فيلم "الموصل" مشاهد مجتزأة لمجموعة مقاتلة منشقّة

سلسلة من المعارك النمطية خالية من البطولات الفردية والخلفيات المقنعة.
الأحد 2020/12/06
قائد المجموعة هو البطل الوحيد

لا شك أن الأحداث الكبرى في حياة الأمم والشعوب هي من التشعب وتعدد وجهات النظر في مقاربتها ما يحتاج إلى الكثير من العمل لغرض الإحاطة بأوسع مساحة منها، وعلى هذا ظلت الحروب الإقليمية والأهلية موضوعا يتجدد ويجري تقديمه مرارا على الشاشات في إطار نوع فيلمي محدد وهو سينما الحرب، لكن هذه السينما لها شروطها وخصائصها، التي تجعل منها أعمالا مشوقة ولها رؤيتها للأحداث التي تقاربها.

لا شك أن من يقدم على تقديم أفلام الحرب يفترض أن يكون على دراية بتراكم هائل من الأفلام الحربية، وأن هنالك العشرات من تلك الأفلام تقع ضمن تصنيف الروائع والأفلام المتميزة.

من هذا المنطلق يمكن النظر إلى فيلم “موصل” للمخرج الأميركي ماثيو كارناهان، وهو نفسه كاتب السيناريو، على أنه ينسجم مع ذلك التراكم في الفيلم الحربي، ونعلم جيدا أنه ليس مطلوبا منه ولا من أي فيلم أن يقدم إجابات على جميع الأسئلة، ولا إحاطة لجميع ساحات الحرب التي يتحدّث عنها، ولهذا لن نستغرب أن الحرب العالمية الثانية لا تزال تلهم السينمائيين بالمزيد من الأفلام، بقصص جانبية، من أحداث ومواقف إنسانية، بمآسٍ وجراحات وانتصارات وآلام وأحزان لا تنتهي.

البطولات الناقصة

كانت مدينة الموصل العراقية أرضا لكارثة بشرية وإنسانية وحرب طاحنة بعد أن سقطت في أيدي تنظيم داعش الإرهابي في صيف العام 2014، لتنطلق معارك التحرير في ما عرف بمعركة تحرير الموصل الكبرى في أكتوبر 2016، ليتم تحرير القسم الشرقي من المدينة في يناير 2017، وإكمال تحرير القسم الغربي في فبراير 2017، ويعلن النصر النهائي في يوليو 2017.

على هذه الخلفية يمكن النظر إلى المشاهد واللقطات الأولى من هذا الفيلم حيث يظهر الدمار الشامل للمدينة وتحوّلها إلى مدينة أشباح، حيث يقطنها أكثر من ثلاثة ملايين من البشر في أقل تقدير، وحيث يقدم الفيلم على تلك الخلفية معلومات عن احتلال المدينة من قبل إرهابيي داعش ولتتشكل مجموعة من القوات العراقية الخاصة “سوات”، واسمها سوات نينوى، وبحسب المعلومات التي يقدمها الفيلم مع تلك المقدمة أن “مجموعة سوات نينوى هي المجموعة الوحيدة التي قاتلت داعش يوميا في تلك الحرب” وأن أعضاء تلك المجموعة هم من أبناء المدينة.

سوف ننتقل بعد ذلك إلى اشتباك مباشر بالأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية بين مقاتلي سوات وبين الدواعش، وعلى افتراض أن ما شاهدناه من خراب لمدينة الموصل مترامية الأطراف، كان لسوات نينوى دور مباشر فيه.

الفيلم بلا مخاطرة حقيقية كالكمائن والتسلل خلف العدو وغيرهما من المشاهد المعتادة في أفلام الحرب
الفيلم بلا مخاطرة حقيقية كالكمائن والتسلل خلف العدو وغيرهما من المشاهد المعتادة في أفلام الحرب

تتمدد تلك الاشتباكات لنتعرف على آمر تلك المجموعة الضابط جاسم (الممثل سهيل دباج) هو وبضعة جنود هم أقل من عشرة، وسوف ينضم إليهم شرطي اسمه كاوا (الممثل آدم بيسا) ليستمر القتال مع عناصر من داعش، وينتهي بالقضاء عليهم والتوجّه إلى منطقة أخرى، وهناك أيضا سوف يقع اشتباك آخر، ثم آخر وآخر.

