عبدالله العابر: المسرحيون الخليجيون يتطلعون إلى حرية أكبر

المهرجانات طورت المسرح الخليجي لكنه بحاجة إلى المزيد من الحرية، وغياب الدولة عن دعم المسرح يؤدي إلى معاناته ويساهم في تقويض حرياته والعمل به.
الاثنين 2019/09/09
نحتاج إلى مزيد من الدعم

مع تعدد المهرجانات والفعاليات المسرحية الخليجية، يمكننا أن نرى بشكل ملموس تطور المسرح في بلدان الخليج بشكل لافت، حيث لم يعد منحصرا في اهتمامه بالتراث أو الكوميديا فحسب، بل صار يطرح قضايا راهنة بأشكال متعددة كما تعددت سبله الفنية والتقنية. “العرب” توقفت في هذا الحوار مع المسرحي الكويتي عبدالله العابر، لنتعرف على رؤاه وأفكاره في ما يخص المسرح الكويتي والخليجي خاصة والعربي عامة.

يجمع المسرحي الكويتي عبدالله العابر بين الإخراج المسرحي والتلفزيوني والتمثيل والتأليف وبين العمل الأكاديمي تنظيرا ودرسا ونقدا حيث يترأس قسم الإخراج والتمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت، ويتمتع بحضور فاعل ومتميز ﻓﻲ اﻟﻌﺪﻳﺪ من اﻟﻤﻬﺮﺟﺎﻧﺎت اﻟﻤﺴﺮﺣﻴﺔ اﻟﻤﺤﻠﻴﺔ واﻟﺨﻠﻴﺠﻴﺔ واﻟﺪوﻟﻴﺔ.

قطع العابر مراحل عدة في مسيرته المسرحية الأولى تمثلت في مشاركاته في النشاطات المسرحية سواء في المدارس أو عبر الورش التدريبية، والمرحلة الثانية جاءت بالالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج، والثالثة التي توجته مخرجا وممثلا ومؤلفا وتمثلت في المشاركات الأكاديمية والمسابقات الرسمية للشباب والمحترفين. وأخيرا المرحلة الرابعة حصوله على درجة الدكتوراه عن أطروحته “تقنيات الإخراج في المسرح الكوميدي في الفترة من 1990 و2011”.

المسرح الكويتي

بداية يؤكد عبدالله العابر أن جمعه بين العمل الأكاديمي والاشتغال بالعمل المسرحي خارج النطاق المؤسسي ليس بالأمر السهل، لأن العمل الأكاديمي يتطلب أسسا ومعايير مختلفة تماما عن بناء عمل مسرحي خارجي، ولكي يعمل على التوازن بين الأمرين كان لا بد، كما يقول، من وضع خطط زمنية بفترة كافية والاشتغال في وقت الفراغ للإعداد المبكر. فالعمل الأكاديمي محدد من الناحية الزمنية والمنهج التعليمي وعدد الطلاب والإمكانيات المتاحة. أما صناعة العمل المسرحي المحترف الخارجي فليس له وقت ثابت ويحتاج فترة أطول من الجانب التحضيري لذلك يعمل على رزنامة لا تقل عن السنتين لخلق هذا التوازن.

الأداء المسرحي للفنان الكويتي تطور بالتدريج مع تطور الحركة الثقافية والحراك الاجتماعي والاقتصادي بالكويت

ويرى العابر أننا نعيش في ظل عولمة أنتجت عالما متداخلا مليئا بالاختلاقات السياسية والاختلافات الدينية المصطنعة، وأنه في ظل التطور التكنولوجي واتساع دوائر التقنيات الحديثة “السوشل ميديا”، ومع اتساع تأثير كل ذلك أصبح من الصعب معه تحليل الواقع بالشكل الصحيح أو استشرافه. ومن جهة أخرى رغبة السلطات العربية والغالب منها بعدم إقحام المسرح في الواقع القائم، فقد عملت أغلب السلطات على تقييد حرية الرأي وإصدار قوانين تقيد المسرح. ومن الملاحظ أن ثمة هجمة كبيرة على المجتمع بقصد التغيير والتفكيك، وفي ظل هذه الظروف أصبح لدى بعض المسرحيين التوجه إلى الحالة الاجتماعية، وإعادة الصياغة متمازجة مع الشكل والتقنيات الحديثة، وذلك خوفا من الاندثار والانحلال.

