عمر النعماني: الفوتوغرافيا تُصحّح تاريخا مزورا للقاهرة المملوكية

الباحث المصري يتخصّص في تصوير مشاهد منسية للآثار الإسلامية والقبطية بمصر.
الاثنين 2020/09/21
مجموعة السلطان قايتباي في صحراء المماليك

يجذب تاريخ دولة المماليك في مصر أنظار الباحثين في التاريخ أمثال الباحث والمصوّر المصري الشاب عمر النعماني، لإرثه المعماري والفني الكبير، وارتباطه الوثيق بمرحلة زمنية من تاريخ مصر قد طالها ربما الغموض والتشويه، فصوّرت للأجيال الراهنة بصورة مشوّهة لا تنصف تلك الحقبة التاريخية بالحديث عمّا يميّزها من علوم وفنون وبما يثمّن إنجازاتها الخالدة، ولعلّ أهمها تلك التي تشمل الجانب المعماري.

القاهرة – تختطفك اللقطة وتسرق انتباهك، وتُسافر بك عبر الزمان لتُعيدك إلى ماض غريب غامض، تمثل حكاياته أساطير مشوقة، تثُري النفس وتُنشّط الخيال، فيتحرّر التاريخ وتتبدّل تصوّرات وتتغيّر وقائع.

تجذب المشاهد بروعتها وسحرها بعض كُتاب التاريخ فيمسكون بها ويسجلونها مستدلين بها على حكايات مغايرة لما أرّخه الناس، ووصلت إلينا. بهذا التصوّر انقلب الحال بمُدرّس وباحث التاريخ المصري الشاب عمر النعماني، ليجوب الأزقة، والعطفات القديمة، متجولا بين بنايات المماليك الممتدة بجمال أخّاذ وسحر لافت يؤكّد عظمة العصر وعلو المهارة وسمو الذوق والإبداع في زمن طالما وصف بـ”عصر انحطاط وتردّ”.

لفتت المآذن الساحرة والقباب اللافتة والبوابات المزخرفة ومتناسقة التكوينات والألوان عيني الباحث، وحولتهما إلى أداة تسجيل لمشاهد الآثار المملوكية المنتشرة في القاهرة، تلقى اهتماما واسعا من عشاق المعمار في العالم.

اعتبر عمر النعماني المشاهد الجميلة والفن الراقي لمنشآت المماليك من مساجد، مدارس، قباب، وأسبلة، دليلا دامغا على أن عصرهم لم يكُن عصر تخلف وانحطاط.

الصور تحكي

عمر النعماني: آفة علم التاريخ لدى بعض المجتمعات هي تشويه اللاحق للسابق
عمر النعماني: آفة علم التاريخ لدى بعض المجتمعات هي تشويه اللاحق للسابق

بدا واضحا أن الحكومات العثمانية التالية وصمتهم بكل نقيصة، ما يناقض مشاهد الفن والعمارة الباقية ليومنا الحالي، ويُنبئ عن تزييف متعمد.

قال عمر النعماني لـ”العرب”، إن الصور الفوتوغرافية تتدخل وتُعيد الحكي لتثبت أمورا وتنفي أخرى وتطرح تساؤلات وتقدّم أجوبة، مقرّا أن آفة علم التاريخ لدى بعض المجتمعات هي تشويه اللاحق للسابق.

وأوضح أن أحد أخطر ما يُعاني منه العقل العربي قبوله للأحكام السابقة دون تفكير وتحليل ووعي بظروف أصحابها ودوافعهم السياسية وغير السياسية.

ورأى أن تشويه عصور المماليك تم بقصد وسوء نوايا من جانب العثمانيين وغيرهم، فتاريخ دولة المماليك في مصر امتد منذ 1250 إلى 1517، لكنه لم يكن عصر ظلام دامس كما حاول البعض تصويره، والدليل على ذلك أن دولتهم انتصرت في معارك عديدة، ومثلت حائط صدّ للمنطقة العربية.

