فرنسا أمام تحدّي الحسم مع تيارات الإسلام السياسي

الاستخبارات الفرنسية تحذر من شبكة منظمات دينية تمولها تركيا التي تبسط نفوذها بقوة على الجالية التركية بأساليب تجمع ما بين الترغيب والترهيب.
الخميس 2021/02/11
جاليات مسلمة توظفها الحركات الإسلامية

تواجه الخطة الفرنسية لمكافحة الانفصالية الإسلامية عقبات كبيرة لتفعيلها لاسيما من قبل نشطاء الإسلام السياسي المتغلغلين داخل الهيئات المشرفة على شؤون المسلمين. ويرى سياسيون فرنسيون ومحللون في المنظمات والجمعيات التي تموّلها تركيا بالأساس أحد أهم هذه العقبات.

باريس- حذّرت الاستخبارات الفرنسية في تقرير قدمته للرئيس إيمانويل ماكرون من تحوّل السفارة التركية في باريس إلى وكر مخابراتي لحكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي نجح في تأسيس شبكة نفوذ ضخمة في الدول الأوروبية عبر 650 منظمة دينية ومجتمعية، غالبيتها تعمل على الأراضي الفرنسية.

ويأتي التحذير في وقت تواصل فيه باريس مناقشة قانون النزعات الانفصالية في البلاد الذي يشهد تعثرا بعد رفض اتحادات دينية تتبع أنقرة في مجلس الديانة الإسلامية المصادقة عن ميثاق أئمة فرنسا الذي سينظم عمل الأئمة بما لا يروق لجماعات الإسلام السياسي المدعومة من تركيا.

ويضع تغلل تنظيمات الإسلام السياسي داخل الهيئات الممثلة للمسلمين في فرنسا، خطة باريس الشاملة لمواجهة الانفصالية الإسلامية أمام انتكاسة محتملة تستوجب، بحسب مراقبين، إعادة النظر بصفة جذرية في “ولاءات” التمثيليات الإسلامية قبل تشريكها في رسم السياسات العامة.

ونبّهت صحيفة “لوجورنال دو ديمانش” واسعة الانتشار إلى تصاعد النفوذ التركي في المجتمع الفرنسي على نحوٍ خطير، حيث تبسط أنقرة نفوذها بقوة على الجالية التركية بأساليب تجمع ما بين الترغيب والترهيب.

وتعتبر مؤسسة “ديتيب” المرتبطة باتحاد الشؤون الدينية التركية الإسلامية وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا، من أهم المؤسسات الفاعلة في فرنسا، حيث تضم لجنة التنسيق للمسلمين الأتراك في فرنسا.

وتُموّل الحكومة التركية المدارس التابعة لمؤسسة ديتيب، حيث يعمل في تلك المدارس أساتذة أتراك أوفدهم حزب العدالة والتنمية حتى لا تتم الاستعانة بمن هم مقيمون في فرنسا تخوّفا من نجاح اندماجهم في المجتمع الفرنسي والتزامهم بمبادئ الجمهورية بما يمنع تكييفهم وفق سياسات الحكومة التركية، وبالتالي إمكانية تجنيدهم كجواسيس بالتنسيق مع سفارة بلادهم في باريس.

ومنذ خطابه في مطلع أكتوبر ضدّ الانفصالية والإسلام المتطرّف وبعد الهجوميين الجهاديين اللذين راح ضحيتهما المدرّس صامويل باتي ذبحا قرب باريس وثلاثة أشخاص قتلوا داخل كاتدرائية في نيس (جنوب شرق)، زاد الرئيس الفرنسي من ضغوطه على قادة الديانة الإسلامية في فرنسا لتنقيتها من النفوذ الأجنبي والتطرّف والنزعات السياسية.

