عباس الذي في الموسيقى

تحولت ابتهالات من يتوسلون الرضا الرباني، في أداء "شب جديد" إلى نُشدان رضا أحد عبيد الله، وهو سادن هذا النوع من الموسيقى.
الأحد 2021/10/10
شَب جديد تجرّأ على اللعب بكلمات الابتهال

“شَب جديد” اسم سمعت به للمرة الأولى قبل أيام، وهو لفلسطيني يغني بطريقة الراب، وقد انتقل إلى مصر حيث سوق الموسيقى. والفتي “شب جديد” هو في الحقيقة عُدي عباس، من قرية “كفر عقب” الأقرب إلى رام الله في جنوب شرقها، لكنها تابعة للقدس وتألم لفصلها عن زهرة المدائن، بالجدار الذي جعلها أشبه بحي محاصر، يُحظر فيه البناء! الراب ـ لمن لا يعرفه ـ هو نوع من الموسيقى من أصل أفريقي، سمعتها للمرة الأولى، وكانت جديدة، في حي برونكس في نيويورك، الذي يسكن فيه الأميركيون السود. وقد كنت هناك في صيف العام 1984. وهذه الموسيقى في المحصلة هي من نتاج ثقافة أفريقية تختزن مظلوميتها القديمة، أيام العبودية، وتتوسل حالاً جديدة، كاملة المساواة، تطوي بقايا التمييز وجموح الأبيض إلى إيذاء الأسود، في سياق تحالف الرِهاب مع العنصرية. لكن موسيقى الراب في ذهن “شَب جديد” نشأت بتأثير أوضاع بلدته المحاصرة ووطنه. وفي المحصلة كانت موسيقى الراب هي خياره. لعله رآها إيقاعاً يتوجع في احتجاج، وأدق تعبيراً من “الدبكة” الفلسطينية، التي تتمثل حال العنفوان والزهوّ به!

 غير أنّ موسيقى الراب، بطبيعتها، تتيح لمغنيها أن يسرح ويجتهد في تخليق الصور التعبيرية، وعلى الموسيقى أن تسايره بالإيقاع. وربما يكون الفتى الفلسطيني “شَب جديد” ظن أن الباب مفتوح على الغارب، فتجرّأ على اللعب بكلمات الابتهال الجميل للشيخ الصوفي سيد النقشبندي، بعنوان “مولاي إني ببابك” وهذا ابتهال كانت تزدان به عبر الإذاعة المصرية موسيقى الليالي الرمضانية!

 يقول النقشبندي في ابتهاله الأشهر كمن يتهدج: مولاي إني ببابك قد بسطت يدي، من لي ألوذ به إلّاك يا سندي.. أنت لي شغلٌ عمّا يرى جسدي، تحلو مرارة عيشي في رضاك..

كان الأجدر بالفتى أن ينشد الابتهال بكلماته الأصلية، لأنه ـ في الحقيقة ـ هو ما يليق بالفلسطيني، وما يليق بـ”كفر عقب” وغزة وغيرهما من الأماكن المعذبة، التي يألم جسدها وتحتاج إلى ما يواسيها، من ظلم ذوي القربى وذوي العداء. ففي الابتهال يعرض المبتهل مظلوميته أو حيرته وضائقته بعبارات أشبه بعربون المحبة وتقبل الشقاء بنفس راضية! أجدر بهاوٍ في الراب، أن يلتزم مستواه، ولا يلعب في عظائم الابتهالات النقشبندية، فيغيّر كلماتها. والأنكى أن هذا الابتهال تحديداً، كان من تلحين بليغ حمدي، بتوصية أو طلب من الرئيس السادات في منتصف السبعينات. ففي تلك المرحلة رغب رئيس الجمهورية، في أن يجتمع الشيخ مع بليغ، لكي تعلو تجليات الشُكر للعلي العظيم. أيامها استفظع النقشبندي على نفسه أن تنتهي تجربته إلى إيقاع من طبلٍ، يؤلف موسيقاه ملحن أغنيات الغرام. ذهب إلى الإذاعة مُكرها برفقة بليغ، لكنه عندما سمع لحن الأخير، صاح من فوره متهللاً “هذا ولد عفريت” بمعنى أن بليغ انتزع من النقشبندي رضاه عن اللحن وسعادته به!

 تحولت ابتهالات من يتوسلون الرضا الرباني، في أداء “شب جديد” إلى نُشدان رضا أحد عبيد الله، وهو سادن هذا النوع من الموسيقى، فأراد أن يتوسّله الصاعد الجديد إلى منصة الراب، أن يُفسح له مكاناً. لكن سياق الابتهال تغيّر، بينما في مقدور الشاب أن يتلقى كلمات أخرى، يهتف بها مع الإيقاع، ولو من شعر محمود درويش أو خالد أبوخالد.

قامت دنيا الموسيقيين المصريين ولم تقعد، ضد شَب جديد. واعتذر الأخير. لكن الواقعة جعلت أول خطو الفتى.. عُثارا!

24