عالية ممدوح الروائية التي عثرت على وطنها في الكتابة

العراقيون يحبون روايات عالية ممدوح لأنها تعيدهم إلى عراق لم يتعرفوا عليه، غير أنها في الوقت نفسه قدمت إلى القراء العرب عراقا، كانوا قد أداروا ظهورهم له.
السبت 2019/07/13
عالية ممدوح عراقية عاشت حياتها باعتبارها أجنبية

ما من روائي إلا وضمت رواياته جزءا من سيرته الشخصية أو وقائع، كان قد عاشها بطلا أو شاهدا. غالبا ما يكون أبطال الروايات أقنعة لأناس حقيقيين، عرفهم الروائي وعاشرهم، لكنه يسعى إلى إخفاء هوياتهم.

عالية ممدوح روائية من طراز مختلف. لقد كتبت تلك المرأة التي صنعت حياتها بإرادة امرأة قوية سيرتها الشخصية ولم تتدخل خياليا إلا في ما يتعلق بشأن البناء الروائي. إنها تكتب ما يُملى عليها من قبل شخصيات، كانت قد تنقلت بينها في مختلف أطوار حياتها، هي شخصياتها.

خفة الألم

يمكنك أن تتعرف عليها طفلة ومراهقة وشابة وامرأة تضج بالتجارب من خلال قراءة رواياتها. وهي روايات خفيفة الظل بالرغم من عمقها وما انطوت عليه من ألم. ذلك لأن عالية تضع قارئ رواياتها أمام احتمالين. إما أن تكون هي البطلة وإما أن تكون البطلة تتشبه بها. لا تحسد عالية بطلاتها على ما هن فيه. فهي حين قاومت حياتها استطاعت أن تخلص إلى النموذج الذي حلمت بأن تكوّنه. المرأة الحرة، المستقلة التي تكتب. وهو ما يمكن أن يكشف عن لغزها الذي يقيم بين طرفي الكتابة والحب.

أعمال ممدوح تكتظ بالخبرة بالحياة
أعمال ممدوح تكتظ بالخبرة والحياة

صنعت ممدوح معادلة حياتها برموز كيمائية لابد أن تصيب قارئ رواياتها بعدوى الحب. وهو ما لم تصرح به علنا. فهي لا تتخيل عشاقا مرحين بسبب طبقات الشقاء التي تراكمت عبر تجربتها الحياتية غير أنها لا تحرم أولئك العشاق من إمكانية أن يكونوا أحرارا.

روايات ممدوح هي روايات خبرة بالحياة. غير أن تلك الخبرة لا تظهر باعتبارها درسا أو موعظة. شيء أشبه بالحب الذي يتسلل خفية وينسلّ مثل لص وينظر مثل غريب هو ما يقع في كل لحظة قراءة.

عاشت حياتها باعتبارها “أجنبية”. صفة تليق بها. فهي لم تكتب كالعراقيين عن منفاها. ولم تكتب كالعرب عن حرجها في الإقامة في الغرب. عالية تعترف بأنها أجنبية غير أنها الأجنبية التي تقول الحقيقة.

وضعت ماضيها العائلي والوطني على طاولة التشريح. لم تخف شيئا ولم تشعر بالحرج. بالنسبة لها كانت الكتابة مناسبة لاكتشاف الذات والكشف عنها في الوقت نفسه. كتبت كمَن تتلصص على حياتها التي لم يعد في الإمكان استعادتها إلا عن طرق تخيلها. لذلك فإنها استعانت بتقنيات الكتابة لكي تعيد تركيب تلك الحياة كما لو أن شخصا آخر كان قد عاشها.

ولدت في بغداد عام 1944. وعاشت الجزء العراقي من حياتها في حي الأعظمية. درست علم النفس في الجامعة المستنصرية. في سن مبكرة عملت في الصحافة وترأست تحرير صحيفة الراصد المستقلة ما بين عامي 1971 و1980. غادرت العراق عام 1982 إلى بيروت لتعمل في الصحافة هناك ومن هناك غادرت إلى المغرب وبعدها انتقلت إلى باريس التي لا تزال تقيم فيها.

أصدرت أولى رواياتها “ليلى والذئب” عام 1981. بعدها صدرت رواياتها “الولع” و”حبات النفتالين” و”الغلامة” و”المحبوبات” و”التشهي” و”غرام براغماتي” وأخيرا “التانكي” كما أصدرت كتاب “الأجنبية” الذي هو نوع من الكتابة الشخصية التي تمزج اليوميات بالمذكرات.

حلمها يقيم في أصابعها

نالت رواية “المحبوبات” جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأميركية بالقاهرة. كما ترجمت روايتها “حبات النفتالين” إلى سبع لغات.  كتبت القصة القصيرة وأصدرت فيها كتابين هما “افتتاحية للضحك” 1973 و“هوامش إلى السيدة ب” 1977.

عام 2003 حوّلت روايتها “الولع” التي ترجمت إلى الفرنسية إلى مسرحية أشرفت عليها الكاتبة المسرحية هيلين سكسو حيث قام ممثلون فرنسيون بتقديمها على خشبة الكوميدي دي فرانس.

