عن علاقتي بحادثة البرجين

رجاء الطايع.. لروحك السلام، أيتها التي عاشت غريبة وماتت وحيدة على كرسيها في نفس الطاولة وهي تشتم الجهلة وتحادث الحائط.. ولم يتفطّن إليها أحد في غمرة النقاشات المحمومة حول تداعيات حادثة البرجين.
الثلاثاء 2019/09/10
لا أحد تفطن إلى تداعيات حادثة البرجين

11 سبتمبر 2001.. في مثل هذا اليوم، أطفأت جهاز التلفزيون إثر التأكد بالصوت والصورة، من ذلك الخبر الصاعق، وترجلت من بيتي نحو نادي الصحافيين بدمشق، مرورا من أمام السفارة الأميركية وقد اشتدت حولها الحراسة بشكل لافت.

 كنت في غاية الذهول، وشعرت بشيء ما، يشبه طائرة تخترق رأسي. مررت بحشد الشبان والصبايا الذين كانوا يقيمون إضرابا عن الطعام في باحة مبنى الأمم المتحدة مطالبين بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المخيمات المحاصرة داخل الأراضي الفلسطينية، آنذاك، وقد أمرتهم السلطات السورية بالإخلاء، وفكّ اعتصامهم فور وقوع هذا الحدث المزلزل.. لا مجال الآن للمزح مع نمر أميركي جريح.

كان هؤلاء الذين كنت أقف متضامنا معهم بضع دقائق كل مساء، وأساهم في مدهم بعبوات الماء (وحتى بعض البسكويت خلسة)، مبتهجين ويوزعون السكاكر، احتفالا بالحدث. رفضت قطعة الحلوى التي ناولتني إيّاها إحدى الصبايا بغضب أثار حيرتها، وأنا المحسوب ـ في نظرها ـ على “التيار التقدمي المعادي للإمبريالية”.

ولجت باب نادي الصحافيين فوجدت غالبية من فيه تتبادل الأنخاب وعبارات التشفّي ضد الولايات المتحدة، بمن فيهم بعض الشباب الأوروبيين من الدارسين للغة العربية في دمشق.. عموما كان التسرع والنفاق والغوغائية والكراهية المجانية، أهم ما يميز أجواء ذلك المساء الثقيل.

بعضهم اعتقد أني سأنضم إليه وأشاركه احتفاله، خصوصا وأن رغوة الشمبانيا قد بدأت تعلو وتتطاير فوق أكثر من طاولة، لكني ركنت إلى طاولة الصديقة رجاء الطايع، المثقفة “نصف المجنونة” والتي يحلو لبعض المتنمرين تلقيبها بـ”مي زيادة على اللزوم” ساخرين من شغفها بالقراءة الدائمة وشتائمها المدوية ـ على حين غفلة ـ ممن تسميهم بـ”السوقة والرعاع والدهماء والسواد” وهي تلوح بعصاها القصيرة والغليظة التي لا تبارح حقيبتها اليدوية المحشوة بالكتب والجرائد.

رجاء تدير وجهها إلى الحائط، ولا تسمح لأي كان بالاقتراب منها أو مبادرتها حتى بمجرد التحية، ما عداي.. وهو الأمر الذي جعل بعضهم يتغامز علينا وينعتنا ساخرا بـ”جبران ومي”، خصوصا وأن رجاء قد نهضت هذا المساء لتسمع الجميع وابلا من الشتائم بسبب “مواقفهم الرعناء” حسب تعبيرها.

أوردت رجاء، الحادثة في كتابها العجيب “مانفيست الهذيان” ثم ذكرت لقائي بها، أول مرة، في ساحة الأمويين لحظة الكسوف.. لعلنا كنا الوحيدين تحت سماء دمشق في تلك الظهيرة الدامسة. رجاء الطايع.. لروحك السلام، أيتها التي عاشت غريبة وماتت وحيدة على كرسيها في نفس الطاولة وهي تشتم الجهلة وتحادث الحائط.. ولم يتفطّن إليها أحد في غمرة النقاشات المحمومة حول تداعيات حادثة البرجين.

24