"طيور" ألفريد هيتشكوك مدرسة لا توصد أبوابها

العالم يتداوى من آلامه باستحضار سينما الرعب والإثارة.
السبت 2021/01/23
الطيور مصدر خوف وموت

رغم مرور أربعين عاما على رحيله، لا يزال اسم المخرج ألفريد هيتشكوك يثير "الرعب" في الأوساط السينمائية، حيث يعدّ مدرسة لا يمكن أن توصد أبوابها أو تفتقد طلابها. أليست السينما فنّ الإدهاش إلى حد الرعب والفزع وهي تطفئ أنوار القاعات لتدور تلك البكرة التي تأسر العقول وتأخذ الألباب؟

هل يبدو فايروس كورونا أليفا في نظر المتفائلين والناجين منه أم متوحشا قاتلا ومرعبا في تفكير الملايين ممن ذاقوا مرارته، وفقدوا بسببه الأحبة والأصدقاء؟ هذا سؤال في عهدة كل من أغلق الباب على نفسه في أزمنة الحجر الصحي، وراح يسلّي نفسه، يخيفها، يمتعها أو يلهيها بأفلام قادمة من الذاكرة.. ذاكرة البشرية التي تستحضر حكايا الرعب كلما اقتربت من الرعب.. ربما يبدو الأمر نوعا من “التطهر” (الكاتارسيز) وفق مفهوم سقراط وتلاميذه حين رأوا في معيشة مشاهد العنف والدموية، نوعا من النزوع الإنساني نحو النقاء والابتعاد عن الشرور التي تأمر بها النفس البشرية.

عوالم مفزعة

الاختلاء بالنفس أمام الشاشة الزرقاء لمشاهدة فيلم “الطيور” للسينمائي المرعب هيتشكوك، يجعل المرء في منأى عن رعب هذا الوباء، ويوفر له الحد الأدنى من الأمان قائلا لنفسه، وفي نوع من المواساة: ماذا يمكن أن يحل بي من تراجيديا بعد هذه العوالم المفزعة التي طبعت أفلام هذا المبدع الإنجليزي الساحر، وجعلته يتربّع بلا منازع على عرش الرعب؟

بدأ كورونا وكأنه مجرد فايروس أليف يمكن للإنسان أن يتغلب عليه ويدجّنه كالأنفلونزا وغيرها من الأمراض التي روّضتها البشرية، لكنه سرعان ما استفحل وأعلن عن نفسه عدوا تصعب مقاومته بل يلقي بظلاله على حاضر البشرية ومستقبلها.

توقع المفاجأة وحلول الكارثة هما سيدا الموقف في أفلام ذلك البدين السمين الساخر والمثير للجدل والنقاش

وفي ربط بين كورونا و”طيور” هيتشكوك، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات وصور لطيور ميّتة وأخرى تُنازع في أنحاء متعددة من الكرة الأرضية. هذه الفيديوهات أحدثت ذعرا وهلعا بين الناس، خشية أن يكون فايروس كورونا منتشرا في السماء كما على الأرض، ويقتل الطيور كما يقتل الناس. بل إنّ بعض الخبراء قالوا إنّ أحد أسباب قتل هذه الطيور هو تأثير الترددات العالي لشبكة “الواي فاي”، خصوصا تلك العائدة للجيل الخامس، حتى أصبحنا نرى أنفسنا أمام أعداء هم أشباح كالكورونا، يفتكون بالخلايا البشرية الحية، والترددات العالية التي تفتك بكريبتوكرومات الطيور، وتفقدها تحسس الحزم الكهرومغناطيسية الأرضية وتجعلها تضل طريق هجرتها أو حتى طريق عودتها إلى أعشاشها في فصل الربيع.

كذلك، وبشكل أكثر رعبا، كانت الطيور التي هاجمت بلدة سانتا كروز في الشهر الثامن من عام 1961 على ساحل ولاية كاليفورنيا الأميركية، وبدت في أولها أمرا مألوفا ويمكن أن يحدث بحكم الطبيعة وعادة التكيف الإنساني، لكن ألفريد نظر إليها بعين المتوجس والمرتاب. فبعد سلسلة من إعادة النظر في الضفادع والفئران والكلاب والعناكب والديدان وغيرها من الكائنات الحيوانية، تشاءم صاحب “الطيور” من أمر تلك الطيور التي فقدت قدرتها على الرؤية، فارتطمت بالمباني والنوافذ، ما يعني أن الهجوم لم يكن عن عمد؛ لتنقلب فجأة إلى مصدر خوف وموت.

أثارت هذه الحادثة اهتمام هيتشكوك، وتذكر أن لديه حقوق رواية قصيرة كانت الكاتبة الروائية دافني دو مورييه قد وضعتها قبل سنوات، وتتحدث عن هجوم طيور على منزل في مزرعة نائية.

