على باب الله

مشهد التباعد، بين اثنين لا يعوزهما المسح، يُرعب الخلق الذين على باب الله. فهؤلاء يعتقدون أن الفايروس يقنص ولا ينتشر.
الأحد 2021/01/24
وقاية ربانية

لا أعلم سبب إصابة الميسورين من أهل الوجاهة، بفايروس كوفيد ـ 19 وكثيرون منهم ساسة ومسؤولون. فبأيّ وسط يختلطون، وبأيّ تدابير حاولوا تحاشي الإصابة؟

منذ نحو ثلاثة أسابيع، وأنا أعيش بين بشر على باب الله، على مقربة من حيّ شعبي في مصر، يقع خلف الحيّ الجديد الذي أقيم فيه، والحيّ القريب، هو مكان التسوّق المناسب، إذ يزحم فيه البشر وتتكاثر السلع وتتبسط الأسعار!

 يندر هنا، أن تلمح من يضع الكمامة على نصف وجهه ويخفي أنفه وفمه. فالأفواه والأنوف منفتحة على المكان وتواجه الرياح، ولا إصابات. لكن هناك من يقولون، إن الناس مصابون، لكنهم لا يعلمون ولا يتعرّضون للفحوصات. غير أن نقيضا يتبدّى من خلال استمرار هؤلاء في الحياة الطبيعية، فلا تلاحظ عليهم أي أعرض. كذلك فإنني أزور قرية في محافظة الشرقية، وسألت إن كانت هناك خسائر في الأرواح، من جرّاء كورونا، فقيل لي لا أحد. فلماذا إذاً يُصاب المشاهير الميسورون ورجال السياسة ونجوم الفن؟ ليت الذين أصيبوا، لاذوا بالفرار من بحبوحتهم، ليوفّروا على أنفسهم المصافحة بظهر مفصل اليد، ولجأوا إلى الأحياء الشعبية؟

الحي، حيث أقيم، يزدحم بعمّال البناء. وعندما تتبدّى حيوية هؤلاء، يتوافر الدليل على أنهم في تمام عافيتهم، ومعظمهم يعرفون بعضهم البعض، وخلال الأسابيع الثلاثة، لم يقل لي واحد منهم إن زميلاً له قد أصيب. فكورونا تضرب العافية أول ما تضرب، وفي حال الإصابة، سيختفي المصاب!

على الرغم من هذه الشواهد، ظلت قنينة المُطهّر في جيبي، والكمامة تغطي نصف الوجه، وكلما ابتعت شيئاً وأعيدت لي بواقي جنيهات، أغسل يدي بالسائل، بعد لمس الأوراق النقدية، التي تكون قد مرت خلال الأسابيع الثلاثة على عشرات الأيدي. عندئذٍ، يبادرني البائع، قائلاً “يا باشا” بدل “يا عمي الحَج”. كأنما قفز إلى ذهنه، صلة الحركة بذوي المقامات المُستهدفين. ولعل الأطرف في نظر الباعة، هو أن يلتقي رئيسان أو وزيران، فيتباعدا في الجلسة، وتُلتقط لهما الصور بالكمامة، وكأن واحدهما يخشى أن ينقل له الآخر، الفايروس اللعين، علماً بأن كليهما يكون قد مر بشكل دوري على المسحات الطبية الفاحصة (PCR تفاعل البوليميراز المتسلسل) لقياس عدد دورات المادة الجينية في الفايروس، لكي يتأكد من عدم وصولها إلى عتبة الأربعين.

مشهد التباعد، بين اثنين لا يعوزهما المسح، يُرعب الخلق الذين على باب الله. فهؤلاء يعتقدون أن الفايروس يقنص ولا ينتشر، وإن انتشر في منطقة ذات كثافة سكانية، فكأنما يختبر همة السلطات التي يُفترض أنها معنية بطبابة الناس.

24