صُنع الله إبراهيم يتلصص بعين طفل على الواقع

رواية تكشف عن خبرة كبيرة للكاتب في ممارسة آليات الحذف والتقطير في اللغة.
السبت 2019/09/28
الكل مصدومون من التلصص حتى الأطفال (لوحة للفنانة سارة شمة)

لا يخفى على المُتابع لنتاج الروائي المصري صنع الله إبراهيم، أحد رواد جيل الستينات، منذ روايته القصيرة الإشكالية “تلك الرائحة” وصولاً إلى روايته “التلصص” أن الروائي في جميع أعماله يُمرِّر بداخلها جزءًا من تجربته الذاتية. كما أن صُنع الله نفسه يعترف بهذا فيقول، في حوار عن هذه الرواية “هذه ليست سيرتي الذاتية، إنما هي رواية وإن كانت تحتوي على تفاصيل من حياتي، وبعض المواقف والتفاصيل التي عشتها”.

صدرت رواية “التلصص” لصنع الله إبراهيم أولًا عن دار المستقبل العربي عام 2007، ثمّ أعادت مؤخرًا الهيئة العامة لقصور الثقافة نشرها ضمن سلسلة روائع الأدب العربي.

لن أتوقف هنا عند تتبع ترددات الأصداء الذاتية التي مرّرها المؤلف في النص، أو حتى البحث عن الأجزاء الواقعية مقارنة بالأجزاء التخيليّة، وإن كنت أرى أن الرواية ليست سيرة ذاتية لصاحبها، بقدر ما هي سيرة ذاتية مجتمعية، في لحظة مفصلية من تاريخ الوطن.

سيرة مجتمعية

 الزمان المرجعي وفقًا للإشارات التي مرّرها الكاتب في الرواية، سواء أكانت إشارات ثقافية لها أهميتها في إظهار الثراء الفكري لهذه الحقبة، مثل: أفلام فريد الأطرش وصباح، ومحمد عبدالمطلب وعلى الكسار وهاجر حمدي، وعبدالفتاح القصري وإسماعيل ياسين، وسينما كوزمو، وماجستيك، وميامي، ومسرح الأزبكية، وأغاني أم كلثوم وعبدالوهاب، وكتابات فكري أباظة، وأشعار إبراهيم ناجي والعقاد.

وأيضًا إشارات سياسية كحرب فلسطين 1948، وقيام دولة إسرائيل، والاغتيالات السياسية، والمحاكمات العسكرية، وفضائح القصر، ومظاهرات الطلبة، وغلاء الأسعار، وتفجيرات الإخوان، وحملات اعتقال الشيوعيين، وغيرها من أحداث محلية وأخرى عالمية تضعنا في سياق ثقافي وسياسي واجتماعي مغاير لزمن كتابتها. جميعها تشير إلى نهاية الأربعينات من القرن الماضي.

وهذه الاستعادة التي لا تأتي مجانيًّا إلى جانب حكاية الطفل والأب، التي في مجملها حكاية عادية عن عالم من المهمّشين، حياتهم بسيطة تدور في وتيرة واحدة، لا يعكرها إلا صراع مكابدة الحياة، ومن ثم تأتي التسرية الكبرى، في حالات التلصص والمراقبة تارة، وتارة حالات النميمة مع الأصدقاء، التي تكشف هي الأخرى عن هوس الرجال بالجنس والنساء.

وبسبب هذه الاستعادة يميل السرد إلى التسجيل – كعادة صنع الله إبراهيم في أعماله – لفترة من فترات تاريخ مصر، من خلال تسجيل وقائع الحياة السياسية والاجتماعية راصدًا لأنماط الحياة الاجتماعية في هذه الفترة، كما برزت في صورة الملابس (الملاية اللف، والطربوش) وزيارات الأعياد، وسيطرة الخرافة، بالاعتماد على كتب السحر والتنجيم، وترويج الشائعة والخرافة كما في حالة زواج ماجد أفندي من زراكش الجنية، من خلال النقاشات بين الأصدقاء، وصدى غلاء الأسعار في خروج الطلاب في مظاهرات تندد بسياسات الملك الطائشة على نزواته، وأيضًا أصداء الحياة على وقع الانفجارات، وصفارات الإنذار، وأزمة المساكن بل مسجلاً لهتافات الأطفال احتفاء بقدوم شهر رمضان، وأيضًا هتافات البائعين وهم يعرضون بضاعتهم. وأيضًا لسياقه الثقافي (لغته وعاداته، وشخصياته)، والسياسي (بصراعات الأحزاب وكشف فضائح الملك).

