فنانة لبنانية تجعل من الضوء حليفا للحقيقة الناصعة

فتاة بحمد تشكّل من الحدائق الداخلية سردية مبهجة لوطن جريح.
الجمعة 2021/04/02
الضوء يقيم جسرا سماويا بين اللوحة والناظر إليها

قدّمت الفنانة التشكيلية اللبنانية فتاة بحمد لوحات مشغولة بالألوان الزيتية في معرضها الأخير بالعاصمة السورية دمشق، لتستمر بعد ذلك في نشر أعمال جديدة لها على صفحتها الفيسبوكية لا تخرج من منطق تصوير الحدائق ولاسيما الداخلية، بل تكرّسها حالة فنية يصعب تخيّل نتاج الفنانة من دونها.

أقام المركز الوطني السوري للفنون البصرية معرضا للفنانة التشكيلية اللبنانية فتاة بحمد غير أنها لم تستطع السفر إلى سوريا بسبب إجراءات الحجر الصحي في عزّ أزمة انتشار وباء كورونا.

وقد قدّمها رئيس مجلس إدارة المركز الوطني غياث الأخرس بهذه الكلمات “أنوّه بتجربة فتاة بحمد التشكيلية وما تحمله من تقنية زيتية جريئة تميّزها رعشة ريشتها عند لمس القماش.. فهم الفنانة العميق وتفاعلها مع الطبيعة شفيفان وشاعريان، حيث إنها تتحاور معها بتناغم وانسجام ونسيج لوني مدهش، فتتحوّل معجونة المادة الزيتية لديها إلى طاقة حياتية تسعد المتلقي بنتاجها”.

هدوء غرائبي

كراس تدعونا إلى الجلوس بسكينة وهدوء
كراس تدعونا إلى الجلوس بسكينة وهدوء 

تكاد الكلمات المُرحبة والمذكورة آنفا أن تنطبق على معظم الأعمال الفنية التي يقدّمها الفنانون الانطباعيون العرب الذين جعلوا من تصوير الطبيعة بفصولها اهتمامهم الوحيد، أو على الأقل الأحب إلى قلوبهم.

رغم ذلك، فما يميّز أعمال الفنانة اللبنانية هو أن ألوانها ليست “مُتفجّرة” كما في العديد من لوحات الانطباعيين، وذلك بالرغم من استخدامها في أحيان كثيرة ألوانا عالية النبرة وشديدة الاحتدام. وعندما يحدث أن تستخدم الفنانة لونا واحدا طاغيا تصبح لوحاتها شبيهة بما قدّمه الفنان الفرنسي الملوّن الوحشي بيار بونارد، وليس بما أنجزه الانطباعيون الآخرون كالفرنسي كلود مونيه.

أما اللوحات الأقل أهمية عند الفنانة، ربما هي تلك التجريدية التي تحضر فيها أجواء الطبيعة، فتصبح شبيهة بلوحات آخرين، وليس بالضرورة أفضل ممّا قدّموه.

ثمة هدوء غرائبي في لوحات فتاة بحمد حتى تلك الأكثر اشتعالا من حيث الألوان المُستخدمة. وهذه الأجواء الغرائبية التي ربما تستقي نفوذها من كونها مُحمّلة بسكينة باتت نادرة جدا هذه الأيام، متأتية من كون الفنانة لا ترسم إلّا “الحدائق الداخلية” حتى وإن شكّلت في بعض لوحاتها مشاهد غالبا ما تكون مفتوحة تأخذنا عبرها إلى قريتها الجنوبية الغنّاء.

حدائق الفنانة الداخلية يتباهى فيها الضوء بتدرجاته متواطئا مع تبدل الألوان والظلال واختلاف الفصول الأربعة

أما حدائقها الداخلية فليست كحدائق الانطباعيين، حيث إنها وشبه حصري، يتباهى الضوء بتدرجاته متواطئا مع تبدل الألوان والظلال واختلاف الفصول الأربعة، فيستعرض قدراته بإعادة تشكيل رؤيتنا للموجودات حينما يتبدل وإن بشكل طفيف.

تتميّز حدائق الفنانة اللبنانية بقدرتها على بث الطمأنينة في نفس مُشاهدها، فهي حدائق داخلية بكل ما تعني الكلمة من معنى مُباشر ومجازي، وتكمن تحت رعاية تامة من قبل الفنانة التي اختارت ببراعة أزهارها ونباتاتها (واقعيا وفنيا) كي تصمد بقلب الغُرف حتى الأكثر ضيقا أو عتمة.

