عالم الصمت.. أتلانتس المفقودة التي يجب أن نبحث عنها

الفيلسوف ماكس بيكار يتناول بالبحث الصمت واللغة وما يحمله كلاهما من حقيقة، ويقرّ بأن الحقيقة تتجلى في منطق اللغة ويقظتها، وقد تعمل اللغة على تعتيم الحقيقة بزوغانها.
الخميس 2019/07/18
ليس للصمت بداية، إنه مخلوق قبل الوُجودات والمعاني كالحب والموت

للتفكير أو للكتابة أو للتأمل أو التذوق أو الإصغاء نحتاج إلى الصمت. هناك شعوب تعلمت الصمت، وأنتجت من خلاله فنا وفكرا عظيمين. في المقابل هناك شعوب أخرى لا تتقن إلا الضجيج. ولذا نجدها بلا منجز حضاري. إذن الصمت أكثر من مفهوم فلسفي وجودي. إنه حقيقة. له ملمس وتأثير. كما سنكتشف عند قراءة كتاب “عالم الصمت” للفيلسوف السويسري ماكس بيكار.

بلغة شعرية أخّاذة، وفي فضاء فلسفي وميتافيزيقي مشحون بالمعاني المفقودة في عصرنا الحاضر، يكتب السويسري ماكس بيكار (1888-1965) عن فضائل الصمت وفلسفته في مؤلَّفه الموسوم بـ”عالم الصمت”. ذلك أنّ الصمت ظاهرة مستترة، اعتصمت بذاتها عن التسليع وعن أن تصبح قيمة تبادلية سوقية، فاستعصت على الاستثمار والربح عكس ظواهر أخرى عديدة وعظيمة على غرار الطبيعة والأرض والسماء والهواء والنار والإنسان ذاته.

 الصمت لدى بيكار هو كُلّ مستقل وذو وجود خاص، وليس ظرفا سلبيا يزول بزوال الظرف الإيجابي المسبّب له، إنه اللامرئي الحاضر، وغير الملموس الواضح، وغير المحسوس المتجسِّد، والممتد بلا حدود، والمتوفر دائما بتدفق يفوق كل هذا الضجيج الكوني. الصمت هو ما يُعيد الأشياء إلى كمالها من خلال الترحّل بها من عالم الإسراف إلى عالم السكون المثمر الذي ينضج فيه الزمن ويتكاثر.

الينبوع الأول

في كتاب “عالَم الصمت” نقف على حقيقةِ أنْ ليس للصمت بداية، إنه مخلوق قبل الوُجودات والمعاني كالحب والموت والولاء والإيمان والأمل، بل هي ترجع جميعها إليه؛ ترجع إليه لتتصل بما يوجد خلفه، بالمقدس والمتعالي في هويته وقد طوّقه الصمت وأحاط به. كل ما هو مقدس وإيماني صرف لا يحضر دون هالة الصمت. إن الصمت شبكة لا مرئية تمسك الأرواح واللطائف وتصلها ببعضها بعضا في عالَم آخر هو عالَم ما فوق دنيوي.

لا يدعي بيكار منذ البداية أن هدفه توجيه القارئ إلى فلسفة الصمت، وإنما هو يحاول جاهدا أن يُعيد اكتشاف الصمت من أجل اللغة والحقيقة والجمال من جهة اتصالها جميعا به لتتخلّق مجددا داخله وتنطلق مملوءة بالحياة وزاخرة بالمعنى ومتحررة كالخيول في براريه المقدسة، وأن يتحدّث عن تلك اللغة التي تملك أكثر مما هو ضروري للتفاهم والمعلومة، تلك اللغة التي تنتسب إلى نفسها وتخلق شعرا بمحض اختيارها.

