قيس سعيد.. خطوة أولى نحو محاسبة المنظومة القديمة

قيس سعيد كان ينتظر إنهاء مهمة تشكيل الحكومة من أجل التفرغ لفتح ملفات الفساد والثراء المفاجئ لعدد من السياسيين، فضلا عن اختراق الدولة وإضعافها ومحاولة وضع اليد على المؤسسات السيادية.
الخميس 2021/10/14
لا عودة إلى الوراء

أظهر خطاب الرئيس التونسي قيس سعيّد الاثنين أن الرجل لا يلف ولا يدور، وأنه ينفذ خطة تدريجية واضحة الأفق من أجل إغلاق قوس حكم السنوات العشر الأخيرة، الذي تحكمت فيه حركة النهضة الإسلامية وطبعته بحالة من الفوضى والاستهانة بالدولة وغلبة الفساد.

لقد قطع سعيّد خط الرجعة أمام خصومه الذين كانوا يستثمرون تأجيل الحكومة للتشكيك في قدرته على إدارة شؤون البلاد، ويحملونه مسؤولية تهاوي الوضع الاقتصادي والاجتماعي، الذين كانوا هم السبب فيه، بسبب استمراره في التريث قبل تكليف رئيسة الوزراء الجديدة نجلاء بودن، ثم لاحقا الإعلان عن تشكيلة حكومية ثلثها من النساء وتضم اختصاصيين ولا وجود لوجوه سياسية فيها.

وفي لحظة الإعلان عن التشكيلة الحكومية، لم ينس الرئيس التونسي أن يذكر الناس بأن المشكلة في البرلمان والمنظومة السياسية التي أنتجته، حزاما حكوميا ومعارضة، والنواب الذين حولوا البرلمان إلى سيرك يستعرضون فيه قدراتهم على الصراخ والاشتباك بالأيدي، في وقت كان الملايين من الناس ينتظرون من هذا البرلمان أن يقفز على الخلافات ويضغط على الحكومة من أجل تأمين اللقاحات اللازمة لمواجهة الجائحة، وينتظرون قرارات لمساعدة الفقراء والفئات المهمشة على مواجهة تلك المرحلة الصعبة.

كشف البرلمان في نسخه الثلاث، منذ 2012، أنه لن يكون سوى واجهة للفوضى بسبب القانون الانتخابي الذي هدف إلى التشتيت، وكان لا بد من تغييره، وتغيير النظام البرلماني الذي عزل مجلس الشعب والحكومة عن مشاغل الناس، وفرض عليهم الصراع في القضايا السياسية فقط، وكأن أقصى أحلام الناس في زمن الجائحة هو انتخاب المحكمة الدستورية أو إخراج هياكل أخرى من حالة المؤقت إلى الدائم. تلك مسائل ثانوية على السياسيين حلها بينهم في لقاءات بعيدة عن الناس، وليس على شاشات التلفزيون.

ومن خلال عرضه لصور من معارك النواب في البرلمان، أرسل سعيد رسالة واضحة على أن المرحلة الماضية قد انتهت بلا رجعة، وأنه مهما كانت التحركات في الداخل والخارج ومحاولة استجلاب الضغوط، فإن أبواب الماضي قد أغلقت نهائيا، ملوحا بأنه سيتفرغ لتفكيك منظومة المنتفعين سياسيا من حكم ما قبل الخامس والعشرين من يوليو.

وبعد مراسم القسم الحكومي ألقى الرئيس سعيّد كلمة أكد فيها على ضرورة “إنقاذ البلاد ممن يتربصون بها في الداخل والخارج” و”من يعتبرون المناصب غنيمة… سنفتح الملفات ولن نستثني أحدا ولا مكان لمن يريدون العبث بسيادة الدولة”. وتابع “لقد نهبوا من أموال الشعب الكثير”، دون أن يأتي على ذكر أسماء.

وتعتقد أوساط سياسية تونسية أن الرئيس سعيّد كان ينتظر إنهاء مهمة تشكيل الحكومة من أجل التفرغ لما أسماه فتح الملفات، والمقصود ملفات الفساد والثراء المفاجئ لعدد من السياسيين، فضلا عن اختراق الدولة وإضعافها ومحاولة وضع اليد على المؤسسات السيادية مثل وزارات الدفاع والداخلية والعدل.

لا يخفي سعيّد أن المرحلة القادمة ستكون الأولوية فيها لتحرير القضاء من الضغوط ومن نفوذ اللوبيات السياسية وغير السياسية حتى يقدر على أن يفتح الملفات بجدية ويصل إلى نتائج سريعة بدلا من فتح قضايا وتركها مفتوحة على المجهول مثلما هو الشأن في موضوع الاغتيالات السياسية، وقضايا تسفير شبان تونسيين للمشاركة في معارك إرهابية في ليبيا وسوريا.

