عارضو أزياء بعمر المئة عام: السن مجرد رقم

مسنون "ثوريون" يكسرون قوانين مجتمعية تفرص عليهم نمط عيشهم ويثبتون أن مجاراة الموضة لا تتعلق بالعمر.
السبت 2019/03/16
لا يعرفن سن اليأس

أعادت دار الأزياء الفاخرة هيلموت لانغ تعريف القوالب النمطية في صناعة الأزياء من خلال الاستعانة بمجموعة من النساء المسنات، يتجاوزن العقد الثامن، في عروضها وحملاتها الأخيرة، مستغلة ثورة جديدة يقودها أشخاص مسنون، رجالا ونساء، على مواقع التواصل الاجتماعي بدعم من مصورين ومصممي أزياء وخبراء تجميل ضد فكرة ربط الملابس بالسن.

فرانكفورت (ألمانيا) – امرأة في الـ103 من عمرها تعمل كموديل، ورجل في الـ101 من العمر يعطي دروسا في السباحة، وآخر في نفس السن يتحول إلى فنان، وامرأة في الـ116 من العمر أصبح الوصول إليها أصعب من الوصول للبابا، وأخرى تتحول إلى عارضة أزياء وقد بلغت من العمر الثمانين، وغيرهم كثير ممن علت تجاعيد الزمن على وجوهم دون أن تؤثر على روحهم وحركتهم وحبهم للحياة، ورفعوا شعار “السن مجرد رقم”.

يؤكد على هذا الشعار المصور كارستن تورميلين الذي يطبقه منذ عشر سنوات، دأب خلالها على تصوير أشخاص في سن المئة فما فوق، كاشفا عن مكامن الجمال المحفورة في وجوه وأجساد عارضي أزيائه المسنين الذين تنضح صورهم شبابا.

لا تركز الصور على أعمارهم، وإنما على إحساسهم بالموضة وعلى أناقتهم. من هذه النماذج إنجه بورغ فولف، التي تبلغ من العمر 103 أعوام، وتعيش في مدينة كرونبِرغ ام تاونوس وسط ألمانيا، والتي تذهب لقاعة رياضة اللياقة البدنية وتعمل مصممة للأثاث الداخلي، وأصبحت مؤخرا عارضة أزياء.

وتعتبر فولف الوجه الإعلاني لإحدى شركات صناعة الملابس هذا العام باليوبيل المئوي لها، وتروج لمنتجاتها باستخدام صور لأشخاص لا تقل أعمارهم عن عمر الشركة. وكتبت الشركة تحت صورة فولف عبارة “الثقة بأسلوب الحياة لا تتوقف ببلوغ الـ100 عام”.

وينعكس هذا الشعار على حياة فولف بكل تفاصيلها، ولا يقتصر فقط على مظهرها الخارجي. يتنوع تصميم شقة فولف بين الأثاث القديم والتصميمات العتيقة والفن المعاصر والآسيوي والألوان المختارة بدقة. وتقع الشقة ضمن تجمع سكني خاص بكبار السن.

ترتدي فولف بلوفر كشمير أزرق فاتح، بعقد من اللؤلؤ، وقصة شعر جيدة، ومكياج رصين، وحيوية مفعمة. وتمارس الرياضة على مدى ساعة صباحا “فالشيء الوحيد الذي ينقذ العمر هو الحركة، الحركة ثم الحركة”، حسب قولها.

Thumbnail

وتقول فولف التي أصبحت أرملة منذ ثلاثة عقود، “أعيش وحدي ولكني لا أشعر بالوحدة”.

وكتبت فولف، التي درست الديكور في الخمسينات، وأصبحت فيما بعد تدير محلا للأثاث والتصميم، مذكراتها بمناسبة بلوغها سن المئة، بخط يدها، حيث لم تربطها أبدا علاقة ود بالحاسوب. ولكنها تعتقد أنها ستتعلم كيفية استخدامه “فليس الأمر أننا نحن كبار السن قد أصبحنا غير قادرين على التعلم”، لذلك قامت إحدى بنات أخواتها بمهمة كتابة المذكرات على الكمبيوتر.

