عماد حمدي: القيثارة الآلة الموسيقية الأكثر رومانسية

عازف مصري يُعيد صياغة المقطوعات العالمية بنكهة عربية.
الخميس 2021/01/28
بين عماد حمدي والقيثارة أنغام تنبع من القلب

منذ أن تحرّرت الموسيقى من القالب الغنائي بدأ المؤلفون يستغلون القدرات الخاصة لكل آلة عند كتابة الموسيقى المنفردة. وبمرور السنوات أصبحت الموسيقى الآلية، التي لا يصاحبها غناء، تحتل مكان الصدارة لدى الكثير من المؤلفين. ويعدّ الموسيقار المصري عماد حمدي واحدا من هؤلاء الذين آمنوا بقدرة آلة القيثارة على إمتاع المتلقّي دون الحاجة إلى آلات موسيقية مرافقة أو مطرب يزيد المعزوفة بهاء.

القاهرة - برز اسم الموسيقي المصري عماد حمدي كأحد أبرز عازفي القيثارة في العالم العربي، حيث قدّم منجزا فنيا للاحتفاء بالقيثارة الكلاسيكية والتأليف لها، وأسهم في تنوّع وتطوير المجتمع من خلال موسيقاه الرومانسية والعذبة. “العرب” التقت الفنان المصري للتعرّف على سرّ عشقه لهذه الآلة، وماذا أنجز بها، وكيف تشكّل وعيه وتدرّج غرامه بها.

يعترف حمدي أنه رغم شغفه الشديد بالموسيقى منذ طفولته، إلّا أنه لا ينتمي إلى أسرة فنية، وهو يقول في ذلك “لم تكن لأسرتي علاقة بالوسط الفني، أحببت القيثارة منذ الطفولة، كان هذا الحب ينمو معي، وبمرور الوقت بات حلمي أن أكون عازفا محترفا، فهذه الآلة تمثل حياتي كلها، وليست مجرد هواية، ولذلك قرّرت أن أدرسها أكاديميا”.

وأوضح أن الموضوع بالنسبة إليه في البداية كان اجتهادا صرفا، حيث كان عندما يسمع عن شخص يجيد العزف يتوجه إليه ليتعلم وينهل منه، ووجد أن التعليم كان مليئا بالأخطاء، ويفتقر إلى الأجواء الأكاديمية، فالموسيقى علم ونظريات ولغة تُقرأ وتُكتب.

وكانت بداية حمدي الجادة عندما التحق للدراسة بمعهد ليوناردو دافنشي عام 1986، وما إن وطئت قدماه قاعاته حتى عثر على كل ما كان يبحث عنه، وتلقى دراسة متخصّصة على أيدي متخصّصين إيطاليين.

وبعد تخرّجه من المعهد الإيطالي تمّ تعيينه معيدا به، وحصل على الدبلومات الموسيقية بامتياز من رويال أكاديمي في بريطانيا، ما أتاح له دراسة الهارموني والآلات والعلوم الموسيقية، مع توفّر أجواء فنية مكّنته من الالتقاء بعازفين وموسيقيين كبار في العالم.

بين الكلاسيكي والكهربائي

يرى حمدي أن القيثارة الكلاسيكية هو أصل القيثارة، ولا يمكن مقارنتها بنظيرتها الكهربائية، قائلا “إسبانيا هي منشأ القيثارة الكلاسيكية ومنها انتشرت في العالم كله، ويتم العزف عليها بأصابع اليد اليمنى من غير ريشة، ما يجعل منها آلة كاملة الهارمونية، ومتعددة الأصوات مثل البيانو والهارب، وقد منحها ذلك القدرة على عزف الموسيقى الكلاسيكية إلى جانب الموسيقى الإسبانية، لذلك أطلقت عليها تسمية القيثارة الكلاسيكية”.

