عنف الولادة شكل من أشكال الإساءة التي تؤثر في النساء حصريا

الإهمال والإيذاء الجسدي أثناء الولادة تهديد غير مباشر لجسد المرأة.
الأحد 2021/03/07
على النساء معرفة حقوقهن قبل الولادة وفقا للمعايير الدولية

صنفت منظمة الصحة العالمية ومنظمات حقوقية ما تتعرض له النساء من انتهاكات أثناء الولادة عنفا ضد المرأة، ينتج عنه امتناعهن عن البحث عن الرعاية الطبية قبل الولادة. كما أن الكثيرات يستسلمن لجميع الإجراءات التي يتخذها الطبيب حتى لو لم يفهمن السبب. ودعا مسؤولون إلى الوقف الفوري لسوء المعاملة والعنف الممارس ضد النساء أثناء الولادة حتى لا يلحق الضرر بحياتهن.

لم يمنع التطور المطرد الذي شهده مجال طب النساء والتوليد، حيث أصبحت هناك أجهزة تقيس المؤشرات الحيوية للجنين في رحم أمه ومسكنات قوية تجعل من الولادة أقل ألما وعمليات قيصرية تنقذ حياة الأم، الممارسات العنيفة التي تتعرض لها النساء في غرف الولادة ومن بينها الإساءة أثناء المخاض والإهمال والاعتداء الجسدي وعدم احترام الحامل.

وتصنف هذه الممارسات ضمن عنف الولادة. وتُعد انتهاكا لحقوق المرأة، وينتج عنها امتناع النساء عن البحث عن الرعاية الطبية قبل الولادة مستقبلا، كما تعتبر الإساءة أثناء الولادة أحد أشكال العنف المسلط على المرأة.

مشكلة عالمية

أثبتت الدراسات التي قامت بها منظمة الصحة العالمية لدى بحثها في احتمالات حدوث مثل هذه الممارسات أنها مشكلة عالمية، وأن النساء يعانين من إساءة أو معاملة مهينة أو إهمال أثناء ولادتهن في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.

وأشارت إلى أن هذه العلاقة المسيئة بين النساء وطاقم العناية الصحية تخلق ترددا في طلب المساعدة الطبية أثناء الولادة، لأن النساء يكنّ ضعيفات ولا يقدرن على حماية أنفسهن، وتكون نتيجة هذه الإساءات سيئة على الطفل والأم.

ووجدت المنظمة أحداثا ساهمت فيها مراكز الرعاية الصحية في الاعتداء الجسدي، مثل الحرمان من مسكنات الألم وعدم الاحترام  والإهانة وانعدام الخصوصية وعدم التوعية بالحقوق والتعقيم الإجباري ورفض المنشأة الطبية إيداع الحالة والإهمال أثناء الولادة وعمليات طبية لاإرادية وطرد النساء من المؤسسة الطبية بسبب عدم قدرتهن على دفع التكاليف.

ويؤدي الإهمال أثناء الولادة إلى عواقب تهدد الحياة وتحتاج لتدخل طبي.ويلتجئ أطباء القطاع الخاص في كثير من الأحيان إلى الولادة القيصرية لأنها تدر كثيرا من الأموال.

وقالت الدكتورة مروة طايل اختصاصية أمراض النساء والتوليد والعقم في مصر إن هناك بعض الممارسات العامة التي تحدث بالفعل، مثل اللجوء للولادة القيصرية من دون داع أو ضرورة طبية، وإنما لأن تكلفتها المادية أعلى، وبحسب قولها، فإنه في غضون سنوات قليلة قد تصبح مصر خالية من الولادات الطبيعية.

وأضافت طايل أن هناك بعض الإجراءات المتبعة في عمليات الولادة قد يعتقد البعض أنها عنف موجه ضد المرأة، ولكنها في الحقيقة ممارسات ضرورية، لأن عدم اتخاذها عند الحاجة إليها يعتبر مجازفة كبيرة.

وتابعت أن هناك بعض الممارسات التي تحدث في بعض المستشفيات دون غيرها، وهي بالفعل أمور من الممكن تصنيفها عنفا ضد المرأة، مثل الفحص المهبلي المتكرر دون داع طبي.