ميزة عالية ممدوح تكمن في أنها تحلم بكمال لن تصل إليه ولن تناله. يؤسفها أن تقع من أعلى درجات السلم. هذه امرأة لا تصدق أن الحياة من حولها يمكن رؤيتها بشكل مباشر
ميزة عالية ممدوح تكمن في أنها تحلم بكمال لن تصل إليه ولن تناله. يؤسفها أن تقع من أعلى درجات السلم. هذه امرأة لا تصدق أن الحياة من حولها يمكن رؤيتها بشكل مباشر

وبالرغم من أنها قضت الجزء الأكبر من حياتها خارج العراق فإن ذاكرتها الروائية لا تزال مفتوحة على الجرح العراقي. رغبتها في معرفة “مَن تكون؟” جعلتها تجرؤ على أن تمد يدها إلى كتاب الوجع لتقلّب صفحاته، باحثة بين سطوره عن صوتها وعن أثر قدميها وعن خفقة فكرتها وعن لمستها على جدران كانت قد اختفت لتخفي وراءها مشاهد من بغداد الحقيقية.

وإذا ما كانت ممدوح قد عاشت حياتها باعتبارها أجنبية فإنها حرصت على أن تتجول في حقول العراق في أحلامها. تمكنت من خلال الكتابة من الإمساك بمواطنتها المفقودة.

اخترعت ممدوح معادلة، طرفاها أجنبيتها ومواطنتها من خلال الكتابة. وهو ما يعني أنها كانت في الحالين ترعى الوهم الذي يعينها على مقاومة الحياة وعدم الاستسلام للخيبة، بالرغم من أنها أجادت فن الرثاء في جزء عظيم مما كتبته.

تهبنا من خلال حياتها وأدبها درسا عظيما في قدرة الفرد على أن يكون أكبر من منفاه وهو يمحو المسافة التي تفصله عن وطن لا يزال يقيم عند درجة الصفر في البراءة.

عراق لم يعرفه القراء

حين قرأت “الولع” في إحدى حدائق باريس قريبا من برج إيفل في جلسة واحدة قلت لنفسي “إنها أطول رسالة عربية في الغرام” غير أنني حين قرأت “المحبوبات” قلت لنفسي “إنها أجمل رسالة عربية في الصداقة بعد رسالة أبي حيان التوحيدي”.

ميزة ممدوح تكمن في أنها تحلم بكمال لن تصل إليه ولن تناله. يؤسفها أن تقع من أعلى درجات السلم. هذه امرأة لا تصدق أن الحياة من حولها يمكن رؤيتها بشكل مباشر. فهي تنظر لكي تتذكر. تتأمل لتستعيد. كل شيء بالنسبة لها قد حدث. هناك شعور عميق بالفقدان يتخلل كل ما تكتبه.

روايات ممدوح هي روايات خبرة بالحياة
روايات ممدوح هي روايات خبرة بالحياة

“لقد كتبنا متأخرين” ذلك ما يمكن أن تقوله في وصف حالها. الكتابة التي تقاوم وتعيش وتناضل وتكدح من أجلها هي فعل علاج بالرغم من أنها وهبتها وطنا. كائن قلق ومعذب واستفهامي مثلها كان من الممكن أن يموت حبا، قبل أن تشرق شمس الوطن المتخيل عليه.

أعتقد أن حلم ممدوح في الكتابة يقيم في أصابعها حين تنام. وسيكون من الصعب عليها أن تعترف أنها تكتب لكي تكون محبوبة. ذلك لأنها تنشئ للغرام معبدا، تلهم زخارفه الآخرين معرفة هي أشبه بالحدس. وهي في ذلك تمثل دور الساحرة والعرافة التي تنقذ من غير أن تكشف عن خفايا خرائطها. الكاتبة التي تراقب مشهدا هي ليست جزءا منه.

الوطن والمنفى في صحن واحد

يحب العراقيون روايات ممدوح لأنها تعيدهم إلى عراق لم يتعرفوا عليه. غير أنها في الوقت نفسه قدمت إلى القراء العرب عراقا، كانوا قد أداروا ظهورهم له في حمى حماستهم العقائدية.

أولا لأنها طورت تقنية النص، بحيث صار الحلم بوطن مستعاد كتابيا أكبر من الحنين الساذج وثانيا لأنها استعانت بالأجنبية لكي تصنع لمواطنتها خرائط جديدة للذاكرة. هذه كاتبة تتذكر لكي تكون سواها. إنها الأخرى التي تسبقها أو تلحق بها. 

حين كتبت “التانكي”، وهي آخر رواياتها، أرادت أن تبني عمارة لعراق لن تجده. ذلك التوق إلى ملامسة الغياب كما لو أنه الشيء الوحيد الممكن هو حجر الزاوية في المحاولة. تتعمد الروائية أن تتسلق سلما، تعرف أنه سيؤدي إلى النسيان. ربما أرادت الاعتراف بأن التذكر لم يعد نافعا.

“كنا هناك. وسنضحك لأننا كنا هناك” الجملة التي لم تقلها وهي تتنقل بين فصول ملهاة غرامية، خيطها يمتد من بغداد إلى باريس. لن تكتب عالية ممدوح عن ضحايا المنفى ولن تكتب عن ضحايا الوطن. إنها تضحك لأن الزمن جمع المنفى والوطن في صحن واحد.

12