كان ذلك بداية تدافع هوليوود لإنتاج أفلام حول كل شيء تعرفه الحياة المدنية والريفية من مخلوقات مألوفة الحضور تنقلب إلى متوحشة، وكان بداية عودة العالم إلى الخيال المشوب بالخوف والتوجس، غداة انتهاء الحروب وشعور البشرية بنوع من الاطمئنان والهدوء النسبي الذي لا يخلو من مفاجآت ما قبل العاصفة.

توقيع المعلم

الطيور لسيد السينما ألفريد هيتشكوك رائعة لا تنساها البشرية
الطيور لسيد السينما ألفريد هيتشكوك رائعة لا تنساها البشرية

اتصل هيتشكوك بكاتب سيناريو “سايكو” الذي رشح لأربع جوائز أوسكار عام 1960، جوزف ستيفانو، لكي يشركه في المشروع الجديد؛ لكن ستيفانو لم يتحمس له وقابل المقترح بمنتهى البرود، عندها اتصل بالروائي إيفن هنتر وطلب منه كتابة سيناريو الفيلم.

وفي مطلع شهر نوفمبر عام 1961، أنجز هنتر سيناريو فيلم “الطيور” وأرسله إلى هيتشكوك. بدأ هيتشكوك بالتصوير مع فريق عمله الذي انتقاه بدقة العارف والحريص على إنجاح عمله، ذلك أنه لا يعترف بأنصاف الحلول المقبولة، إذ كان يعيد اللقطة الواحدة العشرات من المرات إلى أن تقترب من الكمال في ذهنه.

ومن بين هذه المصاعب في ما يروي النقاد والدارسون والمهتمون بسيرة هذا العبقري، أن بطلة الفيلم تيبي هدرن، التي اختارها المخرج عندما شاهدها في دعاية تلفزيونية، لم تكن تعرف أي شيء يُذكر عن التمثيل، لذلك كتب هيتشكوك لاحقا “كل أداء لها، كل لمحة، من صنعي”.

هذا إلى جانب صعوبات تقنية في التنفيذ، إذ لم يكن مثلا، من السهل تطويع أسراب الطيور لتنفذ ما في ذهن ألفريد العنيد، على وجه الدقة والتحديد.

قد “يمثل” هيتشكوك، في أفلامه، في نوع من “توقيع المعلّم”، ولا يمثّل كما شاهدناه في فيلم “الطيور”، إذ تصادفه بطلة الفيلم خارجة من أحد محلات بيع الطيور على هيئة رجل قصير وبدين كما هو في الواقع، وكان ذلك على شارع في مدينة سان فرانسيسكو. وكانت ميلاني (تيبي هدرن) تنظر إلى السماء؛ حيث تتكاثر طيور سوداء زاعقة ثم تلتقي بالمحامي ميتش (رود تايلور) الذي سيكون السبب وراء قيام ميلاني بزيارته في بلدته الساحلية الصغيرة.

كل شيء يبدو منطقيا، وعلى ما يرام مع وصول ميلاني لزيارة ميتش ووالدته وشقيقته في بلدته بمناسبة عيد ميلاد شقيقته الصغيرة، وسوف يكون عليك انتظار ما يقارب الساعة قبل ما يعرف في مصطلح السينمائيين بـ”الأتّاك”، أي الهجوم المفاجئ، ونقصد به هنا الهجوم الفعلي الأول للطيور على البشر.

وفي هذا الأسلوب يقول هيتشكوك “الضربة لا ترعب، ما يرعب هو انتظارها” أما وصيّته فكانت “حاول دائما جعل المشاهدين يعانون قدر ما تستطيع”.

الحدث يبدأ من خلال طفلة تلعب لعبة “الغميّضة”، وإذ بها تفتح عينيها على هذا المشهد المفزع وهي تظن أن أحدهم قد رمى بشيء داكن على رأسها ثم تبدأ المفاجأة في تقنية التناسل وتوليد اللقطات الغامضة والمثيرة، والتي سوف يفكك المشاهد ألغازها في مرحلة لاحقة من هذا الفيلم الذي يخطف الألباب.

تبدو الأمور في “الطيور” غاية في الانسجام والحياة الاعتيادية، إلى أن يحدث ما يحدث.. وهذه طريقة هيتشكوك في إنتاج الصدمة، وفلسفته في جعل كل حدث يبدو عاديا إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.. وقتها تكتشف أن هذا العبقري السينمائي لا ينظر إلى الأشياء إلا بارتياب وشك شديدين.. من قال لك إن المشهد عبارة عن جمعة أصدقاء، ومجرد أناس عاديين؟ إن توقع المفاجأة المرعبة وحلول الكارثة هو سيد الموقف في أفلام ذلك البدين السمين، الساخر والمثير للجدل والنقاش.