ويشير العابر إلى أن المسرح الكويتي مر بعدة مراحل أثرت فيه بشكل مباشر ومنها مرحلة استلهام النص لوقائع وشخصيات تراثية أو تاريخية عربية تعتبر علامات مضيئة في تاريخنا العربي، وأسقطها على واقع الكويت المعاصر، بهدف تعظيم دور بطولي تاريخي، وما بين الهواية والاحتراف أتت تلك العروض المسرحية بأسلوب أكثر عمقا وتأصيلا من خلال تجويد الأداء التمثيلي وتصورات المخرجين الدارسين ومصممي المناظر والأزياء وحيل التنكر المتقنة. كما يمكن القول إن صور التراث وقيمه لم تنفصل انفصالا تاما عن معالجات كتابنا المسرحيين، من خلال انتقاء الكتاب لبعض المواقف المشرقة في تاريخنا وتراثنا الأدبي والقصص الشعبي العربي القديم، وإعادة كتابتها وإخراجها في عروض مسرحية تعرف أبناء هذا الجيل بأمجاد تاريخنا العربي.

ويوضح أن العرض المسرحي الكويتي يعد وسيلة تفاعل فني مع المجتمع عبر عملية اتصال حاضر بين حالة الإرسال والاستقبال “العرض” بوصفه حالة اتصال وجداني وفكري حاضر بين مجموعة من الفنانين الذين يعبرون بالتمثيل وتقنيات العرض المسرحي عن مضمون النص وخطاب المؤلف المسرحي وجمهور المتفرجين. وقد اهتمت النصوص المسرحية الكويتية الأولى وما تحمله من موضوعات بالكشف عن طبيعة العادات والتقاليد الموروثة وصراع المتمسكين بها من الآباء مع طموحات الأبناء. ومن ثم اتجه المسرح الكوميدي الكويتي إلى معالجات فنية لأحداث الغزو العراقي وأثره على الوعي الكويتي بأسلوب كوميدي. وبعد ذلك اتجهت المسرحيات الكويتية الكوميدية إلى المجتمع الكويتي الاجتماعي والسياسي ومن هنا نلاحظ تطور الأداء المسرحي للفنان الكويتي بالتدريج مع تطور الحركة الثقافية والحراك الاجتماعي والاقتصادي بالكويت في ظل المتغيرات السياسية في منطقة الخليج.

العرض المسرحي الكويتي يعد وسيلة تفاعل فني مع المجتمع
العرض المسرحي الكويتي يعد وسيلة تفاعل فني مع المجتمع

ويكشف العابر أن الإخراج المسرحي في عروض المسرح الكويتي لجأ إلى توظيف تقنيات فنية تعظم دور الضحك دون أن تخل بالنص المسرحي نفسه، وتركز الإنتاج في إخراج عروض الميلودراما الاجتماعية التي تختلط بأسوب الفارس اعتمادا على مهارات بعض ممثلي الكوميديا دون التخلي عن المبالغات في الأداء التمثيلي.

المسرح لم يتراجع

يشير العابر إلى أن المسرح الكويتي منذ بداياته متواجد في جميع المحافل العربية والخليجية مما أدى إلى تطويره وازدهاره، وقد انعكس ذلك على العروض المحلية حيث أن الجهة المسؤولة عن المسارح خلقت نوعا من التنافس والجدية في الأعمال المسرحية، وذلك للتمكن من المشاركات وتمثيل الكويت خارجيا، لذلك ترى فرقا مسرحية رغم قلة إمكانياتها المتاحة إلا أنها تسعى إلى أن تقدم الجودة. إن اختيار العروض للتنافس أو للعرض يأتي من خلال قرار ومتابعة من مجالس إدارة لجان فنية حرصا على صناعة العمل المسرحي.

