غير بيدرسن مبعوث يفتتح مهمته بإنجاز سياسي معلّق

المبعوث الخاص الأممي يصل إلى الضفة السورية في مرحلة استحقاقات سورية داخلية، ودولية وأممية.
بيدرسن بين صندوق اللجنة الدستورية وصراع الديكة

لم يكن المبعوث الخاص الأممي للملف السوري، غير بيدرسن، قد غادر دمشق مؤخرا حتى وصله دعم رئيسه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وهو لا يزال في اجتماع مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم يحاول أن يعالج الشروط الخمسة التي وضعها النظام مجددا في آخر محاولة له لتعطيل انطلاق اللجنة الدستورية السورية.

 ففي ظهيرة 23 سبتمبر الجاري دعا الأمين العام إلى مؤتمر صحافي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك وأعلن في تصريح رسمي لوسائل الإعلام “عن إنشاء لجنة دستورية سورية ذات مصداقية ومتوازنة وشاملة تسهلها الأمم المتحدة في جنيف. وقد قام مبعوثي الخاص بتيسير الاتفاق وفقا لقرار مجلس الأمن 2254، وسوف تنعقد أولى جلسات اللجنة الدستورية في الأسابيع المقبلة”.

من هو بيدرسن الذي أنيط به الملف السوري في مرحلة استحقاقات سياسية هي الأكثر تعقيدا في السنوات العشر الأخيرة التي مرّت على سوريا، وحيث فشل أسلافه في إيجاد ولو بصيص ضوء في العملية السياسية المتوقفة بعد تسع جولات في جنيف بين مؤسسات المعارضة السورية من طرف، والنظام من طرف آخر؟

تمّ تعيين بيدرسن مبعوثا خاصا للأمم المتحدة في سوريا ليحمل الرقم أربعة في ترتيب المبعوثين الأمميين للملف السوري متسلّما الملف السوري من خلفه، ستيفان ديمستورا، الذي غادر منصبه معترفا بدرجة تعقد الحالة السورية تبعا للتداخلات الدولية فيها، وتضارب المصالح على مواقع النفوذ بعد حرب مدمرة دامت لسنوات استطاع فيها النظام أن يحافظ على كرسيّه في دمشق بدعم عسكري وسياسي ودبلوماسي مباشر من موسكو، وبتحالف معلن مع ميليشيات إيرانية، موصومة بالإرهاب العابر للحدود.

بيدرسن يبدو خلفا مغايرا لنهج لديمستورا الذي غادر منصبه معترفا بدرجة تعقد الحالة السورية تبعا للتداخلات الدولية فيها، وتضارب المصالح على مواقع النفوذ بعد حرب مدمرة دامت لسنوات

تولى بيدرسن مهامه رسميا في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر للعام 2018 بعد تقديم ديمستورا استقالته بعد أن اصطدمت كل مساعيه بحائط النظام المسدود، مضافا إليه الشد والجذب الذي كان يتعرّض له كل عنوان من عناوين الملف من الدول صاحبة النفوذ على الأرض السورية.

وهذه هي المرة الثانية التي يتسلّم فيها الدبلوماسي العريق بيدرسن ملفا ساخنا في الشرق الأوسط من زميله ديمستورا، ففي العام 2005 خلفه موفدا للأمم المتحدة في جنوب لبنان، ثم أصبح المبعوث الأممي الخاص للبنان.

بيدرسن دبلوماسي مخضرم من النرويج، كان قد شارك في العام 1993 ضمن فريق بلده النرويجي في جولات المفاوضات غير المعلنة في ذلك الوقت بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والتي أفضت إلى التوصّل إلى ما اصطُلح على تسميته بـ”اتفاقية أوسلو”. وأمضى إثر تلك الاتفاقية عدة سنوات ممثلا للنرويج لدى السلطة الفلسطينية. أما آخر منصب شغله قبل تعيينه مبعوثا خاصا لسوريا فكان سفير النرويج إلى الصين. وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد قال لمجلس الأمن حين أعرب عن رغبته في تعيين بيدرسن “سيدعم مرشحي بيدرسن الأطراف السورية عبر تسهيل التوصل إلى حل سياسي شامل وجدير بالثقة يحقق تطلعات الشعب السوري”.

الجدير بالذكر أن بيدرسن يجيد اللغة العربية. وقال عنه وزير الخارجية النرويجي، إيني إريكسن، حال تعيينه مبعوثا خاصا لسوريا “بيدرسن هو واحد من أفضل الدبلوماسيين”.