هنا سوف يبرز السؤال، هل أن هذه المجموعة هي التي حرّرت تلك المساحات الشاسعة من الموصل؟

وعلى حد وصف الفيلم إنها المجموعة الوحيدة التي قاتلت داعش بلا توقف، لكن هل أن قتال داعش كان بالنسبة إلى المجموعة نهارا فقط، وأما في الليل فهنالك هدنة؟

لأننا لم نشاهد ولو مشهدا ليليا واحدا، وجميع المعارك كانت تتم في النهار، وهو ما يخالف أرشيف تلك الحرب الدامية، بأن معارك الليل لم تهدأ قط، وكانت تقع اشتباكات كما في النهار وتلك ثغرة أخرى.

وأما إذا عدنا إلى تلك المجموعة والتي تمت الإشادة ببطولاتها فقد كنا ننتظر أن نشاهد شيئا من تلك البطولات الاستثنائية، لكننا شاهدنا قتالا عاديا بل إن المجموعة تكون قد صنعت لنفسها ثغرة غريبة عندما قرر الضابط جاسم أن يضم الشرطي كاوا غير المدرّب، والذي لا يحمل حتى هوية شرطي، ولم يمض على التحاقه بسلك الشرطة سوى شهرين.

وأما ما عدا ذلك فلا نجد خوض مخاطرة حقيقية ولا نصب كمائن ولا تسللا إلى مناطق هي خلف العدو، وهي من الفعاليات البطولية المعتادة في الفيلم الحربي لإظهار البطولات الفردية، أما هنا فقد تم التركيز على إطلاق الرصاص بلا انقطاع، بالإضافة إلى استخدام عنصري الحركة السريعة والقطع المونتاجي المتسارع والإيقاع السريع واللون والإضاءة والجرافيك، وكلها ساهمت إلى حد كبير في التغطية على العناصر الأخرى.

وبسبب كل ذلك لا نكاد نميّز خواص أو قدرات أفراد المجموعة لأنها متشابهة ربما نتذكّر وليد (الممثل إسحاق إلياس) في مشهد العثور على زوجته وابنته اللتين كانتا محتجزتين لدى الدواعش، وهو قسم من الفيلم لا تأثير له ولا إضافة تذكر، فضلا عن أنه ضعيف إخراجا وتمثيلا.

وإذا كنا بصدد هذه النمطية الأفقية التي لا تميز كل فرد من أفراد المجموعة عن الآخر، ما عدا الضابط جاسم، فماذا إذا مات ذلك القائد؟ وعن أية بطولة فردية سوف يتحدث الفيلم وقد خسرت المجموعة قائدها، إذن ماذا بقي منها؟

لا شك أن تلك الشخصية الدرامية التي كنا نتشبث بها ونحن نتابع أحداث الفيلم كنا ننتظر منها أن ترفع راية النصر في آخر المطاف، لكن ذلك لن يحصل ولا يبقى من المجموعة إلا جنود عددهم بعدد أصابع اليد الواحدة، فماذا سوف يحررون من الموصل مترامية الأطراف ومتضخمة السكان؟

خلفيات الأحداث

 مجموعة حربية في قتال غير منطقي
 مجموعة حربية في قتال غير منطقي

لنعد إلى قراءة أفعال الشخصيات من خلال حواراتها إذ سيكون اعتراف الضابط جاسم للشرطي كاوا صدمة حقيقية، إذ يخبره أنهم مجموعة من قوة سوات تم تكليفها بمهمات في القرى، بينما هم يريدون أن يتكلفوا بمهام قتالية مباشرة ضد داعش، ولهذا يقررون الانشقاق عن القوة العسكرية التي ينتسبون إليها، وينقطعون تماما عن الأوامر العسكرية، وهم خلال ذلك ينفذون ما يقرره الضابط جاسم فماذا بعد موت جاسم؟

