ضعف التشريعات يعرقل أداء الإدارة الجبائية في تونس

شلل الرقابة يحرم الدولة من مداخيل الجباية ويعمق غياب العدالة الضريبية.
الثلاثاء 2021/01/12
موارد جبائية مهدورة وعدالة غائبة

فشلت الحكومة التونسية في كبح التهرب الضريبي، حيث تكشف الأرقام والبيانات عن اختلالات كبيرة في المنظومة التشريعية والقانونية مما يفرغ جهاز الرقابة من فاعليته. ويضاف إلى كل ذلك الشلل الذي يعاني منه جهاز الرقابة الجبائية بسبب نقص الموارد والإمكانيات اللوجيستية، ما حرم الدولة من تحصيل إيرادات جبائية والذي سيفضي إلى غياب العدالة الجبائية ويعمّق تراكمات الأزمة الاقتصادية.

تونس - طبع الأداء الضعيف جهاز الإدارة الجبائية في تونس ما دفعها إلى الفشل في تحصيل المداخيل الجبائية والقيام بمهامها في المراجعة الجبائية، نظرا لاختلال النصوص التشريعية حيث ظلت وسائل المتابعة ضعيفة فتحولت هذه الإدارة إلى أداة معطلة، ما زاد في نزيف التهرب الجبائي والضريبي وعمّق أزمات الاقتصاد.

كشف تقرير “إدارة الجباية في تونس: أداة معطَّلة”، أنه “على الرغم من تحديات الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد والحاجة الماسة إلى الموارد، فشلت أداة إدارة الجباية في تونس في تحصيل الإيرادات”.

ويقدر حجم التهرب الجبائي بنحو 83 في المئة من إجمالي المداخيل الجبائية، ما يحرم الدولة من حصيلة مهمة في وقت تشهد فيه مصادر التمويل شحا كبيرا، بسبب الأزمة الاقتصادية المزمنة.

ولا تزال المنظومة الجبائية في تونس ضعيفة بحسب خبراء الاقتصاد، حيث عزا هؤلاء أسباب الهشاشة التشريعية للجباية إلى خيارات اقتصادية وسياسية فاشلة، اتبعتها الحكومات المتعاقبة.

وأكد الخبير الاقتصادي الصادق جبنون، “أن مسألة الجباية معقدة أكثر من الآليات ذاتها، وهناك فهم خاطئ لهذا المفهوم في تونس، التي فيها أكبر نسبة ضغط جبائي في القارة الأفريقية تقدر بـ34 في المئة”.

وأضاف جبنون في تصريح لـ”العرب”، “النظام الجبائي معقّد وتم تعويضه بنظام حقيقي مبسط و13 نظاما جبائيا فرعيا تقوم دائما على امتياز الإدارة، هذا مع ضعف الناتج الداخلي الخام”.

الصادق جبنون: الجباية تفتقد إلى الموارد البشرية والآليات الرقابية

وبرأي جبنون فإن “الجباية تتحملها المؤسسة المنظمة والأجراء في ظل الإفلات من المراقبة الجبائية، خصوصا من القطاع الموازي والتهريب، فضلا عن كون الجباية ليست لها الإمكانيات البشرية الكافية للمراقبة، ما يجعل القطاع الموازي يتغول في ظل ضعف الآليات الرقابية”.

ويرى الخبراء أن الإشكال يكمن في الإطار التشريعي والقانوني، حيث أفاد جبنون “المشكلة تكمن في التشريعات المتحجرة، التي تجعل القطاع الموازي في حركية أكثر من المنظم”.

واقترح الخبير جملة من الحلول لتجاوز الأزمة أهمها “التخفيض الجدي في المعاليم وتحسين الوضع المادي للموظفين في القطاع لتحسين المردودية والقيام بالأدوار على أكمل وجه”.

ونخرت ظاهرة التهرب الجبائي المنظومة الاقتصادية في تونس، وكرست تطبيق القانون على ضعاف الحال، مقابل “حصانة” للحيتان الكبيرة ورؤوس الأموال المتحكمة في السوق والإنتاج.

وأقرّ وزير التكوين المهني والتشغيل السابق فوزي بن عبدالرحمان في تصريح لـ”العرب”، بـ”وجود تعقيدات في النصوص، وهناك ما لا يقل عن 6 مجلات تهتم بالجباية، ويفترض أن تجمع كلها في واحدة”.

وأضاف “عدد المؤسسات الاقتصادية يتجاوز 730 ألف مؤسسة ولا يساهم منها إلا القليل في الجباية على المؤسسات (ألف مؤسسة تقريبا)”.