دأب هيتشكوك في معظم أفلامه على النظر من علوّ شاهق في تقنية تصوير تعتمد الكرينوهات والشاريوهات المرتفعة لتعطي إحساسا مضاعفا بالخوف وتحقير الكائنات الأرضية، إلاّ أنه في “الطيور”، تبدو الكاميرا منصبّـة من علو نسبي على رجال ونساء يمشون في أحد شوارع ضاحية ساحلية من ضواحي مدينة سان فرانسيسكو. الناس بدورهم ينظرون إلى الأعلى. لا إلى الكاميرا، فهي ككل شيء آخر في سينما هيتشكوك، أداة وليست رمزا، بل إلى السماء حيث نكتشف بعد قليل كيف تطير مجموعة من الغربان فوق رؤوسهم.

لحظة الانقضاض

هيتشكوك: الضربة لا ترعب، ما يرعب هو انتظارها، حاول دائما جعل المشاهدين يعانون قدر ما تستطيع
هيتشكوك: الضربة لا ترعب، ما يرعب هو انتظارها، حاول دائما جعل المشاهدين يعانون قدر ما تستطيع

تبدو الأحداث في فيلم “الطيور” وكأنها دراما اجتماعية تصوّر الواقع الإنساني بمنتهى الدقة والشفافية، وتنقل مشاعر إنسانية مألوفة كالحب والغيرة والانتقام والتشفي والرغبة في حب التملك مثلما هو الحال لدى آني التي تحب ميتش من طرف واحد. كانت على علاقة وثيقة به؛ لكنها تعتقد الآن أن والدته ليديا هي التي تسببت في إبعادها عنه. تصف لها رد فعلها كلما التقت آني بها، وهو رد الفعل الحذر والبارد ذاته الذي وُوجهت به ميلاني عندما التقت بأم ميتش للمرة الأولى.

هكذا تبدو الأحداث لدى هيتشكوك خالية من التشويق ومعتادة إلى درجة الملل ثم يطلق عليها رصاصة الرحمة بجعلها خلفية باهتة لوقائع دامية، ذلك أنه يعرف كيف يخفي الصدمة في المكان الذي يبدو بعيدا عن الشكوك.. إنه سيد الصعقات الدرامية وأول من يلقنك بأن الواقع ليس على ما توقعت عبر فن التوطين المكاني والعاطفي للأحداث.

وفي هذا الصدد يقول أحد النقاد “فقط هيتشكوك كان يستطيع أن يقدّم فيلم رعب كهذا من دون تقديم تبرير شاف للسبب الذي من أجله تحوّلت هذه الطيور التي تعيش في مدننا كل يوم إلى حيوانات متوحشة”. ويضيف “هيتشكوك يدرك كيف يتجاوز السبب عن طريق عدم طرحه أساسا. طبعا، يتداول الناس في الفيلم افتراضات، لكن المخرج يعرف كيف يرفع من سقف الغموض ويخفض من سقف وضرورة التبريرات”.

عندما يقع الهجوم الكبير الأول لتلك الطيور الغريبة، ترتفع حدة الفيلم وسرعة إيقاعه لتبلغ قمة تأثيرها. وتكمن قوة أفلام هيتشكوك، دائما في نصفها الثاني، وكأن على المتلقي دائما، أن يصبر وينتظر على تلك الرتابة المتوقعة، حتى أننا كنا صغارا، نحبذ الثرثرة والتلهي بأكل الفوشار في قاعات السينما أثناء مشاهدة أفلام هيتشكوك، وذلك إلى أن تحين “لحظة الانقضاض”، أي ذروة الأحداث وأشدّها دموية ورعبا وتأثيرا في النفوس.

وفي هذا الصدد يقول الناقد السينمائي محمد رضا في تقريره من هوليوود منتصف الشهر الجاري، عن تداول أكاديميين ونقاد ومخرجين وأساتذة جامعيين لأفلام هيتشكوك المختلفة؛ عبر 60 سنة، خصوصا تلك التي حققها من عام 1948 “حبل” وحتى عام 1963 “الطيور”، مرورا بأفلامه الأخرى في هذه الفترة الثرية من حياته السينمائية. في هذا المنحى يقول رضا “صحيح أن قصة الحب ليست موجودة تحت أي تقاليد محتملة أو معتادة في فيلم ‘الطيور’؛ لكن هيتشكوك، وكاتبه وربما باستلهام من رواية دو مورييه، يشتغلان على هذا المنحى الدرامي الخالي من حدة التشويق لما قبل نصف مدة الفيلم (119 دقيقة) قبل أن يضع كل شخصياته في أتون من المواجهة والدفاع عن النفس ضد إرهاب الطيور”.