كذلك لا يُمكن تصوّر أن زمانهم هو زمن انسحاق وجهل وقد شهد خروج علماء كثر في العلوم الدينية والدنيوية، فضلا عن فنانين ومبدعين رائعين، وصناع وحرفيين مهرة في مختلف المهن، وليس أدلّ على ذلك من أن السلطان العثماني سليم الأول عندما احتل القاهرة وشاهد قبابها ومساجدها المُبهرة، جمع خيرة فنانيها ومعمارييها ونقّاشيها وأرسل بهم إلى الأستانة، ولو كانوا ضعفاء أو غير بارعين لما فعل ذلك.

أكّد عمر النعماني في حواره لـ”العرب”، أن القاهرة بشكل عام تزخر بآثار إسلامية مُبهرة تجعلها من المدن الأكثر روعة في العالم، ويمكن من خلالها قراءة تطوّر أذواق الناس وتصوّراتهم وخيالهم عبر العصور، “إنها أشبه بلوحة بديعة تتكامل معك بالتعرّف عليها قطعة قطعة”.

نظرة مغايرة للتاريخ
نظرة مغايرة للتاريخ

وأشار إلى أنه يصوّر الآثار باعتبارها كائنات حية تبثّه الأسرار والحكايات المختلفة، ويقرأ من خلال كل صورة حكايات من الماضي، ويقترب أكثر من صناعها ويشعر بإمكانية تصديق روايات ونفي أخرى عبر الصور الحية.

يلتقط الشاب صورا لأثر ما، ثُم يقرأ عنه في أكثر من كتاب، ويشعر بتآلف بعض الحكايات مع المشهد الباقي، وربما شعر بغير ذلك، فيُعيد تحليل المروي وفق منظور عقلاني وفني ليصل لصدق حدسه، متنقلا من البصر إلى البصيرة، مبيّنا أنه يصعب تخيل جمال مبهر وخالد لمسجد كان صاحبه سفاحا أو فاسدا.

وذكر النعماني أن هناك قراءات فلسفية للصورة الفوتوغرافية يُمكن من خلالها إكمال مساحات تبدو ناقصة في التاريخ، وممّا تفيده فوتوغرافيا الآثار الإسلامية أن العمارة المملوكية الباقية أعظم وأجمل وأفضل حالا من العمارة العثمانية، ويرجع ذلك إلى أنها كانت عمارة سلاطين يعتبرون أصحاب الكلمة الأولى في البلاد التي يشعرون بانتمائهم لها، إذ لا يوجد لهم وطن آخر، بينما مثلت عمارة العثمانيين ولاة تابعين للأستانة، فضلا عن كونهم غرباء يعرفون أنهم سيعودون حتما إلى بلدهم الأصلي.

وتكشف الفوتوغرافيا أن بعض الآثار العثمانية الجميلة بالقاهرة ركّزت على محاكاة وتكرار النسق المعماري والزخارف الفنية المملوكية، مثلما يظهر بوضوح في منبر ومحراب كريم الدين البرديني بالدرب الأحمر.

محاكاة وابتكار

باب زويلة كما بناه المماليك
باب زويلة كما بناه المماليك

قد اعتبر أحد القادة الإنجليز في مصر في زمن الاحتلال، وهو جاير أندرسون، العمارة المملوكية طرازا نموذجيا قادرا على الإبهار رغم مرور الزمن، فأعاد استخدامه في متحف ما زال يحمل اسمه ويقع إلى جوار مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة.

وحصل أندرسون على إذن من الملك فؤاد الأول (ملك مصر 1920 ـ 1936) باستخدام بيتي الكريتلية، وآمنة بنت سالم وتحويل غرفه لغرف تحاكي طُرز وفنون كل عصر، ليتعرّف الناس على سحر العصر المملوكي.

وفي رأيه، إن أفضل أثر إسلامي موجود في مصر هو مدرسة الأشرف برسباي بسوق الحمزاوي بوسط القاهرة، التي تزخر بروائع وحليات فنية وزخرفية شديدة الإبداع، وهي من العمائر المختلطة بحكايات تاريخية عديدة.