الرواية تدخل بنا عالم المهمّشين، حياتهم بسيطة تدور في وتيرة واحدة، لا يعكرها إلا صراع مكابدة الحياة

كما أن الرواية أشبه بعين على حالة التدين الزائف؛ فالأب الذي لا يخرج لصلاة الجمعة ويصلّي خلف الإمام في البيت، ويطارد النساء بنظراته الشبقية، هو نفسه، ما إن هلّ شهر رمضان حتى يكتسي ثوب الورع “فيتوضأ ويستعد للصلاة… وما إن ينتهي المؤذن من الأذان، يتناول ما يكسر به صومه، ثم يفرش سجادة الصلاة فوق البلاط”.

الرواية التي تأتي بالضمير الأنا محورها طفل لم يتجاوز التاسعة من عمره، في معية أبيه الذي تجاوز الخامسة والسبعين، يتحرك بنا الطفل، عبر عدسته التي تسجل كل ما تراه عيناه وهو يتجول مع أبيه سواء في رحلات ذهابهما إلى البقالات، أو إلى السينما أو حتى الزيارات العائلية، وصحبة الأصدقاء، يرصد الراوي بعين الطفل المفتقد لحنان الأم، حالة الهوس التي يُعانيها الأب من افتقاده للنساء، بدءًا من مراقبته للعاملات في بيته، وتلصصه عليهن، وأيضًا على الجارات، والنساء في الشوارع.

يكتسب الابن الخائف من العفاريت والجلوس منفردًا في البيت، عادة التلصص من أبيه، فيتلصص هو الآخر على أخته نبيلة وزوجها فهمي في غرفة نومهما، وعلى فهمي والخادمة خضرة أيضًا، ويتلصص على الجيران من خلف النافذة، وعلى ماما تحية وهي تنظف جسدها بالحلوى، وعلى الخادمة فاطمة وهي تستحم، ثم تأتي الفاجعة بتلصصه على أبيه وفاطمة في غرفة النوم.

فشل في المرة الأولى، ونجح في الثانية التي كانت بمثابة نقطة مفصلية في اهتزاز الثقة بينه وبين أبيه الذي كان يلازمه كظله، فهام في الشوارع، رافضًا أن يعود إلى المنزل من جديد. وعلى مستوى مفردة العنوان فالتلصص حاضر في النص، وتتردد تجليات المفردة بكافة أشكالها بما فيها استفسار نبيلة عن وجود أموال لأبيها في البنك من أخيها.

أهم ما يميّز كتابة صنع الله إبراهيم، بصفة عامة، أنها نصوص كتابية، فيحطم عبرها المفهوم الكلاسيكي للرواية، بأن يقدَّم نصًّا مفتوحًا يقع على أعتاب دوائر نوعية متعدِّدة كالرواية والسيرة والتاريخ أيضًا، ومن ثم لا نجد حكاية بالمفهوم المتعارف عليه (بداية – وسط – نهاية)، ففي “التلصص” نحن أمام نص بلا حكاية تقريبًا، أشبه بجريان النهر، يتدفق إلى الأمام، يزداد قوة لكن لا نهاية له، حتى النهاية التي يضعها ويختم بها النص، تأتي كضرورة سردية، يُجْبر على التوقف عندها، لكن لا توجد أحداث أو حكاية تنتهي مع نهاية النص.

كما تكشف لنا عن فضولية تقسيم النص إلى أربع فصول، خاصة أن ثمة هناك وحدات سردية مستقلة دون ترقيم أو عناوين، ومن ثم لو تساءلنا ما الضرورة الفنية لهذا التقسيم؟ لجاءت الإجابة، لا شيء.