وأضاف لـ“العرب”، “أما القيثارة الكهربائية فتعتمد على العزف بالريشة وعلى أوتار معدنية تحتها مكبر للصوت يستقبل تردّدات الأصوات ويضخمها، وهو مختلف في أصالته وأصواته”.

العازف المصري لا يخفي إعجابه بالراحل عمر خورشيد الذي يراه أفضل من عزف على القيثارة الكهربائية في العالم العربي

ويعد الفنان المصري الراحل عمر خورشيد أشهر من عزف على القيثارة الكهربائية في مصر، وأبدى عماد حمدي إعجابه الشديد به، حيث استطاع أن يبهر الجمهور، وكان يتمتع بلمسة غير مسبوقة على القيثارة، لم يفلح أحد في تقليده بمصر، وقدّم من خلال القيثارة الكهربائية موسيقى لأغان عربية إلى مطربين كبار كنوع من الارتجال دون نص مكتوب، ما أفقد الأداء هويته وشكله الأكاديمي وجعله أقرب إلى عزف العود.

ويُصنّف عماد حمدي ضمن أفضل عازفي القيثارة في العالم، وقدّم حفلات ريستال وثنائيات للقيثارة مع الفيولينة والفلوت والتشيللو والبيانو والعود والغناء والإيقاع، مع أشهر عازفي هذه الآلات في دول مختلفة.

وارتبطت القيثارة الكلاسيكية التي نجح حمدي أن يجعل لها مساحة داخل الفن المصري بالرومانسية والمقطوعات الموسيقية الحالمة، والأشهر في تاريخ الفن مثل “كونشيرتو دي آرانخويث” عبر ثيمة “مونا مور” للموسيقار الإسباني العالمي خواكين رودريغو.

وأكّد في حواره على أن لكل آلة موسيقية طبيعة أو شخصية خاصة بها، والقيثارة آلة رومانسية للغاية، حسّاسة تمسّ القلب، وساعد على ذلك أن لونها الصوتي ناعم ومنخفض إلى حد أنه في الحفلات لا بد من وضع “مايك” أمامها كي يصل إلى الجمهور.

وأضاف أن هذه الأسباب مجتمعة أدّت إلى لفت أنظار المؤلفين الكبار في العالم إلى القيثارة، فكتبوا لها مقطوعات مفعمة بالحب والعاطفة والمشاعر، ما زاد من الارتباط الوثيق بينها وبين الرومانسية.

وأشار الفنان المصري إلى أن هذه المسألة تفسّر لماذا حين أراد الموسيقار العالمي خواكين رودريغو التعبير عن عشقه لوطنه إسبانيا اختار أن يكتب موسيقى للقيثارة، بالرغم من أنه في الأصل مؤلف بيانو، فهو لم يجد أكثر منها رومانسية كي تعبّر عن مشاعره، ومن فرط صدقها أصبحت هذه الموسيقى أيقونة للحب، خاصة ثيمة “مونا مور” الشهيرة.

وذكر أنه حين كتب الموسيقار المصري اليوناني أندريه رايدر الموسيقي التصويرية للفيلمين الأكثر رومانسية في تاريخ السينما المصرية، وهما “بين الأطلال” و“دعاء الكروان” جعل القيثارة الآلة الأساسية التي تعبّر عن الجمل الموسيقية الرئيسية في هذه الموسيقى، فجاءت شديدة الدفء والعذوبة.

تتويجات عالمية

نجح عماد حمدي في أن يجذب قطاعا من الجمهور المصري للقيثارة، فشهدت حفلاته إقبالا كبيرا من مختلف الفئات الثقافية والعمرية، ويوضح “للأسف الناس يتصوّرون أن الموسيقى أغنية فقط، فهناك تعلّق شديد بالطرب، وما يطلق عليه الموسيقى الآلية، يأتي في نظرهم من دون غناء، وليس له حضور قوي بين معظم العرب، ومع ذلك كنت أصرّ منذ بداية مشواري على أن أخرج للجمهور صولو من غير آلات أخرى أو غناء”.