وبحسب الوزير السابق فإن “ضعف الجباية متأت من ضعف النسيج الاقتصادي، وهو ما يتطلب ضرورة إعادة النظر في المنظومة التشريعية والمصرفية للجباية”.

وساهمت جائحة كورونا في تعميق الانعكاسات الاقتصادية في تونس، حيث سجلت معدل نمو 6.21- في المئة في الربع الثاني من سنة 2020، وارتفاع نسبة البطالة إلى 18 في المئة في الربع الثاني من سنة 2020، مقارنة بنسبة 3.15 في المئة في نفس الفترة من السنة الماضية.

وتجد السلطات نفسها أمام حتمية تبنّي سياسة جبائية قادرة على تحديد خيارات صائبة في ما يتعلق بفرض ضرائب على الأفراد والشركات على حد السواء، استنادا إلى مبدأ القدرة على الدفع، وإعادة توزيع تلك الموارد بطريقة تعود بالنفع على مواطنيها.

ويستوجب ذلك القطع مع سياسة التقشف، التي تجعل الحكومات عاجزة عن تعبئة مواردها المحلية وتلبية احتياجات مواطنيها، علاوة عن تبني إجراءات سياسة ضريبة تصاعدية وفق نظام عادل ومنصف، وذلك عملا بأحكام الدستور التونسي.

فوزي بن عبدالرحمان: يجب مراجعة المنظومة التشريعية والمصرفية للجباية

وانتشار ظاهرة التهرّب والغش الجبائي، يكشف عن عجز الدولة عن جمع الموارد المستحقة، الأمر الذي يحملها المسؤولية في فشلها في توفير الموارد ودعم الاقتصاد.

وأفاد تقرير “إدارة الجباية في تونس: أداة معطّلة” بأن “الرقم الذي قدّمه المكلف بالإصلاحات الجبائية، لخسائر الدولة سنويا من التهرب الجبائي، يقدر بنحو 2.5 مليار دولار”.

وتقول أبحاث وتقارير إنه تم اعتماد مراجعة مالية لنحو 9 في المئة فقط من الشركات الناشطة في مجال المحروقات خلال العام 2015 وهي نسبة ضئيلة جدا ولا تستوعب كافة المنظومات المعنية بالنظام الجبائي.

وكشفت التقارير أن الامتيازات الجبائية “عادة ما تنتفع منها الشركات الكبرى”، ودعت إلى عدالة جبائية من خلال موظفين يؤمنون الاستخلاص وإرساء نظام يؤطر هذه الأعمال إضافة إلى الافتقار إلى الإمكانات اللوجيستية.

وحسب التقارير فإن حوالي 33 في المئة فقط من الشركات صرحت بمكاسبها في الآجال، ونحو 47 في المئة فقط من التونسيين قدموا تصريحات جبائية، ومعظم هذه الموارد لا تصل إلى الدولة.

وفي إدارة المؤسسات الكبرى (قطاع المحروقات والقطاع المالي)، انخفضت نسبة المراجعات الأولية إلى 9 في المئة، ولم يتم القيام بمراجعة جبائية لربع الشركات الناشطة في قطاع المحروقات.

وتدعو منظمات عديدة في تونس إلى تعزيز الإدارة بما يمكن من مراقبة القطاع المنظم وغير المنظم، وفق سياسة كاملة تضمن العدالة الجبائية.

وتواجه الإدارة الجبائية عراقيل تتمثل في الهيكل الاقتصادي واتساع النشاط الاقتصادي في القطاع غير الرسمي، حيث تشير التقديرات إلى أن القطاع غير الرسمي يوظف حوالي 40 في المئة من العاملين بالقطاع الزراعي، و77 في المئة من جميع الشباب النشطين اقتصاديا الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة.

وتسبب غياب الصلاحيات القانونية لإجراء عمليات المراجعة والتي لا تتلاءم مع المعايير الدولية في عرقلة أداء الإدارة الجبائية، على سبيل المثال، تمت المصادقة على تدابير سرية العمليات البنكية منذ فترة طويلة للسماح لإدارة الجباية بالنفاذ إلى البيانات البنكية للشركة والمستندات البنكية الأخرى ذات الصلة. لكن في تونس، لم تتمكن إدارة الجباية من النفاذ إلى مثل هذه البيانات إلا بحلول سنة 2019.

وتفاقم ضعف إدارة الجباية بسبب مشروع القانون الجديد المتعلق بالتحفيز الاقتصادي ودمج القطاع غير الرسمي والتصدي لظاهرة التهرب الجبائي. حيث نص القانون على تقليص المدة القصوى للمراجعة المعمقة من 6 إلى 4 أشهر، مما يمنح المؤسسة الجبائية التي تعاني من نقص في صفوف العاملين والأجهزة وقتا أقل لأداء مهامها.

11