عبدالرفيع جواهري ذاكرة المغرب في الشعر والسياسة والقانون

الشاعر عبدالرفيع جواهري يبقى مدرسة أشرعت أبوابها أمام سلاسة اللغة وجمالياتها بها بنى أهرام قصائده إضافة إلى كتاباته الساخرة في الصحافة.
السبت 2021/01/23
شخصية ساخرة من طراز خاص

جمع بين فنون الأدب والسياسة والحقوق والقانون، وزاول مهنة المحاماة وهو الشاعر الذي يعتز بأنه مناضل وسياسي ممارس ضمن الاتحاد الاشتراكي الذي مثّله دخل البرلمان نائبا عن مدينة مراكش. سلطته الأدبية ككاتب وشاعر، أهلته لترؤس اتحاد كتاب المغرب خلال تسعينات القرن الماضي، فهو أحد أهم رواد الكتابة الساخرة في الصحافة المغربية. وهو أيضاً واحد من مؤسسي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

 ولد عبدالرفيع جواهري بمدينة فاس في العام 1944 قبل أن يغادرها في السادسة عشر من عمره. لكن المدينة العريقة جعلته أسير سحرها وعمرانها وثقافتها ورجالاتها وتاريخها، فوثّق حنينه إليها في ديوانه “كأنّي أفيق”، ليفلسف علاقته بالمدن التي قال إن لكل منها سحرها وعطرها وفتنتها وسرّها، تلك المدن التي علمته أن يغادرها كي يعود إليها، ولهذا كانت مدينة الرباط مقصده للدراسة العليا، وفيها درس القانون وأجيز فيه.

برلمان الملائكة

كتاباته الساخرة كانت تعبيرا رمزيا عن فترة صعبة من تاريخ المغرب السياسي، من خلال عموده الشهير “نافذة”، الذي كان يكتبه بانتظام في جريدتي “الاتحاد الاشتراكي” و”الأحداث المغربية”، بداية ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. كتابة ملتهبة جعلت الحقوقي والكاتب الوديع الآسفي يقول إن جريدة “الاتحاد الاشتراكي” في الثمانينات كانت تجبرك على البدء في قراءتها من الصفحة الأخيرة حيث يجد القراء ضالتهم في نافذة جواهري.

المعارضة النقدية، برأي جواهري، هي أن  تثمن ما هو إيجابي وتنتقد ما لا يدخل في مصلحة الوطن وتعرض البدائل، لكن أحداً لم يسمع له رأيا بعد مشاركة حزب يساري في حكومة يقودها حزب إسلامي
المعارضة النقدية، برأي جواهري، هي أن  تثمن ما هو إيجابي وتنتقد ما لا يدخل في مصلحة الوطن وتعرض البدائل، لكن أحداً لم يسمع له رأيا بعد مشاركة حزب يساري في حكومة يقودها حزب إسلامي

لاحظ جواهري أن جريدة ”الاتحاد الاشتراكي“ آنذاك كانت تنفخ رؤوس المغاربة وهم شعب مرح رغم نفاق نخبه بالأخبار السيئة، فاقترح مخاطبة هذا الشعب المتمدن رغم فقره، بأسلوب آخر يليق بطريقته في قول الأشياء مواربة وبلطف، لهذا السبب تم خلق “نافذة”، ما جعله يقيم الكتابة الساخرة بالمغرب من خلال حاسته المهنية ويحكم بأنها نادرة، ولم تصل بعد إلى التراكم المطلوب، كما لم يخف أن ”أصابعه تأكله“ عندما يرى حالة تحتاج إلى معالجة بالكتابة الساخرة.