وأشارت إلى أن هذه الممارسات تحدث على الأرجح في المستشفيات التعليمية ودون استئذان صاحبة الشأن، ومنها أيضا إعطاء الرضيع أول رضعة من الحليب الصناعي بعيدا عن لبن الأم، كوسيلة لإظهار الاهتمام والرعاية الزائدة، مؤكدة أن هذا الإجراء يحرم كلا من الأم والرضيع من حقوقهما الطبيعية، خاصة إن لم يكن هذا الإجراء لسبب طبي.

وأوضحت طايل أنه من الممكن أن تحدث الكثير من الممارسات الخاطئة في غرف الولادة، وأيا كان السبب وراء قيام الطبيب بهذه الممارسات فهو خطأ لا يمكن تبريره، كما أنه خطأ لا يمكن تعميمه على عموم المستشفيات المصرية.

Thumbnail

وأكدت الطبيبة أن على كل امرأة أن تعلم أن من حقها سؤال طبيبها عن أي أمر وأي إجراء قبل أن يتخذه، وإن كانت لا تعلم ماهية تفاصيل الإجراءات فعليها أن تسأل طبيبها بشكل تفصيلي، وألا ترضى بأقل من إجابة كاملة موضحة لكل جوانب هذا الإجراء، وعليها أن توافق عليه أو ترفضه قبل البدء في تنفيذه.

وأكد عبدالستار السحباني المختص التونسي في علم الاجتماع أن المؤسسات الاستشفائية العمومية إمكانياتها محدودة ما يجعل غالبية مرتاديها من الفقراء، وهو ما يشرع للإطار شبه الطبي التعامل مع النساء بنوع من العنجهية والإساءة إليهن عند الولادة وعدم تحمل متاعبهن، إضافة إلى افتقادهم لتكوين نفسي واجتماعي يمكنهم من التعامل مع النساء بصفة جيدة.

وقال السحباني لـ”العرب” إن غياب الرقابة داخل المؤسسات العمومية كذلك عامل من عوامل ازدياد ظاهرة العنف عند الولادة، ما يجعل المتظلمات غير قادرات على الحصول على حقوقهن.

وأضاف أن هذه الظاهرة ليست حكرا على المؤسسات الحكومية فحتى المؤسسات الخاصة تمارس نوعا من الإساءة ضد النساء، خصوصا لما تسارع في الالتجاء إلى العمليات القيصرية حتى في الحالات التي لا تتطلب ذلك، لتحقيق المزيد من الأرباح.

وكشفت ثلاثة تقارير طبية في دورية “ذا لانسيت” الطبية عن ارتفاع معدلات الولادات القيصرية في جميع أنحاء العالم إلى حدّ ينذر بالخطر.

عبدالستار السحباني: غياب الرقابة داخل المؤسسات الاستشفائية يعرض النساء للإساءة
عبدالستار السحباني: غياب الرقابة داخل المؤسسات الاستشفائية يعرض النساء للإساءة

وأفادت التقارير أنه خلال الـ30 عاما الأخيرة تضاعف عدد الولادات القيصرية أكثر من 3 مرات، من نحو 6 في المئة من جميع المواليد إلى 21 في المئة.

ومن المفترض أن تكون الولادة القيصرية هي الحل الأخير وليست الخيار الأول، إذ حسب ما أفادت الدراسات، يمكنها أن تزيد من فرصة الوفاة بنسبة 60 في المئة على الأقل، وفي بعض الظروف تبلغ 70 في المئة.

كما يمكن أن تؤدي إلى خطر تعرض المرأة لمضاعفات تهدد حياتها أثناء الولادة، مثل النزيف وتمزق الرحم واستئصال الرحم والسكتة القلبية بنحو 5 أضعاف، ويرتفع هذا الخطر أكثر في الولادات اللاحقة.

ولكن، حسب بعض الدراسات، الفارق المالي بين الولادة الطبيعية والقيصرية يجعل بعض مزودي الخدمات الصحية يفضلون العمليات القيصرية، وهو ما دفع فريق باحثي الدراسات لاقتراح المساواة في الأجور في المستشفيات عند إجراء الولادةأو  لخفض تلك المعدلات.

وأشارت جازية الحيدري، أم لطفلين، إلى أنها خضعت في المرتين لولادة قيصرية بمستشفى عمومي وكانت الولادة في المرة الثانية أصعب بكثير من الأولى مما جعلها لا تفكر في الإنجاب مرة ثالثة.