وإن لكون الموصل تمتد مساحتها على أكثر من 180 كيلومترا مربعا سوف تحيلنا إلى ثغرة أخرى وأخرى ممّا ابتلي به هذا الفيلم، فعلى امتداد تلك المساحات الشاسعة وما بين الساحلين الأيمن والأيسر للموصل، كان في كل مساحة منها مربع يحمل اسم معركة بعينها، ولعل أشهرها على الإطلاق معركة الجيش العراقي المسماة جامع النوري، وهي من أشرس المعارك وأفدحها، لكننا مع جماعة سوات المنشقة هذه، لم نكن نعلم في أية بقعة من الموصل هم يقاتلون؟ وفي أي ساحل وأي جزء من المدينة؟

ولعل سؤال الجغرافيا المعتاد في مثل هذه الأفلام والذي أخفق الفيلم في الإجابة عليه سوف يحيلنا إلى خلفيات الأحداث التي يمكن أن يتم البناء عليها وصولا إلى خوض المعارك.

خلفيات الأحداث تم التعتيم عليها بشكل كامل، فلا نعرف في أي زمن نحن تحديدا، وكيف هي موازين القوى، إذ إن المصداقية والموضوعية تقتضي الإفصاح عما كان يجري على الأرض بشكل فعلي إذ كانت خرائط انتشار داعش في مقابل انتشار القوات العراقية تخضع للتحديث في كل ساعة، من خلال المعارك الشرسة والكرّ والفرّ، أما هنا فلا خارطة محددة نفهم منها سيرورة الأحداث.

ولننتقل إلى ميزة أخرى كرّسها الفيلم عن هذه المجموعة، إذ يعمد الضابط جاسم إلى تحذير ضابط شرطة يرأس نقطة عسكرية ويهدده بأنه سينتقم منه إذا تم الإبلاغ عن مجموعة سوات المنشقّة هذه، بل إن المجموعة تقوم برشوة عنصر آخر في الداخلية لكي لا يشي بها أيضا.

محاولة غير موفّقة للإيحاء بأنه أول فيلم أكشن عربي بإنتاج هوليوودي، فالحوار مفرغ والأحداث بلا خلفيات ولا إقناع

وإذا توقّفنا عند عامل الرشوة فنجد مثلا أن الضابط جاسم يخرج رزم الأوراق المالية ليعطيها لمن يشاء، ولا تُعرف ما هي تلك الأموال؟ ما مصادرها؟ ولماذا يوزعها الضابط من دون حساب؟ وماذا سيفعل بها الجنود وهم في ذلك المأزق، ثم يظهر مشهد آخر تسقط فيه حقيبة محشوة بالمال من سيارة مسرعة لداعش، وكأنه إيحاء بأن هذه المجموعة تجمع المال من هنا وهناك بما في ذلك أموال داعش.

إذا عدنا إلى مشاهد البداية فمن المؤكد أن المشاهد أحوج ما يكون إلى تدرج منطقي للأحداث، والأفلام الحربية ليس بالضرورة كلها مشاهد حربية وهو ما وقع فيه هذا الفيلم فقد بدأ مباشرة بالاشتباكات مع تجاهل عنصر الجغرافيا بالإجابة عن سؤال أين نحن؟

وأما من الجانب الآخر فهنالك الكارثة الإنسانية والبشرية التي وقعت في الموصل، وهي خلفية أخرى للأحداث وترتبط بالتدرج المنطقي إذ كان من أكبر التحديات هو وجود السكان المدنيين في وسط مناطق المعارك، وهو ما لم يظهر إلا جزئيا في هذا الفيلم، بينما هو قضية محورية في حرب الموصل.

