كيف تأثرت الحياة في مصر بعد تخفيض البنك المركزي سعر الفائدة

الحكومة المصرية تستهدف في موازنة العام المالي 20 – 21 أن يصل العجز الكلي إلى 6.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
السبت 2020/10/17
إجراءات تطمح لتصحيح مسار الاقتصاد

تتباين ردود الأفعال بشأن قرارات البنك المركزي المصري الأخيرة، التي تم بموجبها تخفيض أسعار الفائدة على القروض والودائع بنسب غير متوقعة، حيث يرى خبراء أن هذا الإجراء أتى لتقليل عجز الموازنة في حين يرى آخرون أنه يهدف بالأساس إلى تخفيض أعباء خدمة الدين.

القاهرة - تختلف المقاربات الاقتصادية لخفض البنك المركزي للفائدة في مصر، حيث يشير الخبراء إلى جوانب مختلفة يمسها هذا الإجراء، بين سد فجوة الموازنة وتقليص أعباء خدمة الدين وتحفيز الاستثمار.

يرى محللون أن عملية التخفيض هدفها الرئيسي رفع كاهل الفائدة عن نير الحكومة التي تعد أكبر مستدين من البنوك، حيث أن كل 1 في المئة تخفيض في الفوائد يوفر مليارات من الدولارات على خزينة الدولة ويرفع نسبة سد عجز الموازنة.

والهدف الثاني قد يكون تحفيز الاستثمار بعد أن تكدست تريليونات من الجنيهات داخل القطاع البنكي ولا تجد من يستخدمها، وإن لم يحقق التخفيض الأخير ما تريده الحكومة، يمكن أن تكون هناك تخفيضات أخرى، وفي ذات الوقت استبعدوا رفع سعر الفائدة مجددا.

ويعتبر الاقتصاد المصري أحد الاقتصادات القليلة في المنطقة التي تمكنت من تحقيق نمو قدره 2 في المئة خلال الربع الأول من العام المالي 20 – 21 طبقا لتقدير العديد من الهيئات والوكالات الدولية؛ حيث توقع البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير أن يصل النمو في مصر إلى 3.3 في المئة في السنة المالية 2020 – 2021، كما توقع البنك ذاته أن ينتعش معدل النمو ليصل إلى خمسة في المئة في العام المالي القادم.

ونسبت سبوتنيك لخبيرة سوق المال المصري حنان رمسيس، قولها إنه “لتخفيض سعر الفائدة على الودائع والقروض في البنوك يجب أن نقسم المجتمع إلى فريقين، الفريق العائلي وهم أصحاب المدخرات في البنوك من الذين خرجوا على المعاش، تلك الفئة استطاع البنك المركزي الاستحواذ على رضاهم حتى لا تكون هناك موجة من السخط نتيجة الانخفاضات المتتالية، واستحدث لهم شهادة ذات معدل فائدة عال (15 في المئة) تحت اسم رد الجميل”.

حنان رمسيس: كل تخفيض في سعر الفائدة يوفر تريليونات من الدولارات
حنان رمسيس: كل تخفيض في سعر الفائدة يوفر تريليونات من الدولارات

وأضافت “أما باقي الفئات التي هي في سن العمل وتستطيع العطاء، أراد البنك المركزي تشجيعها على الاستثمار وترك مجال الادخار لأن المستهلك الوحيد للقروض من البنوك هي الدولة والتي قاربت على استكمال كل مشاريعها، وفي فترة من الفترات سوف تقوم البنوك بدفع فائدة على أموال موجودة لا تجد من يستثمرها، حتى أن البنك المركزي كان يعاني في فترة ماضية من ارتفاع الودائع بحجم مهول ولم يجد وسيلة لتوظيفها”.

وتابعت رمسيس “إن البنك المركزي أراد من خلال تخفيض سعر الفائدة تنشيط المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وأن يقوم بدمج الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي من أجل تشجيع التنمية، وقد رأينا أن البنك الدولي تحدث عن معدلات التنمية في مصر والتي ارتفعت إلى 3.5 في المئة بعدما كان مقدرا لها 2 في المئة وهو ما يعني ارتفاع معدلات التوظيف العالية وانخفاض معدلات البطالة”.

وخفض معدلات البطالة يأتي من تشجيع الشباب الذي يمتلك أي مهارات لفتح مشروعات خاصة، بحيث تقوم الدولة بعمل دراسة جدوى للمشروع وتقف بجانبه في عملية التسويق وعند تعثره في الدفع تعطيه مهلة، لأن الدولة في مصر رأت أن الدول ذات الكثافات السكانية العالية اتجهت إلى المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر كداعم لاقتصادها، مثل الصين والتي حولت مناطق سكنية إلى قطاعات إنتاج حرفية صغيرة حسب الموارد المتاحة في كل منطقة.