عين الطفل الراصدة، هي التي تتوقف عند كل شيء تراه، فعلى الرغم من أن الجمل فعلية قصيرة، تعمد إلى الاختزال والتقطير والبعد عن الزخرف البلاغي، بقدر اهتمامها بالتوصيل وليس خلق الإيهام، إلا أن عين الطفل الساردة تتوقف أحيانًا أمام الأشياء كي تصف، فعندما يصف الجرسون يقول هكذا “يقترب منا جرسون يوناني في قميص أبيض وبنطلون أسود. تزين رقبته ربطة عنق سوداء على هيئة فراشة” توقف عين الطفل عند هذه الأوصاف، يعكس طبيعة الفضول التي تشكّل وعي الأطفال في مثل هذه السن، وهو الفضول الذي نقل لنا كافة الوقائع التي جرت.

تقنيات حداثية

أشبه بمرثية للواقع
أشبه بمرثية للواقع

الرواية قائمة على بنية سردية، تدمج الحوار في بنية السرد، عبر وسيط هو الابن الراوي، فلا حوارات مسهبة، وإنما هي حوارات مندغمة في بنية السرد. كما أن الخطاب اللغوي هو خطاب هجين بين العامية والفصحى، بل تتردد ألفاظ وعبارات تعود إلى الزمن المرجعي للرواية، مثل: الكونستبال، وعربة السوارس، والبرقع، والملاءة اللف، وبايع اليانصيب، وبائع العرقسوس، درهم حلاوة، علبة شاي الشيخ الشريب، قطعة صابون نابلسي، إلخ.

الشيء المميز هو السرد المضفَّر، فالراوي وهو يسرد ما يشاهده، يتوقف عند ذكريات ترتبط بما يسرده، خاصة عن أمه التي تحضر بصفة مطردة، في هذه التداخلات التي يضفر بها السرد، وتتميز بأنها مكتوبة ببنط كتابي سميك على ما كتب به السرد، وثانيًا لا تأتي دخيلة أو منفصلة، بل تأتي أشبه بشارحة، فبعد عبورهما الميدان ودخولهما إلى عمارة ضخمة، يعلن الابن بأنه عطشان، في ذات اللحظة يعترضهما بائع عرقسوس يدق صاجاته، في تلك اللحظة يتذكر الابن وهو جالس على المائدة، وبائع عرقسوس يمر من الحارة الجانبية، فيصف مظهره، وهيئته وهو يعرض بضاعته، ويصيح بجملته: “شفا يا عرقسوس حلاوة”.

يتكرر هذا كثيرًا في معظم النص، ومن هذا عندما يذهبان إلى فيلا اللواء فريد، فما إن يقدم لهما أطباق الخشاف، حتى يستدعي صورة الأم وهي “ترص أطباق الخشاف الصغيرة فوق رخامة البوفية، تفتت قطع ثلج بقادوم خشبي. تنثرها فوق الأطباق”.

في مشهد دال يكشف صنع الله إبراهيم عن تناقضات المجتمع، قبل نهاية الرواية يجتمع الأصدقاء، خليل بيه والدكتور عزيز، والقس والشيخ المعمم، وبينما هم مجتمعون تعبر امرأة سمينة في بنطلون على الرصيف المقابل لجلستهم، فتتجه جميع الأنظار إليها، ترصد عين الطفل تلصص الجميع عليها وتبريراتهم للهزيمة في حرب 1948 التي يردونها لفعل المرأة هكذا: يقول الشيخ المعمم “شوف الولية اللي متختشيش كل حاجة باينة”، يخبط القس كفًا بكف قائلاً “الدنيا باظت”، يقول الشيخ المعمم “تفتكروا احنا انهزمنا في فلسطين من شيء شوية؟ ده عقاب من ربنا”.

هذه رواية تحكي عن الزمن الماضي، لكن عينها على الحاضر، هي أشبه بمرثية لواقعنا الذي غاب فيه كل مكوّن ثقافي، واندثرت فيه التعددية الحزبية.

كما تكشف عن خبرة كبيرة للكاتب وهو يمارس آليات الحذف والتقطير في اللغة، والتلصص على ذاته وإن كان من مرآة الماضي، والأهم تكشف عن وعي كبير بالواقع في زمن الرواية، وإلمام بتفاصيل الحياة الخاصة والسياسية.

15