"عين الحمام" لماهر عبدالرحمن: أوراق مبللة بموج البحر الصاخب

رواية تحكي قصة قرية ساحلية تونسية يصارع ساكنوها على القوت اليومي في ظل حيتان كبيرة.
السبت 2020/09/19
"يستهويني البحر جدّا، لأنّه غريب وعميق"

تونس - انطلقت، الأربعاء، أولى جلسات بيت الرواية التونسي للموسم الثقافي (2020-2021) بعد يومين من فقدان الساحة الروائية التونسية للكاتب والباحث في الفلسفة كمال الزغباني، صاحب رائعتي "في انتظار الحياة" و"مكينة السعادة".

افتتح الجلسة الروائي كمال الرياحي، مدير بيت الرواية، والذي أعلن بأن الدورة القادمة لملتقى الرواية العربية المقرر تنظيمه في مارس المقبل ستكون تحت شعار "كتابة الموت في انتظار الحياة: دورة كمال الزغباني".

وأكد الرياحي أن ضيف بيت الرواية الأول هذا العام كاتب ولد كبيرا بعد أن كان ينضج في الظل منذ سنوات.

وقدم الروائي والإعلامي التونسي ماهر عبدالرحمن في الجلسة الأولى للموسم الثقافي الحالي، روايته الصادرة حديثا بعنوان "عين الحمام" عن دار مسكيلياني.

تبلورت فكرة الرواية الأولى لماهر عبدالرحمن في ذهنه منذ ثلاثين عاما وأجلها بسبب مشاغل العمل الصحافي. اتخذت رواية "عين الحمام" من البحر والصيد البحري موضوعا لها. ودارت أحداث الرواية في مدينة الهوارية على الساحل الشمال الشرقي التونسي.

صرح ضيف بيت الرواية أنه تأثر في شبابه بـ"الشيخ والبحر" لصاحب جائزة نوبل للآداب سنة 1954 الأميركي إرنست هيمنغواي، إذ طلب منه أستاذه عندما كان شابا أن يقرأها ويلخصها. اعتبر عبدالرحمن "أن اصطياد الشيخ في الرواية لسمكة عظيمة واضطراره إلى جرّها بنفسه إلى الساحل ونهش القروش لها ما هي إلاّ إعادة تجسيد لأسطورة سيزيف". لكن، فوجئ ماهر الشابّ عند عرض التلخيص برأي الأستاذ فيها، والذي ادّعى أنّها "سخيفة".

يقول ضيف بيت الرواية في شهادته "يستهويني البحر جدّا، لأنّه غريب وعميق"، وأنّ "عين الحمام" هو اسم جبل قريب من الهواريّة. تلك القرية الصغيرة والمحافظة، مرتع الفساد والرشوة ومنصّة للهجرة غير الشرعيّة والصيد العشوائيّ والإضرار بالبيئة، يصارع ساكنوها على القوت اليوميّ في ظلّ حيتان كبيرة. حاول الكاتب رصد كلّ ذلك بصدق، ونقله عبر  شخصيّات متناقضة تجمع بينها صراعات كثيرة.

تفجير ديناميت وسط البحر

رواية البحر والحياة
رواية البحر والحياة

يعود "خليفة" إلى تونس بعد ثلاثين عاما من العيش في ألمانيا، جارّا وراءه خيبة في التأقلم في مجتمع يقدّس قيمة العمل والوقت. لم يكن مثقّفا لكنه امتلك وعيا بمحيطه ومثالا لذلك الشخص الذي يعيش وطنه داخله. تغيّرت مرجعيّات خليفة، واكتشف بعد عودته أنّ المجتمع التونسيّ بقي على حاله بينما هو الذي تغيّر. عاد "خليفة" ليلتقي "رابح"، رجل بوهيميّ خامل وسليط اللّسان ومتغلغل في المجتمع المحليّ ويدّعي أنّه سيبقى شوكة في حلق من ينعتهم بالمتاجرين بالدين، والذين ينهون على المنكر ويأتون ما كان أفحش منه. اعتبر ماهر عبدالرحمن شخصيّة "رابح" مثالا حيًّا على أنّ الفشل يمكن أن يكون طريقة عيش.