من جهة أخرى من المعلوم واقعيا وما هو موثق فعلا في حرب تحرير الموصل هو أن ما يعرف في العراق بجهاز مكافحة الإرهاب هو قوات النخبة الحقيقية التي قاتلت داعش ببسالة وشراسة منقطعة النظير، وأما “سوات” فدورها كدور قوات الشرطة المحلية، فما بالك إذا كانت قوة صغيرة من سوات ومنشقّة عن قياداتها فكيف يمكن فهم تضخيم دورها وتكريس فيلم كامل لبطولاتها؟

ننتقل بعدها إلى صورة موازية وهي وجود ضابط إيراني اسمه إصفهاني، وهو الذي كان يصول ويجول ويصرخ ويقايض العتاد بالسجائر ومعه مجموعة من أشعثي الشعر يعصبون رؤوسهم بعصبة صفراء، ليتم الإيحاء للمشاهد بأن إيران وضباطها يقومون بأدوارهم كما شاؤوا في حرب الموصل، وليعلن الضابط الإيراني أن العراق ليس بلدا حقيقيا منذ زمن بابل، وذلك في حوار محتدم مع ضابط “سوات”.

لكن السؤال الذي يتبع ذلك السجال وفي إطار حواريات باهتة وركيكة هو من أين للضابط المشغول بقتال داعش مع مجموعة سوات البطولية كل تلك الكمية من السجائر، وماذا يفعل بها وهل هو مشغول بجمع السجائر والمتاجرة بها أو لاستخدامها في الرشوة؟

ليس فيلما عربيا

الفيلم غيّب العنصر الجغرافي
الفيلم غيّب العنصر الجغرافي

وإذا عدنا إلى الحوار فإن أهم ما ميز هذا الفيلم عنصران هما الحركة والحوار، وبالنسبة إلى عنصر الحركة فقد كانت حركة الكاميرا السريعة والمحمولة على الكتف وهي ترافق حركات الجنود المتسارعة علامة مميزة تحسب للفيلم، وأما الحوار فقد كان توظيفه هامشيا تماما وأقرب إلى الثرثرة الباهتة التي تشبه عملية ملء الفراغ مع الحرص على استخدام مفردات شعبية، لكنها بقيت ثرثرة إضافية لا تغني ولا تسمن، أضف إليها ظهور كلمات هنا وهناك بلكنات غير عراقية.

كما تمكن ملاحظة استخدام الجُمل القصيرة غير المكتملة المعنى في الحوارات، وبذلك كان تأثيرها باهتا أيضا بينما كانت تلك الحرب الطاحنة بحاجة إلى سجالات كلامية شرسة، بليغة ومعبّرة تتناسب مع اشتعال الحدث.

وامتدادا لعنصر الصوت فقد تم استخدام موسيقى تصويرية سارت على خط واحد وظلت تتكرر إلى درجة الملل في العديد من المشاهد وهو عجز آخر وثغرة إضافية في عنصر الصوت إذ كان بالإمكان استخدام آلات موسيقية عراقية أو شرقية بطريقة أكثر احترافية وأكثر جدوى من تلك التي سادت في أغلب مشاهد الفيلم.

ومما يلفت النظر ما كتب عن الفيلم هنا وهناك في بعض التغطيات الصحافية بأنه أول فيلم أكشن عربي بصناعة هوليوودية وهو ما يجافي الحقيقة تماما، فالفيلم أميركي كتابة وإنتاجا وإخراجا، وليس فيه أكثر من الممثلين السبعة أو الثمانية المتقاربة أدوارهم ثم موت عدد منهم ثم موت قائدهم، بل كان من أطرف ما أشيع أن أوساطا نفعية أرادت تسويق الفيلم على علّاته وعيوبه الكثيرة من خلال محاولة إقناع وزارة الثقافة العراقية لترشيح الفيلم لنيل جائزة الأوسكار وهي سذاجة أخرى تضاف إلى تصنيف الفيلم على أنه أول فيلم أكشن عربي.

15