عمر النجار يشكّل من النحاس لوحات تستحضر فنون مصر القديمة

الفنان المصري يحلم أن تتاح له الفرصة من أجل تغطية جدران بوابات ومداخل المتحف المصري الكبير.
الخميس 2021/03/04
أعمال مستوحاة من العمارة الفاطمية

يسعى الفنان المصري عمر النجار، الذي تخصّص في النقش على النحاس مشكّلا من هذه المادة المطواعة ضغطا وطرقا لوحات فنية تستحضر فنون مصر القديمة وتسرد تاريخها، إلى نشر هذا الفن وتعليمه للشباب كي لا يظل حكرا عليه ومن ثمة يحميه من الاندثار والتلف.

القاهرة - يُعد الضغط أو الطرق أو النقش على النحاس أحد الفنون التي ارتبطت بالزخرفة والفنون والعمارة الإسلامية، حيث ظهرت في أعمال تزيين جدران المساجد والعمائر قبل قرون طوال.

وقد باتت لذلك الفن مراكز متخصّصة في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي، وارتبط اسمه في مصر بمنطقة الجمالية وهي أحد الأحياء الشعبية التي تحتفظ بالكثير من صور العراقة القديمة في العاصمة المصرية القاهرة.

وعمر النجار هو أحد الفنانين المصريين الذين يمتلكون قدرات فنية عالية في مجال استغلال النحاس وتطويعه لأجل إبداع وصنع لوحات فنية لافتة، وقد نجح في تحقيق أرقام قياسية في أعماله من حيث الحجم. وطوال سبع سنوات مضت تمكن من ابتكار 127 لوحة فنية من معدن النحاس.

وبدأ النجار اهتمامه بهذا الفن في سن مبكرة حين كان يتردّد على قصر ثقافة الحرية بمحافظة الإسكندرية، حيث شاهد بعض الأعمال الفنية النحاسية التي جذبته، وتعلم الكثير من أسرارها علي يد فنان يوناني اسمه أنطوان خانجي الذي كان يشتهر بأنه من أمهر الفنانين في مجال الرسم البارز على النحاس وكان يقيم في الإسكندرية، ثم قام بصقل مهارته وخبراته عبر دراسة ذلك الفن والتعرّف على تاريخه وبدايات نشأته.

فن أصيل تمتد جذوره إلى قرون خلت
فن أصيل تمتد جذوره إلى قرون خلت

وقد أتاح له عمله بعد إنهاء دراسته فرصة السفر إلى الكثير من البلدان العربية والأوروبية مثل السعودية والإمارات والبحرين وسوريا واليونان وإيطاليا واسبانيا. وكان يستغل وجوده بتلك الدول في التعرّف على فن الرسم على النحاس والإطلاع على أعمال فناني تلك الدول في هذا المجال.

لكنه لم يمارس تحويل القطع النحاسية إلى أعمال فنية، ولم ينخرط في ذلك الفن بشكل احترافي سوى في العام 2014، حيث شارك طوال تلك السنوات السبع في العديد من المعارض والملتقيات الفنية المحلية والدولية والتي كان آخرها معرض “أجندة” في مكتبة الإسكندرية.

وعن أبرز أعماله الفنية قال النجار إنه أنجز عملا فنيا نحاسيا أطلق عليه اسم “بانوراما حرب أكتوبر”، واستوحى الكثير من أعماله من العمارة الفاطمية ومساجد القاهرة التاريخية وخاصة أعمال الأرابيسك.

كما استلهم الكثير من أعماله من تاريخ مصر القديمة، فجسّد الربة إيزيس والملكة حتشبسوت وغيرهما من ملوك وملكات وأرباب ومشاهير مصر القديمة، وهكذا نجح في الجمع بين الحضارتين الإسلامية والفرعونية بمصر ونقل الكثير من صور القاهرة الفاطمية ومصر القديمة في أعماله.

ورسم النجار بورتريهات نحاسية للكثير من الحكام العرب، مثل سلطان عُمان الراحل قابوس بن سعيد والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وغيرهم.

ويحلم النجار بأن تتاح له الفرصة من أجل تغطية جدران بوابات ومداخل المتحف المصري الكبير الذي يقام بالقرب من أهرامات الجيزة ويضم قطعا أثرية تمثل مختلف حقب مصر التاريخية بمنحوتات ومطروقات نحاسية يرسم عليها نصوص كتاب الموتى في مصر القديمة، ويروي من خلالها أهم المحطات في تاريخ مصر عبر العصور المختلفة.

ويؤكّد النجار أن فن الرسم البارز والطرق والنقش على النحاس هي من الفنون المصرية الأصيلة التي برزت في العصر الإسلامي والتي ربما باتت مهدّدة بالاندثار وتحتاج إلى دعم من المؤسسات المعنية برعاية تلك الفنون وإطلاق مبادرات لإحياء ذلك الفن ونقله إلى أجيال جديدة من الفنانين الشباب.

ومن المعروف أن فن الرسم على النحاس الذي جذب الفنان عمر النجار قد ازدهر بشكل كبير في عهد المماليك مثله مثل فن العمارة وما ارتبط بها من فنون.

Thumbnail

لكن الباحثة المصرية نهى نبيل فهمي ترى في دراستها الأكاديمية التي نوقشت في الدورة العربية من مؤتمر “الموروث الفني والحرفي.. لغة تواصل بين الشعوب ” وحملت عنوان “تطوير حرفة النحاس في القاهرة”، أن المصري عرف معدن النحاس منذ القِدم، وأنه بالرغم من أن طرق النحاس وسحبه وتشكيله كانت تتم يدويا، فإن ما تركه المصريون القدماء في مقابرهم كان يحمل نقوشا مدهشة تدل على دقة الصنع.

وهي ترى أن تلك الدقة لم تكن قاصرة على ما وجد في مقابر الملوك والملكات، بل امتدت إلى الطبقة الوسطى في مصر القديمة، وأن ذلك يدل على أن طرق النحاس وسحبه وتشكيله لها جذور تاريخية مع المصري القديم.

وقد استمر بروز ذلك الفن في عصور أخرى مثل العصر المسيحي، حيث ساعد انتشار الأيقونات الفنية في الكنائس على تطوير فنون طرق النحاس. وانتقل ذلك التطوّر إلى العصر الإسلامي الذي اعتبر من أزهى عصور إنتاج المشغولات النحاسية في مصر.

وفي عصر المماليك برع الفنان المسلم في إنتاج الأعمال الفنية النحاسية، واشتهر الإقبال على تزيين المباني من مساجد ومدارس وقصور، وانتعشت سوق بيع التحف النحاسية انتعاشا لافتا في تلك الفترة من تاريخ مصر.

ويُعتبر النحاس عنصرا كيميائيا، وهو يدخل في تركيبة الكثير من السبائك مثل الذهب ليعطيه نوعا من الصلابة، كذلك يُستخدم في صنع العملات المعدنية وعند خلطه مع الزنك تنتج عنهما سبيكة من البرونز، وقديما كانوا يصنعون منه الدروع الحربية والمعدات الموسيقية، حيث يُعد النحاس من أول المعادن التي استخدمها الإنسان والذي تمّ اكتشافه قبل أكثر من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، ويتواجد في الطبيعة إما منفردا أو متحّدا مع مادة الأكاسيد، وهو ليّن في تكوينه وقابل للتفاعل الفيزيائي والكيميائي ويمكن تشكيله بسهولة بواسطة الطرق عليه.

16