وفولف، التي ولدت عام 1915، في بلدة أصبحت اليوم ضمن الأراضي الروسية. نشأت في مدينة روستوك، شمال ألمانيا، هي واحدة من بين نحو 15000 شخص في ألمانيا تزيد أعمارهم عن 100 عام. ويرتفع عدد سكان العالم الذين تزيد أعمارهم عن 100 عام بشكل هائل، حيث كان هذا العدد عام 2000 يبلغ 59 شخصا من بين كل مليون شخص في أوروبا، ثم ارتفع عام 2015 إلى 150 وينتظر أن يقفز إلى نحو 343 عام 2030، وفقا لبعض التقديرات.

ليس كل هؤلاء المسنين في نفس لياقة فولف، ولكنهم أكثر لياقة مما قد يظن البعض. وتبيّن من خلال “دراسة هايدلبرغ الثانية عن المئويين” أن أكثر من نصف المشاركين في الدراسة لا يعانون من قصور في قدراتهم الذهنية، أو يعانون من قصور طفيف فقط.

يبلغ المصور تورميلين من العمر 53 عاما، أي نصف عمر هؤلاء المسنين. يمتلك تورميلين الذي يعيش بمدينة فيسبادن، استوديو تصوير في مدينة فرانكفورت، بنفس الولاية. ومؤخرا أصدرت دار نشر كنيسبِك  ألبوم الصور الثالث بعنوان “100 عام من الحياة السعيدة” والذي يجمع صورا التقطها الخبير الألماني لكبار السن. وعرضت الأعمال في أكثر من 50 معرضا على مستوى العالم.

عن هذا الاختيار، يقول تورميلين “كل شيء بدأ بصورة سيئة، وذلك عندما رأيت صورة لرجل يتلقى التهاني في إحدى الصحف لبلوغه سن الـ100”. وجد المصور أن هذه الصورة قاسية “وليست جديرة بهذا الإنجاز”، حسبما يقول متذكرا البداية.

Thumbnail

اقترح المصور على ربة عمله أن يعد سلسلة صور خاصة بمن بلغ من العمر 100 عام. واستطاع أن يبدأ مباشرة مع جدته التي بلغت من العمر عامين بعد المئة، “وأصبت بالذهول تماما بسبب مدى رشاقة المرأة ولياقتها” حسبما قال مشيرا لأول صورة لسيدة مئوية التقطها، مضيفا أنه كرر هذه التجربة مرارا خلال الـ12 عاما التالية لهذه الصورة.

يقول المصور إنه انبهر بالكثير من الطاعنين بالسن الذين قابلهم أثناء عمله، الذي أصبح محط أنظار الكثيرين، حيث تقصده الشركات ووسائل الإعلام أو المؤسسات التي تبحث عن طاعنين في السن، في تجربة تجد رواجا كبيرا وبدأت تلقى حظها حتى على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي تجربة مماثلة، أصدر المصور الأميركي أري سيث كوهن سلسلة تحمل عنوان “أسلوب متقدم: أكبر وأكثر حكمة”، هي عبارة عن مجموعة صور لأشخاص تجاوزوا العقد السادس من العمر، التقطها خلال رحلة حول العالم، زار خلالها دولا مثل جنوب أفريقيا والسويد وإيطاليا وأستراليا وغيرها.

كان كوهن يسعى من خلال رحلته إلى إثبات أن إتباع الموضة لا يتعلق بالعمر بل بشخصية الفرد. وخلقت وسائل التواصل الاجتماعي جيلا جديدا من “الثوريين” المسنين الراغبين في خرق قوانين مجتمعية تحدد ما يلبسونه وكيف يعيشون. وأصبحت أستاذة جامعية أميركية تدعى لين سلاتر (63 عاما) عارضة أزياء لماركات عالمية شهيرة، ونموذجا للموضة والأناقة.

وتدير سلاتر مدونة عنوانها “أيقونة عن طريق الخطأ”، يتابعها الآلاف ويتشاركون صورها. كما تحولت العارضة كولين هايدمان (68 عاما) والمدونة ميلاني كوباياشي (54) إلى نجمات على إنستغرام، مع هوياتهن المميزة بأناقة تكسر حواجز السّن.

وما يميز هؤلاء الأشخاص أنهم أناس عاديون. فعادة ما ترتبط مثل هذه الحيوية وإتباع الموضة والتسويق الإعلامي، بالنجوم. ومن النادر أن نجد شخصا وقد تجاوز العقد السادس، أو بلغ قرنا من العمر، يعيش وفق مقاييس هذا الزمن على مستوى المظهر وأسلوب الحياة. ويقول كوهن “إذا كنت تعتقد أن الموضة تقتصر على الشباب، فأنت مخطئ”.

Thumbnail
17