قطر توظف تعقيدات السلام للعودة إلى دارفور

عبدالفتاح البرهان يفتح المجال للدوحة من بوابة الاستثمارات
الجمعة 2021/04/09
تقارب يتوجس منه السودانيون

تسعى السلطة الانتقالية في السودان، ولاسيما المكون العسكري، لاستثمار الأجواء الإقليمية خصوصا بعد المصالحة الخليجية لإعادة فتح المجال أمام قطر، وهو ما ترجم في زيارة رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان إلى الدوحة ووعوده بتذليل الصعوبات أمام الاستثمارات القطرية.

الخرطوم – فتحت السلطة الانتقالية السودانية الباب مجددا أمام عودة النفوذ القطري إلى دارفور، لكن هذه المرة من بوابة المشروعات الاستثمارية، وليس عبر الجمعيات والمنظمات الخيرية التي لعبت دوراً مشبوهاً في دعم تنظيم الإخوان ما تسبب في استمرار الصراع بين نظام الرئيس عمر البشير والحركات المسلحة.

وأجرى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان مباحثات مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة الخميس بحث خلالها العلاقات الثنائية وسبل تطويرها.

واستغلت السلطة الانتقالية حالة الهدوء بين مصر وقطر بعد اتفاق العلا في يناير، لتقوم بالمزيد من الانفتاح على الدوحة دون أن يتسبب ذلك في حدوث تأثيرات سلبية على علاقة الخرطوم المتطورة مع القاهرة.

الشفيع أديب: التقارب مع قطر يقوده المكون العسكري ولا يتحمس له المدنيون
الشفيع أديب: التقارب مع قطر يقوده المكون العسكري ولا يتحمس له المدنيون

ولم تستبعد دوائر سودانية أن تكون زيارة البرهان لقطر لها علاقة بأزمة سد النهضة، حيث تمتلك الدوحة استثمارات كبيرة في إثيوبيا تمكنها من الضغط على أديس أبابا لتليين موقفها.

وألمحت مصادر مصرية لـ”العرب” إلى أن زيارة البرهان تمت بالتنسيق مع القاهرة، لمنع الوقوع في المزيد من التدهور، ضمن سياسة يتبناها السودان بالتنسيق مع مصر لتفكيك مصادر القوة الإقليمية لدى إثيوبيا، وهو ما يعني أن قطر يمكن أن تلعب دورا في أزمة سد النهضة، وتستعيد لياقتها السياسية في السودان من الباب الاقتصادي.

ودعا البرهان، خلال زيارته الأولى للدوحة، رجال الأعمال القطريين إلى الاستثمار في بلاده، منوها بوجود العديد من الفرص الاستثمارية، وعبر عن رغبة بلاده في توسيع استثمارات قطر بالسودان.

وحافظت قطر على نفوذ كبير في دارفور طوال عهد البشير، ولعبت دورا في رعاية محادثات بين الخرطوم وحركات مسلحة، واتهمت في الوقت نفسه بأنها كانت تعبث في الإقليم الذي يتكون من موزاييك قبلي متناحر، ما جعل السلطة الانتقالية تقوض دورها، خوفا من الاتهام بالانحياز للنظام السابق الذي كانت الدوحة من أهم داعميه.

ويرى مراقبون أن قطر لا تنشغل كثيراً بشكل وجودها في دارفور حاليا، سواء أكان عبر المشروعات الاستثمارية أو الجمعيات الخيرية فالمهم أن تحافظ على مصالحها في السودان، حيث حاولت الدخول على خط السلام لتحصين نفوذها وأخفقت.

وشارك وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة، وهي إحدى الحركات المحسوبة على تنظيم الإخوان ولديها صلات قوية بقطر، في المباحثات التي أجراها البرهان في الدوحة وبدا كأنه أحد ضامني تدفق الدعم القطري.

وثمنت حركة العدل والمساواة الجهود القطرية في دارفور، ورأت أنها نجحت في معالجة آثار الحرب عبر التنمية المستدامة وتأهيل مناطق النزاع، وهو ما عبّرت عنه عقب الوصول لاتفاق جوبا.