ويضيف أن أبرز ملامح المسرح الكويتي الآن تتمثل في قوة التمثيل والمخرجين والبعض من السينوغرافيين والكتاب، وأيضا توجه البعض للإدارة المسرحية والإنتاج.

ويشدد العابر على أهمية المهرجانات المسرحية التي تقام في دول الخليج، ويقول “أعتقد أن من المهم جدا وجود هذه المهرجانات سواء كانت على المستوى المحلي للدولة أو على مستوى الدول الخليجية والعربية مجتمعة، وبرأيي إن المهرجانات الخليجية حققت بشكل كبير ملامح وخصوصيات في الكثير من العروض، فلا يخلو أي مهرجان خليجي من العروض المحلية المتميزة سواء في اللهجة أو التراث أو معالجتها للحالات الاجتماعية والسياسية المشتركه في كل الدول”.

المسرح الكويتي لجأ إلى توظيف تقنيات فنية تعظم دور الضحك
المسرح الكويتي لجأ إلى توظيف تقنيات فنية تعظم دور الضحك

ويتابع “إن غياب الدولة في كثير من الأوقات عن دعم المسرح هو ما يؤدي إلى معاناته بشكل كبير ويساهم في تقويض حرياته والعمل به، ورغم محاولات بعض الحكام والمسؤولين المهتمين بالمسرح إلا أن هناك كثيرا من الحكومات تحارب المسرح عبر مؤسساتها سواء كان ذلك نتاج جهل أو شعور بخطورة الدور التنويري للمسرح”.

ويضيف العابر “إننا بحاجة إلى المزيد من الحرية في مسارحنا الخليجية وترك الرقابة الذاتية تأخذ مساحتها بشكل أكبر، ليس معنى هذا أن نترك الأمور بحالة من التسيب، لكن المطلوب المزيد في المرونة في القوانين، والمزيد من المسارح، فمعظم مسارح دول الخليج لا تلبي احتياجات المسرحيين على مستوى عددها أو تجهيزاتها، فالأمر يتطلب المزيد من المسارح المبنية وفقا لمواصفات وشروط  تلائم العروض والأفكار والرؤية المطروحة من قبل صناع العروض، فالإمكانيات البشرية موجودة بشكل جيد، أما التقنيات المسرحية وتنفيذها وحضورها في المسارح فغير متاحة للكثيرين، وحتى لو كانت بعض الدول قد بنت عدة مسارح عالية المستوى فهي
غير متاحة إلا لمناسبات معينة خاصة بها”.

ويؤكد العابر أن المسرح لم يتراجع بل العكس، المسرح يتقدم، نعم هو بحال ليست بالممتازة لكنها جيدة وتمضي إلى الأفضل في ظل  انفتاح التجارب المسرحية العربية على بعضها البعض. أيضا الجمهور لم يهجر المسرح بل ازداد حضوره وتفاعله في الآونة الأخيرة، والدليل على ذلك كثرة العروض وتنوعها وكثرة المهرجانات والمشاركات والدورات والورش، ولكن يبقى الدور على صناع العرض المسرحي والسؤال يعود لهم لمن العرض؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن ثم عليه تطوير وتجديد أفكارهم ورؤاهم بشكل مستمر. فلا الحروب ولا الإرهاب ولا النزاعات استطاعت أن توقف المسرح بل العكس دفعته ليوسع دائرته وينطلق نحو مزيد من معالجة القضايا والاشتباك مع المجتمع والمشاركة في خلق وعي وبناء ذائقة جمالية وفنية.. المسرح تهذيب وتثقيف وراحة للنفس والتنفيس عن الجمهور في ظل ما يجري من حروب ونزاعات.

15