ضربة حظ

هل يمكن دوما أن تكون ضربات الجزاء قاسية ترتكز فقط على الحظ والبخت؟
الأحد 2019/07/07
الحظ العاثر

بعض سنتيمرات كانت تفصل عن التأهل، وبعض لحظات كانت تفصل بين فرح التأهل ومرارة الانتظار والترقب.

هي لحظات حاسمة للغاية، لحظات كانت بحساب الزمن أطول من الساعات، ففي الوقت البديل من ذات مباراة ضمن مسابقة أمم أفريقيا أعلن الحكم عن ضربة جزاء لفائدة المنتخب المغربي، لو نفذت بنجاح لتأهل “أسود الأطلس″ لدور الثمانية وحسم الجدل نهائيا.

في لحظات صعبة عمّ خلالها الصمت وانحبست فيها الأنفاس وتوقفت القلوب عن الخفقان، تقدم حكيم زياش وانبرى للكرة ثم سددها قوية، تهادت نحو المرمى قبل أن تنهال على القائم، فبقيت النتيجة على وقع التعادل واضطر المنتخب المغربي لخوض ماراثون مرهق ضمن الحصتين الإضافيتين ضد منافسه البنيني.

يا له من حظ عاثر، حرم زياش من التسجيل وحال دون ترشح منطقي للمنتخب المغربي، فالمعاناة امتدت، وضربات الحظ “اللعينة” تواصلت.

وانتهاء المباراة بالتعادل أجبر على اللجوء إلى ركلات الحظ القاسية، قاسية لأنها أقصت الفريق الأفضل والأقوى، قاسية لأنها حرمت “الأسود” من التغلب على “السناجب” في مواجهة غير متكافئة القوى، لولا هذا الحظ اللعين.

بعد تلك المباراة، استذكرت لحظات تاريخية ومشاهد سابقة كانت خلالها قسوة ضربات الجزاء أصعب بكثير من أي شيء آخر، فضربات الحظ تكون في بعض الأحيان ظالمة وغير منصفة بل وغير مقنعة، فهي لا تمنح دائما الفوز لمن يستحق بل تتلاعب بالمشاعر وتبعث مثلما شاءت بالأقدار قبل أن تحدد الاختيار.

تذكرت في ما مضى كيف كانت ضربات الجزاء قاسية للغاية على نجم المنتخب الإيطالي روبيرتو بادجيو في نهائي مونديال 1994، فبعد مشاركة ملحمية كان خلالها النجم الأوحد في منتخب بلاده، لم تنصفه ضربات الحظ ليخطئ المرمى ويساعد منتخب البرازيل على الظفر باللقب. تذكرت ما حصل في نهائي مونديال 2006 عندما أبكت ضربات الجزاء عشاق المنتخب الفرنسي الذي خسر أمام نظيره الإيطالي بسبب ركلات الحظ.

استعادت الذاكرة عديد الأدوار النهائية التي كانت خلالها لعبة “الحظ” المقياس الوحيد لاختيار الفائز والمتوج، هذا ما حصل مثلا للمنتخب الأرجنتيني في دورتين متتالين ضمن مسابقة “كوبا أميركا” ضد نظيره التشيلي الذي حرم ميسي والأرجنتين سنتي 2015 و2016 من تجديد العهد مع الألقاب بعد جفاء طويل. لكن يا جماعة ألا يمكن القول اليوم إن بعض المفاهيم تغيرت؟ هل يمكن دوما أن تكون ضربات الجزاء قاسية ترتكز فقط على الحظ والبخت؟

أعتقد أن هناك بعض التغيّر، أعتقد أن ضربات الجزاء في زمننا الحاضر بدأت تتخذ شكلا جديدا قوامه التدرب لسنوات طويلة على تنفيذ ركلات الجزاء، أعتقد أن هامش الخطأ لدى بعض المنتخبات والفرق عند التعامل مع هذه الكرات الثابتة بدأ يقل.

لقد أصبح حسن التنفيذ وإتقان وضع الكرة في الشباك جزءا من المنظومة الكروية الجديدة، وبعض المنتخبات باتت لديها تقاليد وخبرات لا تضاهى عند تنفيذ ضربات الجزاء، لقد وضعت الحظ جانبا، واشتغلت لسنوات عديدة من أجل تطوير قدرات اللاعبين في ما يتعلق بالتعامل مع ركلات الجزاء.

ربما يمكن الاستدلال على هذا الأمر من خلال متابعة بعض مباريات “كوبا أميركا”، حيث كان التعامل مع ضربات الجزاء نموذجيا للغاية، لقد انتفى تماما عامل الحظ في هذا السياق، بل كان التنفيذ الجيد والمحكم الركيزة الأساسية لتخطي عقبة المنافسين.

ففي مباراة دور الثمانية بين المنتخب التشيلي والكولومبي تم اللجوء إلى ضربات الجزاء لتحديد الفائز والمتأهل، فبدا منتخب التشيلي في أفضل حالاته، كان جاهزا تماما لخوض التحدي وتخطي عامل الحظ بفضل التنفيذ الرائع والمحكم لضربات الجزاء، فضمن التأهل. لقد أعاد ذلك المنتخب إلى الذاكرة ما فعله في نهائيين متتاليين ضد الأرجنتين ضمن هذه المسابقة القارية، لكن هل تدركون ما حصل في السابق حتى يصبح المنتخب التشيلي بهذه القوة عند تنفيذ ضربات الجزاء؟

في مونديال 2014 واجه هذا المنتخب نظيره البرازيلي في مباراة انتهت بالتعادل، حينها كانت ضربات “الحظ” قاسية فأبعدته من البطولة، مباشرة بعد ذلك قرر الجهاز الفني للمنتخب التشيلي تركيز تمارين قارّة تعنى أساسا بتنفيذ ضربات الجزاء، سامباولي مدرب هذا المنتخب بعد مونديال 2014 أكد أنه سيقصي الحظ من طريق هذا المنتخب، فكان له ما أراد.

أما الأندية الأوروبية العريقة وعددها غير قليل فإنها اعتمدت أيضا هذا المبدأ، لم تعد تؤمن بالحظ في ركلات الجزاء، بات تعليم اللاعبين الصغار طريق التعامل مع الكرات الثابتة بمثابة “الخبز اليومي”، واليوم تبدو المحصلة غير التي كانت في الماضي، فأي فريق يضطر لتنفيذ ضربات الجزاء يكون جاهزا كأفضل ما يكون لكسب التحدي.

أما نحن، فالأمر قد يتطلب منا وقتا طويلا للبكاء والنحيب ولعن الحظ العاثر ثم تناسي الأمر، ونتجاهل أن كرة القدم اليوم باتت بمثابة العلم الصحيح، وتنفيذ ضربات الحظ لم يعد يتطلب بالضرورة الاستنجاد بدعوات للسماء طلبا للحظ.

23