وأشارت خبيرة سوق المال إلى أن عملية تخفيض سعر الفائدة تقلل من عجز الموازنة للدولة، لأن كل 1 في المئة تخفيض في سعر الفائدة يوفر تريليونات من الدولارات، وهذا يدعم الموازنة ويجعل بها فائضا، كما أن تخفيض سعر الفائدة على القروض والودائع يعطي مصر فرصة لجدولة الديون الخارجية ويصبح الحمل قليلا على الموازنة العامة، كما يتيح التخفيض أيضا استكمال مشاريع البنية التحتية، كما يتيح للدولة استخدام القروض بفائدة قليلة ويتيح لها الاستثمار وفق طاقتها، ما يساعدها على تخفيض سعر المنتج.

وتوقعت خبيرة سوق المال أن تكون هناك عمليات تخفيض أخرى للفوائد في البنوك، مشيرة إلى أن عملية الارتفاع غير واردة في المدى القصير وتشجيع الاقتراض لتنشيط التنمية.

وتستهدف الحكومة المصرية في موازنة العام المالي 20 – 21 أن يصل العجز الكلي إلى 6.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبلغ تقديرات فوائد خدمة الدين العام المطلوب سدادها لنفس العام المالي حوالي 33 في المئة مـن إجمالي المصروفات في مشروع الموازنة.

من جانبه قال المحلل الاقتصادي المصري محمد نصر الحويطي إن “قرارات زيادة الفائدة في الغالب تكون مرتبطة بمستويات تضخم مرتفعة، فيتم رفع سعر الفائدة لتخفيض السيولة المتداولة في السوق، والطبيعي في معظم دول العالم أنه عندما تزيد نسبة السيولة تزيد عمليات الشراء مع ثبات المعروض من السلع فترتفع الأسعار ويحدث التضخم، وفي مصر عندما كان يتم رفع سعر الفائدة للتحكم في نسبة التضخم، في الحقيقة أن التضخم لدينا لم يكن ناتجا عن زيادة إنفاق المستهلكين وإنما ناتجا عن زيادة أسعار السلع”.

وتابع “عملاء البنوك في مصر سوف يظلون كما هم حتى لو وصلت الفائدة إلى الصفر، وكذلك بالنسبة للعقارات خوفا من المخاطرة، ولا يفضل هؤلاء أيّا من الأدوات الأخرى التي يسهل تحويلها إلى السيولة في زمن قياسي مثل الذهب والدولار، إذا، إيقاف شهادات العائد الأعلى لن يعزز من إقبال الناس على الإنفاق، وبالتالي لن يضبط معدلات التضخم كما يريد البنك المركزي”.

محمد نصر الحويطي: الدولة تسعى إلى تخفيض سعر الفائدة لتقليص أعباء خدمة الدين
محمد نصر الحويطي: الدولة تسعى إلى تخفيض سعر الفائدة لتقليص أعباء خدمة الدين

وأوضح الحويطي، أن “الأمر له علاقة أيضا بالديون الداخلية للدولة من البنوك، حيث تعد الدولة أكبر ‘مستدين’ والبنوك الحكومية هي أكبر ‘مقرض’، حيث ترى الدولة أن أعباء خدمة الدين أصبحت مرتفعة جدا، وبالتالي تسعى الدولة لتخفيض سعر الفائدة من أجل تخفيض أعباء خدمة الدين، وغالبا سيكون هناك قرار من البنك المركزي المصري خلال أيام بتخفيض سعر الفائدة بشكل عام تتراوح بين 1 و2 في المئة”.

وأردف “من الطبيعي أن هذا التخفيض سيكون له مردود إيجابي على الاستثمار، بأن يقوم المدخرون بسحب أموالهم من البنوك ويستثمرونها في السوق، ما يخلق حركة رواج في العقارات والاستثمار المباشر وغير المباشر على سبيل المثال، لكن الحقيقة أن تخفيض سعر الفائدة لن يجعل عملاء البنوك يسحبون أموالهم إلى السوق كنوع من الاحتياط”.

وكان البنك المركزي المصري أعلن الشهر الماضي عن تقليص أسعار الفائدة لتصبح 9.75 في المئة للإقراض، و8.75 في المئة للإيداع، لتصبح هذه هي المرة الثانية عشرة التي حرك فيها المركزي سعر الفائدة منذ تحرير سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر عام 2016.

ويرجع المركزي قرار تخفيض الفائدة إلى تراجع الضغوط التضخمية، حيث أن المعدل السنوي للتضخم انخفض ليسجل 3.4 في المئة في أغسطس من العام الجاري، وهو ثاني أقل معدل مسجل منذ ما يقرب من أربعة عشر عاما.

وطبقا للبنك المركزي المصري، فإن القطاع العائلي يستحوذ على 81.9 في المئة من إجمالي ودائع البنوك العاملة في السوق المصرية بنهاية شهر مارس 2020.

وأعلنت مصر منذ أيام عن ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي إلى 38.425 مليار دولار في نهاية سبتمبر الماضي قادما من مستوى 38.366 مليار دولار في نهاية أغسطس، وكان الاحتياطي المصري تجاوز خمسة وأربعين مليار دولار قبل تفشي وباء كورونا في مارس الماضي.

10