما أسعار النفط بالكاد تحافظ على مستواها، بسبب تناقص الاعتماد على الطاقة الأحفورية.

مع أرقام تشير إلى أن أكثر من نصف تعداد السكان هو من الشباب دون سن الخامسة والثلاثين، لا خيار أمام دول المنطقة، إن أرادت ألا يشار إليها يوما بالدول الفاشلة، أو تضطر إلى إعلان إفلاسها، سوى خيار واحد، هو العنصر البشري.

هذه التحديات رافقتها ثورة تكنولوجية تعمل على تغيير حياتنا بسرعة هائلة، الأمر الذي سيترك أثره على الطرق التي نعمل بها ونتعلم بها، وحتى تلك التي نعيش بها سويا. هناك اليوم تطبيقات جديدة في مختلف القطاعات، بما فيها التعليم والثقافة والصحة والأمن والبيئة والتجارة، وأصبح الذكاء الاصطناعي الحدود الجديدة للإنسانية.

لن تكون أدوات التعليم ووسائل الحصول على المعرفة هي نفسها مستقبلا. نحن نتحدث عن مستقبل قريب، يكون فيه اكتساب المهارات الرقمية في صميم برامجنا التعليمية. يجب أن “نتعلم كيف نتعلم” لأن سرعة الابتكار تعمل على تغيير سوق العمل بسرعة.

الاستثمار في الفن لا يقتصر على بيع اللوحات، أو المقتنيات الفنية عالية القيمة، ومتحف اللوفر في باريس، مثال على ذلك

وتعتبر العلوم الإنسانية بما فيها الفن والأدب، أكثر من أي وقت مضى حاسمة لقدرتنا على العمل في عالم سريع التغير. اليوم يتم بالفعل استخدام التكنولوجيا في مجال الثقافة وفي مختلف الفنون البصرية على نطاق واسع.

حتى بداية هذا القرن، استطاعت الدول الكبرى أن تحتكر صناعة الفن والسينما، بل حتى صناعة الثقافة والأدب، لأسباب تتعلق بالنشر واللغة والتحكم بوسيلة الإنتاج ورأس المال، اليوم بات بإمكان أي شخص في أي قرية نائية تصلها شبكة الإنترنت، أن يشارك في عملية الإبداع، والأهم من ذلك أن يسوق إنتاجه.

عندما نتحدث عن الابتكار، سواء وقفنا مع العولمة أو ضدها، فإن العالم فقد حدوده؛ شركة مثل “علي بابا” الصينية، ما كان لها أن تنجح وتتحدى عمالقة توزيع السلع لولا التكنولوجيا الحديثة.

آخر من حطم الجدران الوهمية في حقل الإبداع، هو المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون، الذي حصد فيلمه “الطفيلي” جوائز الأوسكار محطما جميع الحواجز ومن بينها اللغة.

أمام الدول فرصة يجب ألا تتردد في استغلالها، لغزو العالم ثقافيا وفنيا، وأن “يبيعوا الماء في حارة السقايين” كما باعت كوريا الجنوبية السينما في هوليوود.

7