الصمت لدى بيكار هو كُلّ مستقل وذو وجود خاص
الصمت لدى بيكار هو كُلّ مستقل وذو وجود خاص

الصمت فضاء الكلام اللامتناهي، تتحرك الكلمات من خلاله وتطير في الأمداء، وتنزوي في الأماكن الضيقة، ذلك أنه، على حدّ قول بيكار، “عندما يتحدث شخصان إلى بعضهما، فإن شخصا ثالثا، يكون على الدوام، حاضرا: إنّ الصمتَ يُصغي”.

 وإذا كان من نواميس الطبيعة والكون عودة الأشياء إلى أصلها ومرجعها فإنّ على الكلام أن يعود إلى الصمت كما يرجع الإنسان بعد الموت إلى المكان الذي جاء منه. الصمت ينبوع نقي يجدد ابتكار اللغة والكلمات ويصفيها من الرداءة، ويجعلها تستمد منه براءتها وبساطتها وأصالتها ورونقها، وهي التي يراها بيكار قد تلاشت في ضجيج العالم الحديث بابتعادها عن فضيلة الصمت، وكل توقف لها إنّما هو آنيّ لاستعادة الصخب، إذْ لم تعد توجد هناك لغة محددة وصمت مستقل في العالم الحديث، حتى الصمت الآخر (الموت) قد أصبح مجرد شيء سلبي أو نهاية حتمية لما نسميه الحياة.

مفهوم الموت ذاته تم قتله، ولا أعني هنا الموت الذي ذكره الفيلسوف واللاهوتي الروسي فلورنسكي في قوله “يموت الإنسان مرة واحدة في حياته، وحيث إنه يفتقر إلى خبرة الحدث فإنه يُنجزه بغير إتقان، ويتحتمّ عليه، بغية أن يموت بنجاح، أن يتعلم كيف يموت باتباع تعليمات الناس المجرِّبين الذين يعرفون أن يموتوا في معمعة الحياة. الزهد يمنحنا هذه الخبرة عن الموت”.

وبقدر ما تفقد اللغة ارتباطها بالصمت تفقد جوهرها، فإذا هي تتحدث بصورة أوتوماتيكية انطلاقا من قوتها الخاصة التي تأخذها إلى النهاية. أمّا في لغة الشعراء فتبقى الكلمة متصلة بالصمت وتظهر كالشبح مليئة بالحزن والرّيبة، وينبغي عليها أن تختفي مرة أخرى.

الصمت يجلب الحزن للإنسان، لأنه وَفْقَ ما يقول بيكار “يُذكِّره بتلك الحالة التي لم تكن فيها قد وقعت بعد السقطة التي سببتها الكلمة”. ويرى هذا الفيلسوف أن الصمت مختبر حيّ للإبداع والأعمال الخلاّقة، وهو إلى ذلك المكان المركزي للإيمان، وفيه يكون المؤمن جاهزا للتنازل عن الكلمة وإعادتها إلى الله ليستلمها ثانية. وبسبب ذلك علينا أن ننسى الكلمات، وأن نتخلّى عنها، ليمتصها الصمت، وتذهب في طريقها إلى الموت، ننساها لنستطيع التسامح.

مرثية للصمت

يصف بيكار أصوات الموسيقى بأنها حركة وإيقاعات تحدث فوق سطح الصمت وهي جزء منه لا نقيضه، الموسيقى فسحة للأرواح تتنزه فيها بلا خوف، لأنها موطن الأرواح الآخر الذي اغتربت عنه وغادرته ولا شيء قادرا على حمل الموسيقى إلى الأرواح سوى الصمت.