أسئلة كثيرة يثيرها “الطيور”، وفي منتهى البساطة والتلقائية، على عكس بعض الأفلام التي تعصر المتلقي عصرا، نحو طرح الأسئلة الكسولة، ودفعه إلى تأويل ما هو غير قابل للتأويل. ومن بين هذه الأسئلة البديهية في فيلم الطيور: ما الذي يمكن أن ترمز إليه تلك الطيور؟ لماذا تهاجم البشر؟ هل هناك علاقة بين شخصية ميلاني وبين تلك الطيور، ولماذا بدأت، أصلا، هجماتها مع وصول ميلاني إلى البلدة؟

صناعة الخوف

يجمع النقاد والسينمائيون على كون فيلم “الطيور” كان آخر وأهم مراحل هيتشكوك الإبداعية، إذ جعله مصدر اهتمام كبير لدى دارسي سينما المخرج والمعجبين بهذا الصنف من الأفلام.

بدأ هيتشكوك حياته المهنية عام 1919 بكتابة العناوين الفرعية للأفلام الصامتة في أستوديو “لاسكي” بلندن، وهناك تعلم المونتاج وكتابة السيناريو. وفي العام 1920 حصل على وظيفة بدوام كامل في أستوديوهات إيزلنغتون وكان يقوم بتصميم عناوين الأفلام الصامتة. وفي العام 1922 صار ألفريد مساعد مخرج عام. وفي العام 1925 قدم أول أفلامه “حديقة المسرات” في ميونخ، وقد تعلم من الألمان الأساليب التعبيرية، وأخلص لها طوال حياته.

ولد ألفريد جوزيف هيتشكوك في 13 أغسطس 1899 بليتونستون في العاصمة البريطانية لندن وتوفي في لوس أنجس عام 1980. تلقى تربية كاثوليكية صارمة. كان الطفل الأصغر من بين ثلاثة أطفال لوليام هتشكوك (1862 – 1914) الذي كان يعمل بائع دواجن وخضراوات، وإيما جين، وهما من أصول أيرلندية.

إن أعظم أنواع السعادة كما قال سيد السينما هي تلك التي تتجلى في لحظة استيقاظ المرء من كابوس طويل

أسس نموذجا إخراجيا خاصا يقوم على استخدام حركة الكاميرا وتأطير اللقطات لاستفزاز أقصى درجات التجاوب الوجداني للمشاهد في المادة الدرامية المقدمة على الشاشة الكبرى.

أثار هيتشكوك الجدل أينما حل. كان صاحب مدرسة فريدة في الكتابة والإخراج السينمائي وحتى فن التمثيل وكيفية إدارة الممثل الذي قال عنه “لم أكن أقصد أن الممثلين رعاع، وإنما يجب التعامل مع الممثل كواحد من الرعاع”. وعن أجواء الرعب التي تحيط بأفلامه وأوعزها النقاد والمحللون النفسانيون إلى مراحل قاسية من طفولته وتربيته، قال هيتشكوك إن “الطريقة الوحيدة للتخلص من الخوف هي صناعة أفلام عن الخوف، وأن أعظم أنواع السعادة هي تلك التي تتجلى في لحظة استيقاظ المرء من كابوس”.

ويروي هيتشكوك مشهدا من طفولته كان له تأثير عميق على اختياراته لمواضيع تلامس سوء المعاملة والعلاقة مع الشرطة، فقد بعثه والده وهو دون الخامسة إلى قسم للشرطة ممسكا بورقة توصي عناصر الأمن بسجنه لدقائق من أجل تأديبه لسوء سلوكه، وهو ما فعلوه، فظلت هذه الواقعة موشومة في ذاكرة السينمائي المسكون بالرعب والخوف.

أخرج هيتشكوك أكثر من 50 فيلما روائيا على مدار حياة مهنية امتدت لستة عقود وقد حصل على جائزة الإنجازات مدى الحياة من معهد الفيلم الأميركي.

بدأ هيتشكوك حياته الفنية في تصميم الديكورات الخلفية لأستوديوهات السينما الصامتة. وبعد تجارب أولية في صناعة الأفلام وتعلم تقنيات المونتاج، أخرج سنة 1927 أولى أفلامه المتكاملة في مرحلة السينما الصامتة وهو فيلم “النزيل” بعد أن استلهم في ميونخ التقنيات والمناهج التعبيرية المتقدمة التي تطورت في السينما الألمانية آنذاك.

وفي استطلاع أنجزته الـ”ديلي تلغراف” البريطانية عام 2007 اعتبر هيتشكوك أعظم مخرج بريطاني. وحل في المرتبة الأولى في استطلاع لنقاد السينما.

16