أعمدة جواهري الساخرة من قبيل ”البعبعة“ و”عام الحلوف“ و“برلمان الملائكة“، و“حكاية بغل“ كانت بلا شك مزعجة ليس فقط للمسؤولين والحكام وإنما للقيادات الحزبية للاتحاد رغم رمزيتها، وقد تحدث عن التحقيق معه لست ساعات متواصلة من طرف النيابة العامة بسبب نافذة عنونها بـ”شكل ثاني حبك إنت”، وحين سألته النيابة عما يقصده من وراء عنوان نافذته، رد بالقول: اسألوا صاحب الأغنية.

ويرى الباحث في العلوم السياسية محمد شقير في دراسة بعنوان “السخرية والسلطة في المغرب: من المأسسة إلى التجريم” أنه رغم بعض الأعمدة الساخرة المتناثرة في بعض الجرائد والأسبوعيات الصادرة في البلاد، ورغم تناول الرسوم الكاريكاتورية بعض الشخصيات السياسية بالسخرية والتندر، فإن ذلك مازال لم يكرس بعد لثقافة سياسية ترسخ روح الدعابة والفكاهة وحرية التندر والهزل من مختلف مكونات المنظومة المخزنية في المغرب.

وفي تحليله لنوافذ جواهري، يؤكد الباحث الحسين الزهواني، أنها تمتاز بالذكاء التحريري حيث وظف مجموعة من الآليات للسخرية من الواقع، وأنه استطاع أن ينتج نصوصا ساخرة على مستوى الشكل، فاعلة في محتواها من أجل التعبير عن رؤيته للعالم وموقفه من الوجود، كما خلص إلى أن هذه النصوص المنتقاة أسهمت في تخصيب السخرية عن طريق ربطها بمجموعة من الوظائف النقدية والحجاجية والاحتجاجية في أفق التأسيس لمواقف إنسانية ترفض كل ما هو متدهور.

بلقنة الخارطة السياسية

جواهري يعدّ من المناضلين السياسيين المدافعين عن الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان، وهو يعتبر أن مهنته كمحامٍ كانت محطة هامة للدفاع عن الحريات وفق القوانين المعمول بها
جواهري يعدّ من المناضلين السياسيين المدافعين عن الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان، وهو يعتبر أن مهنته كمحامٍ كانت محطة هامة للدفاع عن الحريات وفق القوانين المعمول بها

كتابته الساخرة لم تأت من فراغ فهو القيادي الذي مارس كواليس السياسة مستعينا بترسانة علمية قوية سهّلت له مسالك هذا الفن الصعب، ومقالاته السياسية والاجتماعية التي قدمها في قالب نقدي، كانت فريدة من نوعها في الصحافة المغربية حيث قامت بالتأصيل لفن السخرية داخل الصحافة المغربية. كما أسهمت في خلق الوعي المضاد الذي أسهم بدوره في التقويم والفضح والكشف، ويضيف الزهواني، إن نوافذ جواهري انفتحت على حقول معرفية مختلفة، فنهلت من المقدس والأدب والشعر والحكاية الشعبية، والتراث العربي القديم، والأزجال، والأمثال الشعبية والتراث الغنائي والتاريخ.

ورغم تجربته الحافلة، يقول جواهري إن كل ما قام به لأجل الوطن يظل بسيطا، فمشواره المهني والسياسي كان حافلا كمحام مدافع عن الحرية والكرامة خاصة خلال الفترة التي سميت بسنوات الرصاص خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، كيفما كانت انتماءات المعتقلين السياسية والأيديولوجية. ثم كشاعر وكاتب ناضل من أجل حرية الإنسان وكرامته، فهو دائم التذكير بأنه منذ نشأته كان مؤمنا بأن الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان لا يتخذ شكلا واحدا، بل هناك جبهات متعددة لتكريس الكرامة وإعلاء شأن الدفاع عنها.

جواهري من المناضلين السياسيين المدافعين عن الديمقراطية والحداثة، وقد اتخذ الشعر واجهة نضاله للدفاع عن حقوق الإنسان، وخولته شهادة الدروس المعمقة في مراكش العمل محاميا، ولذلك يعتبر أن مهنته كانت محطة قانونية للدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، وضمان المحاكمة العادلة وفق القوانين المعمول بها.