لقد حاصر الرئيس سعيّد بإعلانه تشكيل الحكومة حجج الخصوم، وسحب منهم ورقة تحريض الخارج، والتهوين من القدرة على التغيير. وجاء الرد سريعا من الولايات المتحدة نفسها التي يروج الإسلاميون أنها تعارض إجراءات الخامس والعشرين من يوليو والثاني والعشرين من سبتمبر.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس في بيان صحافي نشرته السفارة الأميركية في تونس الثلاثاء “نهنئ تونس على تشكيل حكومة جديدة بقيادة رئيسة الحكومة نجلاء بودن رمضان”.

وأدت الحكومة الجديدة الاثنين اليمين الدستورية بعد نحو ثلاثة أشهر من الفراغ الحكومي منذ إعلان الرئيس سعيد تدابير استثنائية وتجميده البرلمان ومن ثم تعليقه العمل بمعظم مواد الدستور تمهيدا لإصلاحات سياسية.

وقال برايس “تعد الحكومة الجديدة خطوة مرحبا بها تخطوها تونس إلى الأمام نحو معالجة التحديات الاقتصادية والصحية والاجتماعية الكبيرة التي تواجه البلاد”.

وتابع المتحدث “نتطلع من جهتنا إلى تلقي المزيد من البلاغات عن إرساء مسار يشمل الجميع من أجل عودة سريعة إلى النظام الدستوري”.

والحديث عن عودة سريعة إلى النظام الدستوري ليس المقصود به بكل تأكيد العودة إلى البرلمان السابق وصراع الديكة الذي أساء إلى تونس وانتقالها السياسي، وإنما الخروج من المرحلة الاستثنائية وسرعة بناء مؤسسات جديدة من خلال انتخابات مبكرة.

ومن شأن تشكيل الحكومة أن يخفف عن الرئيس سعيّد أعباء المتابعة اليومية للملفات، ويتفرغ للقضايا السياسية، وخاصة سبل تغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي، وبناء حوار وطني حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وكيفية الخروج من عنق الزجاجة.

وبعد أشهر من الآن لن يقول الناس فقط إن حكومات ما قبل الخامس والعشرين من يوليو هي المسؤولة عن أزماتنا، بل سيسألون ماذا عملت الحكومة الجديدة لإخراجنا من الوضع الصعب. وعلى وزراء بودن أن يتجهزوا للإجابة عن هذا السؤال عبر وضع برامج واضحة والإسراع بتنفيذها.

وليست الحكومة محط أنظار التونسيين فقط، فهناك جهات دولية معنية بوجود حكومة في تونس لتتواصل معها، وتضبط سبل التعاون والمساعدة، وتراقب مدى قدرتها على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وفق خطة صندوق النقد الدولي من أجل تأمين دعمه هو وبقية الجهات الدولية المانحة.

ليس الوقت الآن للتنظير والشعارات القديمة بشأن مراجعة المنوال الاقتصادي.. هذا ترف ولا شك، والعاجل هو الإصلاحات وتحسين الخدمات المقدمة للناس، والتحكم في التضخم والضغط لأجل تراجع الأسعار. وبعد ذلك لكل حادث حديث.

وتتجمع مؤشرات كثيرة تظهر أن حكومة جديدة ليس من ضمن عناصرها مورطون في الفساد ولا تابعون للوبيات ومراكز نفوذ يمكن أن تقوم بمهمتها في ظروف مريحة، وتكسب دعم المنظمات الاجتماعية الكبرى، وخاصة منظمة أرباب العمل (اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية)، وكذلك اتحاد الشغل الذي فشل خصوم سعيد في استمالة قيادته إلى صفهم في الفترة الماضية بسبب غياب جهة تتفاوض مع الاتحاد حول القضايا الاجتماعية وسبل تنفيذ اتفاقيات سابقة.

وأعلن سامي الطاهري الأمين العام المساعد في اتحاد الشغل أن الاتحاد يرحب بإعلان حكومة جديدة ويدعو إلى حوار تشاركي ووضع سقف زمني للإجراءات الاستثنائية.

وهذا يعني أن اتحاد الشغل لن يكون في صف المعارضة بل مع الحكومة الجديدة، في علاقة تقوم على الحوار والنقاش، وإن كان الأمر يحتاج إلى دفعة قوية من الاتحاد بإعلان هدنة اجتماعية لثلاث سنوات من أجل أن تعطي البلاد فرصة لخروج حقيقي ودائم من الأزمات.

9