تعرض رواية "عين الحمام" شخصيّات كثيرة بين طيّاتها، مثل "مليكة" التي قُتلتْ أمّها أمام عينيها بسبب قضيّة شرف مفتعلة ودُفنتْ بالجبل الذي يحمل نفس الاسم. تتحوّل "مليكة" بعد ذلك إلى مومس، وعندما تكسد بضاعتها بدأت التجهيز لانتحارها. كذلك، نجد "طليبة" ذلك الدكتور اليساريّ والمثقّف والمتشرّد والمجنون الذي يعيش حياة الفاقة والتشرّد، ويعدّ رمزا لرحلة المثقّف من التهميش إلى الجنون ومثالا صارخا بأنّ البلاد تقتل نخبها وتنصب لهم المشانق. كما نعترض "قرط" الذي تمّ اغتصابه في طفولته واتّهام أمّه بممارسة السحاق، وجدّ طيلة حياته على إثبات رجولته للآخرين وحاول قتل مغتصبه قبل أن يحاول الهجرة سرّا إلى إيطاليا.   

يعود "شماتلوخ" إلى تونس بعد عقود كيْ يقنع صهره "خليفة" بالعودة إلى ألمانيا بطلب من ابنته. تنكشف خلال الأحداث أسباب برود العلاقة بين الرجلين وأهمّها أن الألمانيّ كان ضمن الفيلق الأفريقي للجيش النازيّ والذي انهزم في تونس وبقي بسبب الهزيمة حاقدا لسنوات على صهره التونسيّ.

تحاول رواية "عين الحمام" إبراز شخصيّات تعيش على البحر وتستغلّ بفحش ثرواته، وذلك عبر الصيد العشوائيّ وباستعمال الديناميت واستعماله كمعبر للهجرة السريّة وسيطرة الفاسدين على المستفيدين من خيراته. فجّر ماهر عبدالرحمن بقلمه حزمة من الديناميت وسط البحر، تفجير لَفَظَ كلّ شخصيّات الرواية المتناقضة والمتصارعة فيما بينها.

رواية الواقع المرّ الذي يعيشه البحر

تجمع "عين الحمام" عديد المتناقضات: الحداثيّ والمحافظ، الفساد والرشاد، النار والماء، الهدوء السكون والاضطراب، إلخ. صفات يجمعها البحر، لذلك يمكن أن نصف رواية ماهر عبدالرحمن بالعالمة إذ تسرد لنا تفاصيل الحياة مع البحر وطرق الصيد ومعجمها بدقّة شديدة، كما تقدّم لنا مدّا وجزرا بين الشخصيّات عبر استعمال الحوار الذي طغى على السرد بلغة براغماتيّة تكشف خلفيّة كاتبها الصحافيّة وكشف خلفيّة الشخصيّات المتعدّدة. يتوافق كلّ ذلك مع الروايات التي اتّخذت من البحر موضوعا لها مثل "البحر المحيط" للإيطاليّ أليساندو باريكو أو "البحّار الذي لفظه البحر" لليابانيّ يوكيو ميشيما، حتّى أنّ رائد كتابة الحبر في العالم العربي حنّا مينا يقول "إن البحر كان دائما مصدر إلهامي حتى إن معظم أعمالي مبلّلة بمياه موجه الصاخب".

يؤكّد ماهر عبدالرحمن أنّه كتب شيئا حيّا وسيبقى كذلك، وأنّ البحر يموت في تونس. لقد مثّلت الكتابة الروائيّة ملاذا للتعبير عن واقع مرّ يعيشه البحر، الذي عرفه الكاتب منذ نعومة أظفاره إلى الوقت الحاضر، واحتاج لذلك تراكما معرفيّا ونفسا طويلا وتمكّنا من طرائق السرد ووقتا طويلا حتّى يمخر عُباب الرواية. فالروائيّ بالنسبة له يجب أن يكون مثقّفا عضويّا مرتبطا بالمجتمع وقادرا على إثارة المشاكل وسطه، وأنّه من خلالها قادرٌ على الانتقام من الصحافة نفسها التي نحتت شخصيّته وتجربته.  

ماهر عبدالرحمن صحافيّ تونسيّ لمع نجمه في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي وترأّس تحرير نشرة الأخبار بالتلفزة التونسيّة قبل أن يلتحق بمركز تلفزيون الشرق الأوسط بلندن ويساهم في تأسيس قناة "mbc" قبل أن يعود إلى تونس سنة 2000 لإنشاء شركة للإنتاج الإعلاميّ. أصدر "يوميّات حامل للميكروفون" سنة 2015 ومن أبرز أعماله سلسلة من الأشرطة الوثائقيّة بعنوان "زمن بورقيبة" حول سيرة الرئيس الأوّل للجمهوريّة التونسيّة.