وقالت جازية إنها تعرضت لشتى أنواع الإهانات من الطاقم شبه الطبي وخاصة خلال ولادتها الأولى لأنها كنت تجهل بعض التفاصيل.

وأضافت لـ”العرب” أنها حالما دخلت إلى المستشفى تم وضعها في غرفة صغيرة مكشوفة  وكانت ملزمة للبقاء فيها للخضوع لكشف أولي لمعرفة وقت الولادة، ورغم أنها كانت تتألم إلا أن الممرضات لم يصغين إليها. ولما تم إرسالها إلى غرفة الولادة زادت آلامها وظلت وحيدة في الغرفة لأكثر من نصف ساعة دون قدوم الطبيب ما جعلها تترجى الممرضات لإنقاذ حياتها.

وكانت مجبرة على الخضوع لعملية قيصرية لأن ولادتها الأولى تمت بنفس الشكل ما زاد في خطورة الموقف.

وخضعت ميساء إلى طلق صناعي لتسريع عملية الولادة، دون حتى أن يتم إخبارها بذلك.

وقالت لـ”العرب” “عندما طلبت أخذ حقنة مسكنة للألم أعطتني الطبيبة حقنة أخرى لا تأثير لها، وكانت ستقوم بإحداث شق الولادة دون أن تخبرني به كإجراء روتيني، وحين رفضت هذا الإجراء حدثتني عن مخاطر عدم إجرائه وحينها اقتنعت ووافقت عليه”.

وأضافت أنها حينما اشتكت في ما بعد من أثر الجرح لم تستجب الطبيبة لشكواها قائلة إنه أمر طبيعي ناتج عن الخياطة، لتكتشف بعد ذلك أن الجرح التهب واستلزم تدخلا طبيا.

حالة متكررة

على كل امرأة أن تعلم أن  من حقها سؤال طبيبها بشكل تفصيلي عن أي أمر وأي إجراء قبل أن يتخذه
على كل امرأة أن تعلم أن من حقها سؤال طبيبها بشكل تفصيلي عن أي أمر وأي إجراء قبل أن يتخذه 

يعد العنف أثناء الولادة ظاهرة عالمية تمارس ضد المرأة عند الولادة القيصرية أو الطبيعية.

وتخضع غالبية النساء، مرة واحدة على الأقل، لعملية الإنجاب، ورغم آلام المخاض التي يعانيها، يكون لدى بعضهن تصور أو إدراك بأن الولادة الطبيعية رغم ألمها ومشقتها تكون أسهل وأكثر أمانا.

ولا تدرك كثيرات تعرضهن في أثناء الولادة الطبيعية إلى العنف وعدم الاحترام وسوء المعاملة في المرافق العامة والخاصة في جميع أنحاء العالم وبطريقة ممنهجة.

وعرّفت منظمة الصحة العالمية العنف الذي تتعرض له النساء أثناء خضوعهن للولادة بأنه استيلاء على جسد المرأة من قبل العاملين الصحيين، في شكل علاج غير إنساني، وإضفاء طابع طبي تعسفي، وكذلك إضفاء طابع مرضي على العمليات الطبيعية، بما في ذلك فقدان المرأة الاستقلال والقدرة على اتخاذ قراراتها بحرية بشأن جسدها وحياتها الجنسية، ما له عواقب سلبية على نوعية حياة المرأة.

وفي دراسة مشتركة بين منظمة الصحة العالمية واليونيسيف وعدد من المنظمات الدولية، قالت نحو 42 في المئة من النساء إنهن تعرضن للإيذاء الجسدي أو اللفظي أو التمييز أثناء الولادة في المراكز الصحية، مع تعرض بعضهن للكم والصفع والصراخ في وجوههن أو الاستهزاء بهن أو الضغط عليهن بالقوة.

ووفقا للدراسة، تتعدد أشكال عنف الولادة الطبيعية الممارس في كل أنحاء العالم بما في ذلك البلدان المتقدمة، بين استخدام القوة مثل الضغط على البطن، وإخفاء المعلومات عن المرأة، وعدم الحصول على أي مسكن للألم، وأيضا اللمس المفرط أو غير المناسب أثناء الولادة أو عند التخدير.

