صندوق النقد الدولي يحذر تونس من تعثر الإصلاحات

التلكؤ في خفض فاتورة الرواتب يضغط على الإنفاق العام
الخميس 2021/03/04
لم يعد هناك حل

حذر صندوق النقد الدولي تونس من تقليص دعم المانحين، في ظل تعثر الإصلاحات العاجلة وعلى رأسها خفض فاتورة الرواتب والتقليص في الدين العمومي وخفض النفقات العامة، حيث تسبب انخرام الموازنة العامة في ضغوط كبيرة.

تونس - يضغط صندوق النقد بتقليص الدعم الدولي لتونس، ما لم تعجّل السلطات بتنفيذ إصلاحات عاجلة تهم السياسة النقدية والاقتصادية، فيما حذر خبراء الاقتصاد من تواصل سياسة التسويف والمماطلة التي تنتهجها السلطات والتي باتت تهدد بانقطاع الدعم الخارجي في وقت ترفض فيه الأوساط النقابية والشعبية المساس بالرواتب والدعم.

وأكد رئيس بعثة صندوق النقد الدولي بتونس كريس جاريقات الثلاثاء أنه “يتوجب على تونس التقليص في الدين العمومي والتخفيض في النفقات العمومية إلى المستوى المطلوب”.

وأضاف “السلطات التونسية مطالبة بتعزيز مجهوداتها في مجال الحوكمة الرشيدة والشفافية ومحاربة الفساد”، معتبرا أن ذلك “سيقلص من النفقات الزائدة ويخلق فرص عمل جديدة”.

ونقلت إذاعة محلية عن جاريقات دعوته، خلال لقاء صحافي عُقد الثلاثاء عن بعد مع عدد من الإعلاميين، إلى ضرورة وضع هيئة عامة للإشراف على المؤسسات المملوكة من طرف الدولة في تونس.

كما دعا إلى دعم الاستثمار بالقطاع الخاص وخاصة في مجالي الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي عبر الانفتاح على المنافسة وتحسين البنية التحتية خاصة بالموانئ مع التقليص في الإجراءات الإدارية.

المنصف شيخ روحه: لا نملك خطة طريق ولا بد من جلب المستثمرين للمساعدة
المنصف شيخ روحه: لا نملك خطة طريق ولا بد من جلب المستثمرين للمساعدة

ويرى مراقبون أن عملية الإصلاح والتغيير باتت ضرورية أكثر من أي وقت مضى لإنقاذ ما تبقى في المنظومة الاقتصادية الهشة.

وأفاد الخبير الاقتصادي سامي العوادي أنه “يترتب على السلطات التونسية أن تلتفت إلى أمورها الداخلية وتعبئ مواردها على غرار التهرب الضريبي وعدم استخلاص العديد من الأداءات”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” “الإصلاحات ضرورية وإن تعلقت بالدعم، وإن لم نقم بها طواعية يبدو أننا سنقوم بها بضغط خارجي، وسيتم التداول بشأنها مع المنظمات الوطنية والمجتمع المدني والحوار الاجتماعي”.

وتابع “يجب القيام بإصلاحات في منظومة الدعم، ومسألة التخفيض من الأجور مرفوضة ومؤلمة لأن تونس لديها معدل أجور الأدنى مقارنة ببقية الدول”. وترفض المنظمات والأوساط الشعبية المساس ببندي الدعم والرواتب في الموازنة.

وفسر العوادي أن الترفيع في فاتورة الأجور كان نتيجة لارتفاع توطين الوظائف في قطاعي الأمن والدفاع لمكافحة الإرهاب ما ترتب عنه من كلفة مرتفعة، لكن معدل الأجور في تونس في القطاعين العام والخاص منخفض.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الإصلاحات التي تأخرت السلطات في القيام بها جاهزة، على غرار إصلاح مسالك التوزيع التي تسببت في مضاربات غير مقبولة وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، فضلا عن نشاط الجمارك وإصلاح الخارطة الصحية والتعليم العالي.

