قم.. خاطفة التشيّع ومُصدّرة كورونا

المدينة تشربت بالحكم الديني والولاية المطلقة للفقيه، مقارنة بالنجف التي توقف دورها عند النصح تاركة الحكم للسياسيين.
الثلاثاء 2020/03/17
قم والدولة: اعتماد متبادل

عرف العرب قم حين استوطنوها سنة 83 هـجريا بـ”كوميندان” وظلوا غالبية سكانها حتى القرن الثالث الهجري، بلغتهم وبالمذهب الأشعري. وسمّي الجزء الذي تمركزوا فيه منها، حتى سنة 1359م، بـ”عربستان” أو “حسين آباد”، وتدريجيا أسقطوا بعض حروفها فصارت “قم”، مصدرة التشيع الفارسي دائما، ومعه كورونا حاليا.

توجد بقم ثلاثة مزارات دينية، أهمها مرقد المعصومة فاطمة موسى الكاظم، ابنة الإمام السابع. والمرقد هو صاحب الفضل الأكبر في إعمارها وتوسّعها، وتأسيس “حوزتها” قبل قرون، مثل العشرات من الحوزات التي عرفتها مراكز الثقل السكاني الشيعي. وعلى المرقد استند الخطاب الفارسي لتلقيبها بـ”المدينة المقدسة”.

نفس الخطاب روّجها كـ”أقدم حوزة” و”الحوزة العلمية” توصيف لمراكز دراسة الفقه الجعفري، وأعرقها النجف الأشرف في العراق. وتمطُّ قم قامتها كل عدة قرون في محاولة لخطف مركزيّتها، لتوسيع نفوذ التشيع الفارسي، في ظل تنافس إقليمي لم يتوقف منذ آلاف السنين بين الفرس، أيّا كان مسمى وطبيعة كيانهم، وبين العراق كبوابة شرقية عربية.

بذور الحوزة برزت زمن الغيبة الكبرى للإمام الحجة بن الحسن، ومفرداتنا دائما وفق التراث الشيعي. وتقول الوقائع التاريخية إن أول حوزة أسسها الإمام الصادق في الكوفة، واحتضنت أربعة آلاف طالب. ومن جغرافية الكوفة وبين سكانها وعلى تراثها ولدت النجف، أواخر القرن الثاني الهجري، حول مرقد الإمام علي، فهي، بداهة، امتداد لها ولتاريخها. خلال قرن ونصف القرن استعادت النجف مركزية التشيع على أيدي الشيخ محمد بن الحسن الطوسي عام 448 هـجريا، وفق محمد جعفر التميمي في كتابه “مشهد الإمام”.

عراقة النجف واجهت تشكيكا ممن اعتبروا أنفسهم مؤهلين لمنافستها، من نماذجه خطاب للمرشد الفارسي على خامنئي منشور ضمن “مشاريع التجديد والإصلاح في الحوزة العلمية”، الذي يتجاهل امتداد الكوفة في النجف، واصفا ما سبق قيادة “الطوسي” بأنها “بيوتات علمية، لم ترتقِ إلى تأسيس حوزة علمية”.

التشكيك الفارسي يتجاهل أيضا أن سياق قم الغالب كان أشعريا، وأن توصيف خامئني “لم ترق إلى تأسيس حوزة” أوْلَى بمدينته، التي لم تعرف على نطاق واسع إلا مع نزول “المعصومة فاطمة” فيها سنة 201 ﻫجريا لزيارة أخيها الرضا، الإمام الثامن والذي دفن بمشهد. فاطمة لقيت ربّها بعد أيام من دخول قم، وكثر البناء حول ضريحها وأصبح له “حرم”، حوله دفن كبار الشيعة وملوكهم ووزرائهم فيما بعد، حسب ما ورد في “قلعة المرجعيات الدينية المتحكمة في إيران”. مع ذلك ظلت “بيوتات علمية” متناثرة لم تأتلف في مركز أو مرجعية.