وتشير الدراسة إلى أن عنف الولادة، إلى جانب العنف في مجال أمراض النساء، يعدّ شكلا من أشكال الإساءة التي تؤثر في النساء حصريا، وتميل إلى أن تكون تحت البساط لأنها لا تزال موضوعا محظورا، حتى أن النساء أنفسهن، دائما، لا يدركن أن تجاربهن في الولادة الطبيعية يمكن عدّها إساءة.

وتستسلم الكثيرات لجميع الإجراءات التي يتخذها الطبيب حتى لو لم يفهمن السبب، لكن يترتب على ذلك لاحقا المزيد من المتاعب، لذا فإن على النساء معرفة حقوقهن قبل الولادة وفقا للمعايير الدولية، وهي أنه لا يحق لمقدم الخدمة الطبية مهما كان نوعه إجبار الحامل على الخضوع لإجراء طبي دون موافقتها، حتى لو كان ذلك سيؤثر على حياة الجنين، ويمكن للمستشفى رفض تقديم الخدمة في هذه الحالة.

كما يجب أن يُعلِم الطبيب الحامل بالإجراء الطبي الذي يتم اتخاذه وأن يتأكد أنها قد فهمت تماما أبعاده. وللمرأة الحق في رفض التعامل مع طبيب أو ممرض محدد وطلب استبداله بآخر.

يجب أن يعلم الطبيب الحامل بالإجراء الطبي الذي يتم اتخاذه
يجب أن يعلم الطبيب الحامل بالإجراء الطبي الذي يتم اتخاذه 

ولا يحق لمقدم الخدمة الطبية تقديم حليب صناعي أو أعشاب طبيعية دون موافقة من الأم. كما يحق للمرأة طلب التواصل مع إدارة المستشفى للإبلاغ عن أي انتهاك تعرضت له في غرفة الولادة.

وأكدت دوبرافكا، الخبيرة في الأمم المتحدة والمقررة الخاصة المعنية بمسألة العنف ضد المرأة وأسبابه، أنه من حق المرأة التي تلد الحصول على رعاية كريمة ومحترمة خالية من العنف وسوء المعاملة، مضيفة أن واقع الملايين في جميع أنحاء العالم يشير إلى عكس ذلك تماما.

ودعت سيمونوفيتش إلى الوقف الفوري لسوء المعاملة والعنف الممارس ضد النساءأثناء الولادة، مشيرة إلى أنهما من انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق والمنهجية التي لا تزال تلحق الضرر بحياة المرأة في جميع أنحاء العالم.

وأضافت أن النساء يعانين من انتهاكات تتراوح بين الإساءة اللفظية والسلوك الجنسي والإهانة العميقة، إلى العنف البدني مثل الإجراءات الطبية غير الضرورية والإلزامية والروتينية التي تنفذ دون موافقة كاملة ومستنيرة.

وأشارت إلى أن بعض النساء يخضعن للعلاج الجراحي دون تخدير، والإزالة الجراحية للمشيمة والخياطة ما بعد الولادة، وقد يتعرضن أيضا لانتهاكات الخصوصية والإيذاء البدني.

وقالت إنه غالبا ما يتم إسكات النساء بسبب مخاوف من المحرمات والخزي والاعتقاد بأن الولادة هي الحدث الذي يتطلب معاناة من جانبهن.

وأكدت سيمونوفيتش أن هذه الأحداث ليست متقطعة، ولكنها جزء من سلسلة متواصلة من العنف القائم على النوع الاجتماعي في السياق الأوسع المتمثل في عدم المساواة الهيكلية والتمييز والأبوية التي يجب أن تنتهي.

ودعت السلطات المسؤولة إلى تحمل مسؤولياتها في معالجة الانتهاكات التي ترتكبها المؤسسات الصحية سواء كانت من موظفي القطاع العام أو موظفي القطاع الخاص.

ومنذ العام 2015 نشأت حركات اجتماعية جديدة تطالب بحقوق المرأة في خدمات الصحة الإنجابية وأثناء الولادة في العديد من البلدان، وكسرت المحظورات وألقت الضوء على أنماط سوء المعاملة والعنف التي تعاني منها النساء، ما يدل على أن سوء المعاملة والعنف أثناء الولادة متأصلان في أنظمة الصحة في جميع أنحاء العالم.

20