رأيه الخاص الذي يعبّر عنه دوماً يتركّز على أن أكثر من ثلاثين حزبا في بلد كالمغرب أمرٌ لا يمكن أن نعتبره سوى تمييع للحياة السياسية ولمفهوم الأحزاب لدى المواطنين

رأيه الخاص الذي عبر عنه طويلاً يتركّز على أن أكثر من ثلاثين حزبا في بلد كالمغرب أمرٌ لا يمكن أن نعتبره سوى تمييع للحياة السياسية ولمفهوم الأحزاب لدى المواطنين، وهذا شيء خطير، يضاف إليه نمط الاقتراع الذي يزيد من بلقنة الخارطة السياسية. أما روح الديمقراطية كما يتصورها فتتمثل في توزيع السلط وفي أحزاب قوية تقوم بالمعارضة الحقيقية.

كان جواهري عضوا للمكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، وبقي وفيا لآرائه السياسية التي شكلتها أيديولوجيته اليسارية وتشرّبه لنبع النضال منذ الصغر عندما كان والده ينتمي إلى الحركة الوطنية التي قارعت الاحتلال في أربعينات وخمسينات القرن العشرين.

لم يهضم كالعديد من الاتحاديين خروج حزبه من رئاسة الحكومة في العام 2002، لأسباب موضوعية وشكلية، ولتطويع المعطيات الجديدة وكسياسي كان يبحث عن موطئ قدم لحزبه داخل المنظومة التدبيرية كان مع المساندة النقدية حيث يراها معارضة مسؤولة، فالمعارضة النقدية، برأيه، هي أن تثمن ما هو إيجابي وفي مصلحة الوطن وتنتقد ما لا يدخل في مصلحة الوطن وتعرض البدائل، لكننا لم نسمع له رأيا بعد مشاركة الحزب اليساري في حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية الذي ينهل من أدبيات الإسلام السياسي.

خفت اسمه في عوالم الصحافة والميدان الحزبي، إلا أنه ما يزال يقول إنه لم ينسحب من الصحافة ومن السياسة، بل تأمل بحزن عميق وهو ما عبر عنه شعرا، ويوضح ذلك بالقول “إن الكلام كثير، ومن الأفضل أن نفتح قلوبنا للشعر، فولاؤه للقصيدة كان أقوى فأبدع نغما دافئا”.

رائد الشعر الغنائي

حالة الشعر منذ أفلاطون قضية تبقى سرمدية كما يرى جواهري، صاحب رائعة “القمر الأحمر” التي غناها الفنان عبدالهادي بلخياط
حالة الشعر منذ أفلاطون قضية تبقى سرمدية كما يرى جواهري، صاحب رائعة “القمر الأحمر” التي غناها الفنان عبدالهادي بلخياط

أما حالة الشعر فهي منذ أفلاطون قضية سرمدية، كما يرى صاحب رائعة “القمر الأحمر” التي غناها الفنان عبدالهادي بلخياط ولحنها المبدع عبدالسلام عامر. عبر عن رأيه الواضح والحاسم في الشعر الغنائي، سواء بالفصحى أو العامية، كأساس للغناء المغربي، عندما دعا إلى حماية جوهره ومضمونه الثقافي، كون المسألة لا تتعلق فقط بكلام ملقى على عواهنه، ولكن بصنف شعري اسمه الشعر الغنائي. ولهذا كان الشعراء المغاربة يتهيبون القصيدة الغنائية.