لتوقيت وسياق أول مطّ لقامة قم دلالته. صاحبه هو إسماعيل بن حيدر بن الجنيد الصفوي، الذي سيطر على حكم فارس 892 هـ – 1487 م، منهيا صراعا قبليا لعقود بين التركمان.. الخراف السوداء والبيضاء. بعد أربع سنوات أعلن تحويلها إلى المذهب الإثني عشري، وتأسيس الدولة الصفوية، نسبة إلى جده صفي الدين الأردبيلي التركماني الأذري.

اللجوء والتمازج العلمي، معروف تاريخيا بين الحوزات خاصة في فترات البطش السياسي، لكنه انعكس انفتاحا في النجف لوعيها العفوي بمركزيتها للطائفة العابرة للدول والقوميات، وارتد انغلاقا في قم

حكم الحفيد الدولة الوليدة كرجل دين حتى 1524 م، في مواجهة مذهبية دائمة للخلافة السنية التي اختطفها العثمانيون، والتي خضعت الحوزات العربية لاحتلالها، فضعفت. وفي حرب مذهبية مع قبائل الأوزبك بشمال شرق فارس، أنهاها إسماعيل عام 1510 م بانتصار دام.

حينها كانت غالبية فارس سنية، عدا تركزات شيعية في مدن آوه وقاشان وسبزوان وقم. ولفرض التحويل يتحدث المؤرخون السنّة عن مذابح طالت مليون سني نفّذها الصفوي، ويصفها الشيعة بالأكاذيب.

وسواء كان التحويل جبرا أو اقتناعا فهو يحتاج لدعاة، ولندرتهم في فارس وقم، أغرى الصفوي شيوخ شيعة جبل عامل في لبنان. رحلت 97 عمامة عربية سوداء إلى قم، كما ورد في كتاب “هجرة علماء الشيعة” لسالم مشكور، لم يعد منها لموطنها سوى سبع، وتجاوز دورها الدعوة والتلقين المذهبي، فطبيعة الحكم الديني وظفتها في دولاب وإدارة الدولة حتى سقوطها.

كان هذا أول تأسيس فعليّ لحوزة قم، بداية القرن الـ16، أثرى خلاله الشيوخ العرب الفقه الجعفري بمؤلفات أصبح العديد منها “عُمدا” في سياقها، وحققت قفزة نوعية لمكانة وتأثير قم، بالتوازي مع تراجع دور النجف تحت الاحتلال التركي. لم يستمر انتعاش قم كثيرا، فمع أفول داعميها الصفويين، توزع الثقل العلمي الذي زرعه فيها العرب على حوزات المشرق، من خراسان إلى بغداد.

Thumbnail

بعد قرون من الاضمحلال، خاصة مع الحكم الأفغاني السُّني لمعظم أقاليم فارس، عام 1722 م، ونزوح شيوخ قم بعائلاتهم لحوزات النجف وكربلاء وبغداد، وطغيان وجودهم ولغتهم الفارسية عليها، وفق ما ورد في كتاب إسحاق نقاش “شيعة العراق”، ترجمة عبدالإله النعيمي. إسحاق قدّر عدد شيوخ وطلاب الفرس في النجف وكربلاء، نهابة الاحتلال العثماني، بـ80 ألفا.

ازدهرت قم نسبيا مع صعود دور عبدالكريم الحائري اليزدي ثلاثينات القرن الـ20، ومع عودة عمائم سوداء تربت في النجف، كمهدي الخالصي وأبي الحسن الأصفهاني، والنائيني والشهرستاني.