وما تتحدث عنه الحركة ليس له وجود على أرض الواقع وسط أوضاع متردية يعاني منها الإقليم، كما أن أبناء الإقليم يدركون أن قطر ركزت على الدعاية والكسب السياسي دون أن تساهم في وقف الحرب وإعادة النازحين إلى قراهم.

وأوضح المحلل السياسي الشفيع أديب لـ”العرب” أن التقارب مع قطر يقوده المكون العسكري ولا تتحمس له الكثير من القوى المدنية المشاركة في السلطة، والدعوات التي وجهتها الدوحة كانت لقيادات عسكرية في الجيش، وقوات الدعم السريع.

نصرالدين يوسف: الكثير من الجمعيات الخيرية دعمت البشير والتنظيمات الإرهابية
نصرالدين يوسف: الكثير من الجمعيات الخيرية دعمت البشير والتنظيمات الإرهابية

وقام نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو بزيارة مماثلة إلى الدوحة في يناير، أكد خلالها أن قطر تجهز لافتتاح 10 قرى لعودة النازحين في دارفور، وستطرح عطاءات لإنشاء 50 قرية.

ويبدو العنوان المشترك في الزيارتين هو دارفور، لكن أديب أشار إلى أن قطر تسعى لتضمين وثيقة سلام الدوحة لعام 2011 ضمن ملحقات اتفاق السلام في جوبا الموقع بين السلطة الانتقالية والحركات المسلحة في أكتوبر الماضي، وترى أن المشروعات والمشاركة في عملية التنمية مدخلاً مناسباً يدفعها لتعزيز هذا الطلب الذي يواجه رفضا من قبل قوى سودانية عديدة.

وأثبتت بعض المعطيات التي تكشّفت بعد الثورة السودانية أن قطر وظفت حضورها من أجل دعم ميليشيات مسلحة عبر الحدود المتاخمة لدارفور، كما أن معلومات عديدة أثبتتها لجنة إزالة التمكين ذهبت باتجاه تورط الدوحة في تمويل عدد من الجمعيات الخيرية وتوظيفها أيديولوجيا لخدمة تنظيم الإخوان.

ويشير متابعون للأوضاع في دارفور إلى أن الدوحة لم تعد تمتلك مفاتيح الحل والسلام في الإقليم، بعد أن أغلقت لجنة إزالة التمكين الكثير من الجمعيات التي كانت تمولها قطر، وضيقت الخناق على وصولها إلى جمعيات أخرى صغيرة مازالت عاملة.

وخف حضور الحركات المسلحة التي كانت تدعمها في السابق، بما فيها حركة العدل والمساواة، واللعبة الآن بيد حركات لم توقع بعد على السلام، على رأسها حركة جيش تحرير السودان جناح عبدالواحد محمد نور التي لا ترتاح لتزايد النفوذ القطري.

وذهب المتابعون للتأكيد على أن الأزمة في دارفور قبلية وبحاجة إلى تدخلات أمنية وليست استثمارية لضبط الأوضاع المنفلتة هناك، لذلك فالتعويل على الجوانب التنموية دون ضبط الأمن لن تكون له أصداء حقيقية على أرض الواقع.

وتُقدر الاستثمارات القطرية في السودان بنحو 3.8 مليار دولار، بحسب وزارة الاستثمار السودانية، وتحتل المرتبة الخامسة بين الدول المستثمرة في البلاد، وظلت أنشطتها موجودة ولم تتوقف حتى بعد التحول السياسي وترتبط بالإنتاج الزراعي.

وأوضح عضو هيئة محامي دارفور نصرالدين يوسف أن الكثير من الجمعيات الخيرية التي عملت في السابق بدارفور ليس لها علاقة بالجوانب التنموية والاستثمارية وهي تحمل صبغة أيديولوجية عملت على دعم نظام البشير والتنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها “قطر الخيرية” ولن يكون مسموحاً بعودتها على المستويين السياسي والشعبي.

وذكر في تصريح لـ”العرب” أن السلطة الانتقالية عملت على تغيير الكثير من قوانين الاستثمار حتى تستطيع جذب رؤوس الأموال الأجنبية وإتاحة الفرصة للمستثمرين العرب للاستفادة من البيئة الزراعية الخصبة في السودان، وهو ما يشكل ضمانة لعدم توجيه أموال المشروعات لدعم تنظيم سياسي أو عسكري أو جمعية خيرية بعينها.

2