يأسف جواهري لكون الثراء والغنى والتنوع الإبداعي في مختلف مناطق المغرب، فيما يتعلق بالإيقاعات والنصوص، لا يعكس الثراء والغنى الفني في ما هو سائد الآن، وبعين الخبير المتذوق يرصد الفرق الكبير والشاسع بين الضجيج والموسيقى وبين مجرد الكلام وبين الشعر الذي له ضوابط وقواعد ومقومات، ليست هذه دعوة إلى الكتابة الشعرية وفق قوالب جاهزة ومنمطة، بل هو يرى أن للشعر لغته الخاصة، وللموسيقى قواعدها، فالفنون لها لغتها وضوابطها التي تجعلها تتجنّس وتأخذ البعد الفني من مسرح وسينما وموسيقى وغناء وغير ذلك .

لا شك أن ارتباط جواهري بالنظم الشعري يمر عبر اللغة العربية التي شكلت في رأيه، الجسر الذهبي لعبور المعارف العلمية والفلسفية اليونانية والرومانية إلى أوروبا في عصر النهضة، وكذلك عبر حروفها صقل موهبته الشعرية كما فتحت له أبواب الكتابة بجرائد الحزب.

وإذا كانت الموسيقى والغناء والإبداع الشعري أمورا ترتبط بتهذيب الذوق الجمالي العام للمجتمع، فلا بد للذين يشتغلون في الجانب الموسيقي أن يكونوا على دراية وإلمام بالعلوم الموسيقية، أو على الأقل مرّوا بمعهد من المعاهد الموسيقية بالمغرب أو خارجه، كما أن الأداء له قواعده التي يتم تلقينها وأخذها عن أساتذة ورواد، وإلا ستبقى سوق الأغاني الاستهلاكية والتجارية هي الطاغية، ولم يتردد جواهري في الدعوة إلى ثورة جمالية تعيد إبداع الصور الشعرية والبلاغية وكل ما يصنع من الكلام شعرا.

الباحث الحسين الزهواني يقول إن نوافذ جواهري تمتاز بالذكاء التحريري حيث يوظف فيها مجموعة من الآليات للسخرية من الواقع، وقد استطاع أن ينتج نصوصا ساخرة على مستوى الشكل، فاعلة في محتواها من أجل التعبير عن رؤيته للعالم وموقفه من الوجود

تؤكد الناقدة حورية الخمليشي أن القصائد المغناة في شعر جواهري حظيت بشهرة كبيرة، لأنها ذات لمسة خاصة في الأغنية المغربية، وعدّت من أروع القصائد المغاربية والعربية على الإطلاق. فكانت ولا تزال شمسا مضيئة في سماء الأغنية، فهي تمثل صوت الإبداع في المغرب، لأن الشعر والغناء عنصرا تواصل ثقافي إنساني باذخ.

ومثال ذلك قصيدة “القمر الأحمر” التي تمثل صورة غنائية، والتي جسّدت ولأول مرة في المغرب نصّاً غنائياً مركباً، إذ هناك مجموعتان موسيقيتان، أوركسترا سيمفونية وجوق المعهد الموسيقي بالرباط، والمقدمة السيمفونية عزفت بقيادة المايسترو ماريتون، ثم تم تركيب الصورة الغنائية والمؤثرات الصوتية داخل الأستوديو.

ومن صور جواهري الشعرية التي كان للمرأة حضور جميل فيها وعرفت انتشارا كبيرا قصيدة ”ميعاد ورموش“ من غناء بلخياط أيضاً، وقصائد مثل ”راحلة“ و“أشواق“ و“ذكرى طفولة“ و“الشفاه الحمر“ لمحمد الحياني، وقصيدة ”مدينة العاشقين“ و“أطفال الحجارة“ لرجاء بلمليح، وكذلك “ظلال“ و“العشاق“ التي غنتها كريمة الصقلي.

ويبقى جواهري مدرسة أشرعت أبوابها أمام سلاسة اللغة وجمالياتها وشفافيتها، بها بنى أهرام قصائده التي غنت للحرية والمشاعر الدافئة، والتي لامست قلوب الملايين بعد أن غنتها أصوات التحمت مع لحنها وإشراقاتها لتخلد شاعرا كبيراً وسياسياً فريداً وشخصية ساخرة من طراز خاص.

12