وتقول الفنانة خلال حديث حول أحد أهم معارضها “أعيش في ضيعة جنوبية، واللوحات المعروضة اليوم كلها من مكان واحد، في بيتي وجنينة (حديقة) البيت، في مكان صنعته كله تقريبا بيديّ”.

ولعل أكثر اللوحات التي تبثّ هذا النوع من الطمأنينة الهائلة التي تدفئ القلب وتُسكن الألم الوجودي وتذكّر بحضن الأم العطوف، هي تلك التي يظهر فيها كرسي مُريح أو مقعد قماشه مزهوّ ببراعم الأزهار والورود المُتفتّحة، كرسي أو مقعد إلى جانب طاولة عليها كأس أو فنجان قهوة مُحاط بالنباتات النضرة والأزهار.

حميمية الغرف

أعمال فتاة بحمد تتميّز على عكس الانطباعيين بألوانها غير المُتفجّرة رغم استخدامها ألوانا عالية النبرة وشديدة الاحتدام

هذا النوع من اللوحات كثير عند الفنانة، ورغم ذلك لا تشبه أي لوحة منها الأخرى، فلا يقدر الملل أن يتسلّل إلى عين المُشاهد ويحرمه من متعة التأمّل في لوحاتها والغوص في أجواء قد تذكّر الكثير منّا ببيت طفولته حين كان اللون حليفا للحقيقة الناصعة، وحين كان الضوء جسرا سماويا نحو مستقبل ليس فيه أية مُنغصات أو شرور.

ثمة ميزة أخرى تتّصف بها أعمال بحمد الفنية، وهي أنها بالرغم من تجسيدها أحيانا كثيرة لغرف صغيرة وحميمية، إلّا أنها مفتوحة أو مُطلة على الخارج الذي لا يتعارض معها، بل يظهر وكأنه امتداد لها وللسكينة التي تبثّها.

حدائق الفنانة اللبنانية ليست معزولة عن العالم الخارجي ولا يجب أن تكون بالضرورة في أحد البيوت الجبلية. فالحيوية التي تتمتّع بها تأخذنا إلى أجواء المدينة ومن ثم العودة منها بعد تعب النهار، لنجلس على مقعد من مقاعد لوحاتها نرتشف فنجانا من القهوة الطيّبة.

وفي كونها يُمكن كذلك وبكل سهولة اعتبار لوحاتها تلك تحفيزا ودعوة صريحة لاستعادة ألق النباتات إلى دواخل البيوت، بدلا من الأزهار والنباتات البلاستيكية (هذا إن حضرت)، وإعادة الشرفات البيروتية إلى شيء ممّا كانت عليه سابقا، أي حاملة وإن لغضن أخضر واحد يسبّح لخالقه، وغالبا ما كانت في كل شرفة نبتة حبق أو شجرة ياسمين أو فلّ.

الفنانة تطمئن من خلال لوحاتها الآخرين، وتقول لهم في لين “ليس من الصعب الاعتناء بالنبات الأخضر ولا ريّ الأزهار. الصعب هو أن نعيش خارج الخُضرة الحيّة ودون رطوبة وعطر ما تمدّنا به من بركة وجمال”.

ما زالت الألوان الزيتية هي ما تفضّل الفنانة استخدامه في لوحاتها عوضا عن مادة الأكريليك، وهذا مفهوم جدا بالنسبة إلى فنانة “مُلوّنة”، إذ تقدّم الألوان الزيتية، بالمقارنة مع مادة الأكريليك، أبعادا لم تزل إلى اليوم الأكثر غنى.

وفتاة بحمد من مواليد عام 1973 في قرية كفر ملكي بجنوب لبنان، استوحت عالمها الفني من محيطها سواء بيتها أو حديقته. وهي خريجة معهد الفنون الجميلة في بيروت وشاركت في العديد من المعارض الجماعية، أهمها المعرض الذي شاركت فيه مع الفنانة اللبنانية لوما رباح تحت عنوان “الألوان الحقّة”.

وللفنانة خمسة معارض فردية، منها ما قدّمته في صالة “أكزود” البيروتية وصالة “آرت سبيس الحمرا” تحت عنوان “لغة ربيعية”.

17