كرة الصوف السوريّة

مما لا ريب فيه أن بيدرسن يصل إلى الضفة السورية في مرحلة استحقاقات سورية داخلية، ودولية وأممية أيضا. ففي سوريا تنتهي ولاية رئيسها بشار الأسد في العام 2021 والبلد شبه مهشّم، وملايين السوريين هاجروا أو نزحوا، ومئات الآلاف منهم في المعتقلات. وقد أوقعت الحرب التي شنّها النظام السوري وحلفاؤه على الشعب السوري ما يزيد على نصف مليون قتيل.

تعقّدت المعضلة السورية بشكل كبير إثر ظهور المجموعات الدينية المتطرفة منها والإرهابية، ناهيك عن تضارب المصالح للدول ذات النفوذ على الأرض والتي تحاول في ما يشبه بدائرة الطباشير القوقازية شد سوريا كل إلى جهته دون الاكتراث لمصلحة هذا الشعب الذي عانى ما عاناه من الاستبداد والقمع والإفقار على مدى نصف قرن انتهت بحرب طاحنة دمرت النفوس، قبل تدميرها للبنى التحتية والفوقية، وتمزيقها الروابط المجتمعية والإنسانية بين أبناء البلد الواحد.

إلا أن تلك الاستحقاقات كانت أيضا سببا في التوصل إلى توافقات مبدئية بين الدولتين الكبريين روسيا والولايات المتحدة تجلّت في إعلان قمة أنقرة، التي حضرها الرؤساء الثلاثة بوتين وأردوغان وروحاني، عن اقتراب بيدرسن من الإعلان عن اللجنة الدستورية بعد تذليل معظم العقبات التي كانت تعترض طريقها. وكان أعظم تلك العقبات هو التنافر بين موسكو وواشنطن، لاسيما حول التعامل مع المد الإيراني الذي تريد الولايات المتحدة إنهاءه في سوريا. في حين تتمترس موسكو في الضفة الإيرانية، إذ تشكل طهران أحد أضلع مثلث الضامنين الثلاثة لمؤتمرات أستانة بالنسبة لترتيبات الميدان العسكرية كما تراها روسيا.

إلا أنه، وبالرغم من تغاير المصالح وافتراق الأهداف بين موسكو وواشنطن بالشأن السوري، فهناك ثوابت معينة لا يمكن للطرفين الروسي والأميركي ‏التراجع عنها البتة، لأنها مرتبطة بالقرارات الدولية، وغطاءها الأمم المتحدة. ‏فلا رجعة عن تحقيق الانتقال السياسي وتهيئة الأجواء لكتابة دستور جديد لسوريا يضمن تحقيق مطالب الشعب السوري ‏التي دفع ثمنها غاليا جدا.

 لكن الخلاف يبقى قائما في رؤية وقراءة واجتهادات كل طرف من الدولتين العظميين حول كيفية تنفيذ تلك القرارات ‏وفي مقدمتها القرار 2254 وكذلك مبادئ وثيقة الرياض 2. ولم يكن الضغط الشديد الذي مورس على النظام السوري لوقف التعقيدات التي يتفنن في اختراعها من أجل تعليق إطلاق اللجنة الدستورية إلا إشارة إلى الدور الأميركي الذي يتصاعد لدعم العملية السياسية ابتداء من جنيف، وضمن مظلة الأمم المتحدة، وكذا دعما لبيدرسن من أجل المضي في مهمته التي كانت مستحيلة على أسلافه الأربعة بسبب غياب الإرادة الدولية بإيجاد حل عادل للمسألة السورية. وقد وصف أحد المسؤولين

الأميركيين المتخصصين بقضايا الشرق الأوسط المعضلة السورية بأنها أشبه بما يدعى  بالمصطلح الأميركي “غورديان ناط” ويعني التعبير بالعربية كرة الصوف المتشابكة الخيوط والتي كلما تم السيطرة على مسار أحد خيوطها علقت المحاولة في استعصاء الخيط التالي. فهل سيملك بيدرسن اليدين الاستثنائيتين لفك عقدة هذه الكرة؟

ويعتبر إطلاق اللجنة الدستورية بإعلان صرح به الأمين العام غوتيريش في اليوم الأول من افتتاح الدورة الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة بعد التشاور مع بيدرسن، نصرا دبلوماسيا يحققه بيدرسن حين فشل آخرون. ومما لا شك فيه أن هذه اللجنة ستفتح بوابة متواضعة في

مساحة الضائقة السياسية السورية التي تمر بها العملية السياسية الانتقالية التي تبنتها الأمم المتحدة مستندة إلى قرارات مجلس الأمن المرعية.