وقدّم الموسيقار المصري حفلات “قيثارة ريسيتال”، أي عرض منفرد، وهو أمر كان منعدما في مصر، لكنه تمسّك به إلى أن رسّخ الشكل الصحيح للقيثارة، وتطلب ذلك الكثير من الصبر والحرص على تقديم مقطوعات جديدة في كل حفل، حتى أصبح للقيثارة جمهور كبير يتطلع إلى الاستمتاع بوجبة موسيقية غنية مختلفة.

عماد حمدي يصنّف ضمن أفضل عازفي القيثارة في العالم، وهو الذي قدّم حفلات ريستال للقيثارة في العديد من البلدان الأجنبية

ولم يكتف حمدي بذلك إنما قدّم ثنائيات للقيثارة مع آلات موسيقية أخرى لأول مرة في الساحة الفنية العربية، بهدف تحقيق المزيد من الثراء في الحفلات، ما جذب قطاعا جديدا من الجمهور.

وقال في حواره مع “العرب”، “قمت بإعادة صياغة بعض المقطوعات الموسيقية العالمية، مع الاحتفاظ بالشكل الأصلي لها، لتقديمها في ثنائيات مع العديد من الآلات، منها الفيولينة والفلوت والتشيللو والبيانو والعود والغناء والإيقاع، مع أشهر عازفي هذه الآلات في مصر، مثل إيناس عبدالدايم وحسن شرارة ويوسف السيسي وطه ناجي وطارق مهران، وفي العالم مثل السويسري توماس هيرتزوغ والألماني أرنست شيللا، علاوة على الغناء والعزف على القيثارة مع نيفين علوبة وإيمان مصطفى.

وحصل عماد حمدي خلال مشواره الممتد لنحو 30 عاما على العديد من الجوائز والألقاب والأوسمة الدولية، ويعتزّ بلقب “ياماها آرتيست” من اليابان كأفضل عازف قيثارة في مصر والشرق الأوسط من شركة “ياماها” واختياره كممثل لها في المنطقة.

ولفت إلى أنهم صنعوا له خصيصا قيثارة بمواصفات عالية جدا لا توجد قطعة مماثلة لها في العالم، ونال جائزة الأوسكار لأفضل موسيقى عام 2019 من راديو نيويورك بالولايات المتحدة.

وفي مهرجان لوس أنجلس السينمائي الدولي العام الماضي نال الجائزة الذهبية عن أفضل موسيقى، وحصد جائزة الرؤية الفنية لعام 2020، والتي تمنح مرة واحدة فقط في التاريخ أثناء حفل “أكاديمي ميوزك أوورد” السنوي الكبير.

كما رشّح للدور النهائي في مهرجان طوكيو السينمائي الدولي باليابان المنتظر هذا العام، وتم اختيار موسيقاه رسميا للمشاركة في مهرجان “انتصار الحب” السينمائي الدولي لفوزه بجائزة أحسن موسيقى، وسيقام بمدينة روزلين في نيويورك في العام الجاري أيضا، بعد فوزه بلقب فنان العام.

وقال إن تتويج مشواره الفني والبناء للقيثارة الكلاسيكية في مصر يتمثل في تأسيسه مدرستين لتعليمها، إحداهما في دار الأوبرا، والأخرى في الجامعة الأميركية بالقاهرة، في إطار اهتمامه بنشر موسيقاها، ووقف فوضى تعليمها بشكل خاطئ.

وتعود مدرسة دار الأوبرا التي أسّسها إلى عام 2007، حيث عرض على الراحلة رتيبة الحفني مديرة مركز تنمية المواهب فكرة إنشاء مدرسة ضمن المركز لتعليم القيثارة بشكل أكاديمي من عمر ثماني سنوات دون تحديد حد أقصى للسن، فرحّبت بالفكرة، والآن هم يبهرون الجمهور، وبعضهم أصبحوا نواة لعازفين عالميين.

16