كلما زاد العسل

كلما زادت الحبة الزرقاء، نقصت أعباء التقاعد، وبقي الباقون في السلطة.
السبت 2019/11/16
حبة صغيرة بمضار كبيرة

كل ما أعرفه عن “الحبة الزرقاء” هو أنها لا تفعل فعلها الخارق فحسب، ولكنها تسبب أزمات قلبية، قاتلة أحيانا، وأحيانا العمى.

هذا مكتوب في قائمة التحذيرات أصلا. من ناحية لتبرئة شركة الإنتاج، ومن ناحية أخرى لكي يعرف المستهلك ما هو مُقدم عليه، فإذا مات، فلن يلومن حتى نفسه، لأنه لن يلحق على ذلك.

وظلت تلك الحبة سرا، في الاستهلاك “الرجولي” المزيف. وأرفقت بعض الدول السر بالمنع. فزاد الطلب، على اعتبار أن كل ممنوع مرغوب.

وظني أن حكومات المنع تعرف القاعدة إلا أنها لا تصرح بها، لكي لا يقل الطلب.

لا تزال الكثير من الأدوية والمضادات الحيوية ممنوعة من التداول في بريطانيا إلا بوصفة من الطبيب، بسبب مخاطرها أو أعراضها الجانبية. ولكن لفت انتباهي أن هذه الحبة، على الرغم من مخاطرها الجسيمة تباع الآن في بريطانيا من دون وصفة. وتستطيع أن تشتري منها ما تشاء، حتى تقضي عليك، وأنت “غارق في العسل”.

تساءلت: كيف يجوز لحكومة عاقلة أن تفعل ذلك؟ ولماذا “التمييز العنصري” ضد المضادات الحيوية، رغم أنها أقل ضررا؟ فلم أعثر إلا على تبريرين منطقيين.

الأول، إن استخدام الحبة يخفف من الاحتقانات الاجتماعية، وربما السياسية أيضا. وهو ما قد يعني بقاء حزب المحافظين في السلطة، حتى ولو كان على رأسه حمقى. كما يعني، أنك إذا ما رغبت، على سبيل المثال، أن تواجه احتمالات انفجار اجتماعي ضد سياساتك الضريبية، فربما يكون من المنطقي، قبل إصدار قرار برفع الضرائب، أن توزع تلك الحبوب مجانا.

أما التبرير الثاني، فهو أن موت عدد أكبر من الناس، وخاصة بين المتقاعدين، يساهم في تخفيف الأعباء عن صناديق التقاعد.

الأعمار تطول، “أكثر من اللازم”، في الغرب. ومن وجهة نظر صناديق التقاعد فهذه كارثة حقيقية. وتلجأ حكومات مثل ألمانيا إلى رفع سن التقاعد من 65 إلى 67 عاما، من أجل أن تخفف عنها العبء. إلا أن “الضحايا” غالبا ما سوف يعيشون عامين أكثر، ليكون الأمر بمثابة رد فعل “طبيعي” على هذا الإجراء التعسفي.

ولكن، بما أن الحكومات “العاقلة” يمكنها أن تتصرف كوغد حقيقي في الرد على الرد “الطبيعي”، فإنها تتيح الحبة الزرقاء من دون وصفة، بينما تنظر في معدلات الوفيات، وهي تمني النفس بالمعادلة التالية: كلما زاد العسل، نقصت أعباء التقاعد، وبقي الباقون في السلطة.

24
مقالات ذات صلة