اللجوء، والتمازج العلمي، معروف تاريخيا بين الحوزات، خاصة في فترات البطش السياسي، لكنه انعكس انفتاحا في النجف.. غالبا لوعيها العفوي بمركزيتها للطائفة العابرة للدول والقوميات. وارتد انغلاقا في قم.. غالبا لوعيها بدورها العرقي/القومي. في الأولى قد تجد الرأس عربيا أو من أحد مكونات “الشعوب الإيرانية”، وفي الثانية، من بعد التأسيس العربي لها، لم يحدث أن تصدّرها عربي.

تعي قم مهمتها منذ تأسيسها الصفوي، فمن بين تسع نظريات فقهية جعفرية للحكم، رصدها الإيراني محسن كديفر في كتاب “نظريات الحكم في الفقه الشيعي”، تتنوع بين الولاية المقيّدة وشورى الفقهاء وولاية الإنسان على نفسه.. إلخ، تشربت قم بالحكم الديني والولاية المطلقة للفقيه، التي صَدرت فارسيا وكأنها نظام الحكم الإسلامي الطبيعي، مقارنة بالنجف التي توقف دورها عند النصح تاركة الحكم للسياسيين.

بعد 500 سنة، تقريبا، “تمطّ” قم قامتها ثانية، آملة في إنجاز حلمها بخطف التشيع واستمرار توظيفه فارسيا. صنعها الحاكم، في البداية، لتخدم دولته، وفي عام 1979 صنعت هي دولة كاملة، وإن تغير ثوبها من دكتاتورية تتمسح بالتقدم إلى دكتاتورية ولاية الفقيه، وهي دائما، منذ آلاف السنين، تحلم بهيمنة فارسيّتها على الإقليم.

مع “مط” قامتها الثاني، توحشت أدوات قم. فالمدينة التي يتجاوز سكانها المليون ونصف المليون نسمة، بها 60 جامعة ومدرسة عليا، معظمها تأسس مع حكم “ثورتها”، ولها العديد من الفروع في أنحاء العالم، وتستضيف 50 ألفا من طلبة الفقه الجعفري، نصفهم من خارج إيران.

لتمكين قم من الصدارة، حوّرت العديد من الروايات الشيعية، أهمها عن “المهدي المنتظر”. فمن طهران خرج كتاب “عصر الظهور”، مصّدرا بكلمة للخميني، ومحددا الـ15 علامة لـ”الظهور”، يرتبط أغلبها بفارس والبقية بتابعين لها. وخصصت اثنتان لقم.. الأولى “إنّ رجلاً من قم يدعو الناس إلى الحقّ، ويجتمع معه قوم قلوبهم كزُبر الحديد”، والثانية “انتقال العِلم من النجف إلى قم”!.

وهم خطف ما هو للنجف كان وراء فتاوى/تصرفات عكسية تزامنت مع تحوّلها إلى مفرخة لكورونا، فكل شيء مباح لحماية الوهم، من التستر على تفاقم المرض فيها، وعلى حالة العرب الذين أصيبوا خلال زيارتهم لها بعدم ختم جوازات سفرهم، وتحول “الحرم/المدينة المقدسة” إلى “بؤرة وباء”، إلى فتاوى الاكتفاء بالدعاء كعلاج وزيارة بؤرة المرض ذاتها، قم، للشفاء منه. هكذا أصبح التشيع الفارسي قرينا، لدى قطاع واسع من الشيعة العرب بالوباء، لكن من يسعى للاستفادة؟

تكسب قم، أولا، لأن دولة كاملة تخدمها، وثانيا لأن الحوزة الأعرق تعرضت لتنكيل صدام حسين، الذي لم يع، هو ولا المركزيات السياسية العربية، أنّ لا مواجهة فعالة للفرس من دون حوزة عربية قوية تمكن من تبوّؤ مركزيتها، لتعرّيهم من حصان طروادتهم.. راية التشيع، التي دونها لن يجدوا منفذا في الإقليم، وستصبح دولتهم، نفسها، مهددة وجوديا.

مدينة تتميز بمركزيتها الطائفية
مدينة ذات مركزية طائفية

 

12