رغم أهمية الإجراءات الفرنسية في مواجهة التطرف الإسلامي إلا أنها تظل منقوصة ولا جدوى لها
رغم أهمية الإجراءات الفرنسية في مواجهة التطرف الإسلامي إلا أنها تظل منقوصة ولا جدوى لها 

ويأمل ماكرون من وراء تشكيل المجلس الوطني للأئمة أن ينهي في غضون أربع سنوات وجود 300 إمام أجنبي في فرنسا “مبتعثين” من تركيا وغيرها من الدول الإسلامية.

ولن يكون مجلس الأئمة مخوّلا بإصدار التصاريح للأئمة ومنحهم بطاقة رسمية فحسب، بل سيكون قادرا أيضا على سحب هذه البطاقات منهم إذا ما خرقوا “ميثاق قيم الجمهورية” وشرعة أخلاقية سيتم الاتفاق عليها.

واعتمادا على دور كلّ منهم: إمام صلاة وخطيب مسجد وداعية، سيتعيّن على كلّ إمام الإلمام بمستوى مختلف من اللغة الفرنسية وحيازة شهادات دراسية يمكن أن تصل إلى المستوى الجامعي.

وكانت فرنسا قد أوقفت برنامجا لاستجلاب الأئمة من تركيا، أكدت أجهزة الاستخبارات الفرنسية أنهم يشكلون عصب دعم الانعزالية وانفصال الجاليات المسلمة عن مجتمعاتهم المحلية ومبادئ الجمهورية.

وفي 2010، وقعت كل من تركيا وفرنسا “إعلان نوايا” بخصوص وضع الموظفين الدينيين الأتراك، والذي تم بموجبه رفع عدد الموظفين من 121 إلى 151 موظفا، لكن باريس تراجعت في 2019 عن هذا الإعلان بتخفيض عدد الأئمة الأتراك بدل الترفيع في حصص انتدابهم، كما انتهجت النمسا نفس الخطوات.

ويقول خبراء فرنسيون إن قرار فرض قيود على إيفاد أئمة من تركيا بهدف إلى القضاء على خطر الانعزالية هو خطوة مهمة ضمن خطة شاملة لمحاصرة أنشطة جماعات الإسلام السياسي.

وكانت وزارة المالية الفرنسية قد أطلقت نهاية العام الماضي، تحقيقات سرّية حول مصادر تمويل الجمعيات الدينية والفكرية والمساجد التي تدعو إلى “إسلام انفصالي” على الأراضي الفرنسية، لاسيما داخل المؤسسات الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين والحكومة التركية، وذلك بهدف محاربة الدوائر المالية السرية وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

ووفق الاستخبارات الفرنسية، فإنّ بعض الأئمة الذين صدّرتهم أنقرة يعملون على تشويه صورة فرنسا لدى أبناء الجالية التركية، كما أنّ بعض رجال الدين من أصل تركي يحرصون على تلقين الأطفال الصغار في المساجد الفرنسية أنّ رئيسهم هو أردوغان وليس ماكرون.

650 منظمة وجمعية إسلامية تتبع تركيا في  أوروبا أغلبها ينشط  داخل الأراضي الفرنسية

وتواصل فرنسا المضي قدما في رسم طريق أكثر تشدّدا في مواجهة التطرف الإسلامي وحواضنه الأيديولوجية، بعد أن انكشفت مناورات تنظيمات الإسلامي السياسي التي تتخذ من الجمعيات والعمل الخيري ستارا لنشر الكراهية والراديكالية داخل المجتمعات الغربية.

ويؤكد خبراء أنه رغم أهمية الإجراءات الفرنسية في مواجهة التطرف الإسلامي إلا أنها تظل منقوصة ولا جدوى لها على المديين المتوسط والبعيد ما لم تتبع بإجراءات أوروبية مماثلة.

ويقترح هؤلاء أن تنشئ دول الاتحاد الأوروبي آلية مشتركة يتم بموجبها تبني جميع الدول الأعضاء لقرار حل دولة عضو للجمعيات الإسلامية ومنع أنشطة فروعها في بقية الدول.

5