الدستور المنشود

حكومة الأسد وحسبما يقول خبراء في اللجنة الدستورية، غدت قانونيا "حكومة لتصريف الأعمال حتى يتم إطلاق دستور جديد للبلاد"

بمجرد انطلاق اللجنة على سكة جنيف قريبا فإن هذا سيعني أن الخطوة الأولى من مسيرة الانتقال السياسي إلى الدولة السورية الجديدة قد بدأت

ولا رجعة فيها، وأن حكومة الأسد قد غدت قانونيا، كما أفاد أحد القانونيين المتخصصين في اللجنة الدستورية “حكومة لتصريف الأعمال حتى يتم إطلاق دستور جديد للبلاد”.

أما المعارضة السورية بمجموعتها المشكلة من 50 خبيرة وخبيرا قانونيا وسياسيا بترشيح من هيئة التفاوض، فقد اشتغلت على مسودات لدساتير متعددة، حسب عدة نماذج من أنظمة الحكم التي سيتم استفتاء الشعب السوري عليها، فهو وحده من يقرر مصيره ومستقبل دولته الجديدة. وقدمت اللجان المختصة أوراقها لبيدرسن لتكون جاهزة للعمل فور انطلاق أعمال اللجنة في شهر أوكتوبر القادم.

أما جوهر المضامين الدستورية التي تكفل تحقيق تطلعات الشعب السوري، فهي ثوابت لا يمكن التراجع عنها، ولها صقور من المعارضة تقوم بحراستها، وهي تصب في الأهداف التي حددتها الأمم المتحدة وسيعمل الدستور الجديد على تثبيتها ثم طرحها للاستفتاء الشعبي العام. فالسوريون متمسكون بوحدة سوريا أرضا وشعبا، وبسيادة الدولة على كامل أراضيها على أساس مبدأ اللامركزية الإدارية.

وكذلك بالتأسيس لنظام حكم ديمقراطي تعدّدي مدني يثريه تنوّع النسيج الاجتماعي السوري، وذلك ضمن دولة تحترم المواثيق الدولية وتحتفي بالحريّات العامة وتقرّ شرعة حقوق الإنسان العالمية في إطار وحدة جغرافية سياسية ذات سيادة كاملة تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية، ونظام حكم يمثّل كافة أطياف الشعب السوري من دون تمييز أو إقصاء على أساس ديني أو طائفي أو قومي أو جنسي، بل يرتكز إلى مبادئ الشفافية

والمساءلة والمحاسبة وسيادة القانون. دولة تنهج التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع السرّي والمباشر للشعب السوري، دولة تحترم وترعى حقوق الإنسان والحريات العامة، ولاسيما في أوقات الأزمات.

دولة تعددية

ويرى السوريون بلادهم دولة متعدّدة القوميات والثقافات، يقرّ دستورها بحقوق المكونات القومية كافة، وبامتياز ثقافاتهم ولغاتهم على أنها لغات وثقافات وطنية تمثّل خلاصة تاريخ سوريا وحضارتها، كما يرونها دولة المواطنة واحترام كرامة المواطن ومعتقده، تتساوى فيها الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، وتضمن قوانينها التمثيل النسائي المتكافئ ومشاركتهن في المؤسسات وهياكل صنع القرار، مع وضع الآليات الهادفة إلى تحقيق مستوى تمثيل لا يقل عن 30 بالمئة للنساء في الهيئات السياسية والمناصب العليا، وإقرار حق المرأة في الترشّح إلى موقع رئاسة الجمهورية.

ويفترض أن يصير الإنجاز السياسي المبكر لبيدرسن في السنة الأولى لولايته عاملا محفزا له ولفريقه في العمل سريعا، بالتوازي مع إطلاق اللجنة الدستورية، على أهم بنود بناء الثقة وهو الإفراج عن المعتقلات والمعتقلين من سجناء الرأي، ومعرفة مصير المفقودين، وإنهاء عهود الاعتقال السياسي المظلمة من الحياة السورية وإلى الأبد، والقطع مع النظام الأمني الموجّه لقمع الإنسان السوري، لا لحمايته كما يُفترض بمهمة رجال الأمن في دولة القانون.

فصل المقال أنه إثر حجب متعمّد لعملية جنيف السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة لصالح تقديم المبادرات الموازية التي رعاها بها حليفا النظام موسكو وطهران في أستانة وسوتشي، هاهي الكرة تعود إلى ملعب جنيف وطاولة بيدرسن وفريقه، وبانتظار حلحلة عقدة كرة الصوف السورية على يدي هذا الدبلوماسي المشهود له بالحنكة في العبور إلى الفسحات السياسية الواسعة بعد ضائقة.