واستطرد “الغريب أن كل هذه الإصلاحات توجد حولها توافقات بين مختلف الأطراف ولم تقم بها الحكومات التونسية لأنها تخشى أن تتبعثر أوراقها في السلطة”.

ويرى مراقبون أن الانتدابات العشوائية في القطاع العام منذ ثورة يناير 2011 فاقمت انخرام الموازنة فيما تتجه أصابع الاتهام نحو حركة النهضة في الإضرار بموارد الدولة من خلال عدم حوكمة الإنفاق وتوطين وظائف على أساس الولاءات السياسية.

ويقول صندوق النقد الدولي إن فاتورة الأجور في القطاع العام تبلغ حوالي 17.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من بين أعلى المعدلات في العالم.

وقال المنصف شيخ روحه الأستاذ الجامعي والباحث في المجال الاقتصادي، في تصريح لـ”العرب”، “هناك دفع للسلطات التونسية للقيام بما يجب”، متسائلا “لماذا لا نضع مخططات اقتصادية واضحة؟”.

وأضاف “هناك غياب للتقييم والمحاسبة لكل الوزراء ورؤساء الحكومات السابقة، ولا أحد يملك معلومة بشأن الإصلاح والتغيير، ومنذ عهد حكومة مهدي جمعة في 2014، تفاقمت الديون”.

سامي العوادي: الإصلاحات إن لم نقم بها طواعية سنقوم بها بضغط خارجي
سامي العوادي: الإصلاحات إن لم نقم بها طواعية سنقوم بها بضغط خارجي

وتابع “المخطط غير واضح وضبابي واليوم لا نملك خطة طريق ولا بد من جلب المستثمرين لمساعدة الدولة، الطبقة السياسية انشغلت بالصراعات والمناكفات وأهملت الجانب الاقتصادي”.

وأردف “لدينا مالية دون تخطيط، وعلينا إعداد برنامج واضح يشرك كل الجهات وتتم فيه الاستعانة بالخبراء في المجال، وعلى الطبقة السياسية أن تفهم أنه من دون برامج ونقاشات لا تقدر على تقديم شيء”.

وشهدت تونس في سنة 2020 ضائقة اقتصادية غير مسبوقة مع عجز مالي قدره 11.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وانكماش اقتصادي بلغ 8.8 في المئة.

وقال صندوق النقد الدولي في بيان إن السياسة النقدية يجب أن تركز على التضخم من خلال توجيه أسعار الفائدة قصيرة الأجل مع الحفاظ على مرونة أسعار الصرف.

وتتوقع ميزانية تونس 2021 أن يصل الاقتراض إلى 7.2 مليار دولار بما في ذلك حوالي 5 مليارات دولار في شكل قروض خارجية. ويقدر سداد الديون المستحقة هذا العام عند 16 مليار دينار ارتفاعا من 11 مليار دينار في 2020.

وأكد جاريقات أن الصيدلية المركزية تواجه صعوبات لتغطية نفقاتها وأن هناك مشاكل تتعلق بديون ترتبط بمزودي الطاقة على غرار الشركة التونسية للكهرباء والغاز وشركة تكرير النفط.

كما دعا الحكومة إلى وضع خطة شاملة لمساعدة هذه المؤسسات على دفع ديونها والعمل على إصلاحها من خلال اتخاذ إصلاحات شاملة لا تكون ترقيعية فقط.

وشدد على ضرورة وضع برنامج إصلاحي شامل يجمع كل أطياف المجتمع، مشيرا إلى أن المجتمع الدولي سوف يدعم ذلك، موضحا أن الإصلاح يتم عن طريق حوار وطني شامل.

وكشف أن تونس لم تطلب من الصندوق جدولة ديونها، مضيفا أنها سوف تعمل على سداد كل ديونها وأنه ستتم مساعدتها في ذلك إذا كانت جاهزة للقيام ببرنامجها الإصلاحي.

وذكّر بأن صندوق النقد الدولي كان قد اقترح إصلاحات في عدة مجالات لتصبح تونس مكانا أفضل للاستثمار من بينها الاستثمار الأخضر، وذلك عبر فتح القطاعات التي تسيطر عليها الدولة.

11