وظلت لعقود طويلة شاهدة على انتصارات المماليك على الأوروبيين، حيث علق صاحب الأثر خوذة ملك قبرص، الذي قام بأسره فوق مئذنة المدرسة لعقود حتى دخل الفرنسيون مصر

عام 1798 وأنزلوها وأخذوها معهم. أما مسجد ومدرسة السلطان حسن بجوار قلعة صلاح الدين، فيعتبر أضخم أثر إسلامي في العالم، واستخدم دوما كمنصة ضرب لمقر الحكم بالقلعة، نظرا لارتفاعه الكبير. وتعتبر مجموعة السلطان قايتباي في صحراء المماليك من المباني الضخمة المعبرة بوضوح عن سمات وطرز العمارة المملوكية.

وأوضح عمر النعماني أن مشهد القبة السلطانية بمنطقة سيدي جلال بالقاهرة والخاصة بزوجة الأشرف خليل بن قلاوون التي تزوّجت من الناصر محمد بن قلاوون بعد مقتل أخيه، من أجمل مشاهد القباب بالقاهرة.

الغرفة الدمشقية بجامع جاير أندرسون بجوار أحمد بن طولون
الغرفة الدمشقية بجامع جاير أندرسون بجوار أحمد بن طولون

وأضاف أن هذه القبة تخرّبت مع الزمن، لكن بعد إعادة ترميمها في العصر الملكي أُعيد استخدامها فتمّ وضع قبور لكبار الحاشية الملكية فيها.

وأثبتت إعادة بثّ الصور والحكايات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للنعماني وجود تيار كبير من عشاق الآثار القديمة، إسلامية وقبطية، التي تزدحم بها القاهرة، لدرجة أن عددا كبيرا من الجمهور يُرسل إليه تساؤلات بشأن آثار بعينها يعيشون إلى جوارها ولا يعرفون عنها الكثير. وعن ذلك يقول “الناس بشكل عام تعشق الزمن الماضي وتهوى العمائر العتيقة، وتتساءل بشأنها وتتخيّل ساكنيها وزمانهم”.

إن مشهدا للقاهرة العتيقة يراه الناظر من نافذة مئذنة “أزدمر الدوادار” يبدو كلوحة فنية شديدة الإبهار، وإطلالة على منبر ومحراب مدرسة محمد بك أبوالدهب تبثّ في النفس سحرا.

لكن إهمال الآثار الإسلامية والقبطية أمر واضح للعيان، إذ لا يعي الكثير من المحيطين بها أهميتها، ما يجعلها دوما عرضة للسرقات، حتى أن منابر عديدة سُرقت على مدى السنوات الماضية.

وكشف عمر النعماني، أن إهمال آثار العهد المملوكي يرجع إلى إلغاء لجنة الآثار العربية في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وشكلت في عهد الخديوي توفيق، ورمّمت أكثر من ألف أثر إسلامي وقبطي، ولولاها لاندثرت الكثير من معالم مسجد المؤيد شيخ وباب زويلة وغيرها.

كما أن انعزال الآثار الإسلامية عن الحياة اليومية للمصريين ساهم في إهمالها وتجاهلها، فكانت الكتاتيب الملحقة بالمساجد العتيقة تستخدم في الماضي لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وتأهيلهم لدخول المدارس، لكن تلك الكتاتيب هجرت وانتهت تماما، ما جعل الآثار التي كانت تحتوي عليها منسية ومهجورة. وأسهم وجود تشابك في الاختصاصات بين وزارتي الأوقاف والآثار المصريتين للتعامل مع المساجد العتيقة في إهمال معظمها وعدم العناية بها، ما دفع لتعرّضها لسرقات طالت منابرها وزخارف أبوابها ومحاريبها.

القبة السلطانية المدفونة فيها زوجة الأشرف خليل بن قلاوون
القبة السلطانية المدفونة فيها زوجة الأشرف خليل بن قلاوون

 

17