ويتناول بيكار بالبحث الصمت واللغة وما يحمله كلاهما من حقيقة، ويقرّ بأن الحقيقة تتجلى في منطق اللغة ويقظتها، وقد تعمل اللغة على تعتيم الحقيقة بزوغانها وزيفها. لكنه يرى تجلّي الحقيقة في الصمت أيضا، ذلك أنّ “وجود الحقيقة في الصمت إنما هو بمقدار مساهمة الصمت في الحقيقة الحاضرة في نظام الوجود عموما”. فالحقيقة في الصمت هاجعة وخامدة وحيادية بعكس وجودها في اللغة، لأنّ من طبيعة اللغة ألاّ تستمرّ دون حملها الحقيقةَ، ودون ذلك تندثر وتصبح ضبابا يغطي الصمت. والصمت بدوره هو اللغز الذي يطوق الحقيقة، ويجب أن تبقى لغة الحقيقة وكلماتها على اتصال بالصمت، لأنها من دونه تبدو صلدة وخشنة وغير مقبولة. ويتراءى لبيكار أن هناك إشعاعا يطوق الحقيقة، وهذا الباعث قادر على تمديد الحقيقة في كل الاتجاهات، إنه الجمال الموجود قبل كل شيء في الصمت، ومنه تأتلف الكلمة والحقيقة وإشعاع الجمال بلا تراتبية أو أسبقية؛ لتكتمل في ذات واحدة هي “بداية الإنسان، إثمه، وخلاصه”.

في لغة الشعراء تبقى الكلمة متصلة بالصمت وتظهر كالشبح مليئة بالحزن والرّيبة، وينبغي عليها أن تختفي مرة أخرى

يرثي بيكار الصمت في المدن ويصفها بخزانات ضجيج عملاقة، ويؤكد أن هناك مسعى للخراب والتدمير يعم هذه العوالم والشوارع المزدحمة، وبالتالي “لم تعد هناك وحدة عالمية للروح والدين والسياسة. وتوجد بدلها وحدة عالمية للضوضاء”. هناك بقايا صمت يحاول بيكار استعادتها واسترضاءها، وهي تلك الأشياء التي لا يمنحُها أحد الصمتَ أو يسلبُه منها على حدّ ما نُلفي في قول أحد الفقراء لآخر “لا أحد يمنحني احترامه، لذلك منحت نفسي الاحترام، وبطريقتي”.

يمسك بيكار بعالم شبه مندثر ويُعيد تشييده بين القارئ وصمته الخاص، وبين الصمت والشعر والحقيقة والإيمان والتاريخ والأمل والأخيلة واللغة والأنا والمعرفة والحُب وغيرها من المعاني المتصلة بقيمة الإنسان الوجودية، ولا يغفل أيضا عن البحث في علاقة الطبيعة بالصمت والحيوانات والزمن ووجه الإنسان، وكذلك عن الشيطاني في الصمت وفي الكلام.

يُعيدنا هذا الكتاب إلى مكان منسي وغائب يمكننا من خلاله الخروج من بين الحُطام واللجوء إلى الصمت للاستشفاء من أمراض العالم الحديث كالقلق والخوف والتوتر والشعور الدائم بحالة العجز وعدم بلوغ الغاية. وهو الكتاب الأوّل الذي تُرجم إلى اللغة العربية للفيلسوف واللاهوتي ماكس بيكار رغم عُلوّ كعبِه الفلسفيّ وتأثّر أسماء أدبية كبيرة بأعماله على غرار الشاعر ريلكه والروائي هيرمان هيسه، واتفاق قرّاء أعماله على وصفه بـ”ضمير أوروبا”. تقوم الأفكار الرئيسة لبيكار على وقوف الإنسان بين طرفي معادلة شاقة “مسؤولية محتومة وإمكانية في الاختيار” ويعتبر ما لحق بالبشرية من مآس تالية إنما هو نتيجة منطقية لانعدام التوازن بين طرفي هذه المعادلة.

ويصف بيكار في كتابه “هتلر في نفوسنا” التحول الاجتماعي والنفسي الذي حدث للإنسان في العصر الحديث ومهد لصعود هتلر. وكان بيكار قد درس الطب ولكنّه هجر ممارسته ليتفرغ لفهم عذابات الإنسان واستخدم معارفه الطبية والنفسية للتعمّق في الرؤى الميتافيزيقية والدينية.

14