كيف تؤثر التفاعلات الداخلية على الدبلوماسية التونسية

في ظل "الحرب الباردة" القائمة بين قصر قرطاج والبرلمان يبدو أن الدبلوماسية لم تعد القوة الصامتة الوحيدة التي لطالما كانت محددة لنجاح تونس في علاقاتها الدولية.
الجمعة 2020/11/20
وجه الدبلوماسية الهادئة المغيب

اتسمت السياسة الخارجية التونسية طيلة عقود قبل انتفاضة يناير 2011 بالتوازن وكانت تعتمد على ثوابت بعيدة عن السجالات الأيديولوجية التي تطغى على المشهد في الوقت الحاضر. ومن الواضح أن تعليق الاتحاد الأفريقي مشاركة تونس في أي اجتماعات بسبب عدم سدادها لمساهمتها السنوية لهذا العام كان نتيجة طبيعية لساسة لم يفهموا حتى الآن حدود الأمن القومي والصراعات السياسية التي جعلت دبلوماسية البلاد في تراجع غير مسبوق.

تونس- تحقّق توقع وزير الخارجية الأسبق أحمد ونيّس حين أكد في أكتوبر الماضي أن الدبلوماسية التونسية ستتعرض إلى اضطرابات لدرجة أنه وصف ما يحدث اليوم بأنه “أسلوب مخيف ويبعث على الحيرة وطريقة تونس في السياسة الخارجية محيّرة وتضعف مصداقية الدولة أمام الخارج”.

وكان ونيّس يتحدث حينها عن طريقة إعفاء سفير تونس لدى منظمة الأمم المتحدة قيس القبطني، والذي لم يفهم حتى الآن لماذا تمت إقالته بذلك الأسلوب، وأيضا عن إعفاء وزير الخارجية السابق خميس الجهيناوي، والذي كان في إطار حسابات سياسية لأن فترة عمله مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي كانت مميزة منذ الإطاحة بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي، في حين أن السياسة الخارجية للدولة تحتاج إلى استقرار في منظومة عملها.

وشكل إعلان وزير الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، عثمان الجرندي، خلال جلسة استماع في البرلمان الأربعاء الماضي صدمة للمتابعين، حينما قال إن “الاتحاد الأفريقي سلّط عقوبة من الدّرجة الأولى على تونس، تتمثّل في حرمانها من أخذ الكلمة في اجتماعات المنظمة، لمدّة ستة أشهر، بسبب عدم سداد مساهمتها لعام 2020”.

ويبدو أن ما وصلت إليه تونس الآن من تشرذم في نشاط الدبلوماسية يعطي فكرة شاملة عن أن سياسة الرئيس قيس سعيّد منذ توليه منصبه في أواخر العام الماضي، بها قصور، وهو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول الغموض في تسيير هذا الجزء المهم والحيوي بالنسبة إلى البلاد الذي يعتبر قاطرة السياسة الخارجية لتونس.

اضطراب دبلوماسي

أحمد ونيس: دبلوماسية تونس محيّرة وتُضعف مصداقيتها في الخارج
أحمد ونيس: دبلوماسية تونس محيّرة وتُضعف مصداقيتها في الخارج

في ظل “الحرب الباردة” القائمة منذ أسابيع بين قصر قرطاج وبين المؤسسة التشريعية (البرلمان)، التي يرأسها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بشأن عدة ملفات مفصلية شائكة، يبدو واضحا أن الدبلوماسية لم تعد القوة الصامتة الوحيدة، التي لطالما كانت محددة لنجاح تونس في علاقاتها الدولية.

وحتى قبل أن يتولى الغنوشي منصب رئاسة البرلمان، مرت الدبلوماسية التونسية بنوع من التذبذب لكنها شهدت فترة نجاح في عهد الرئيس الراحل الباجي، حينما استطاعت سياسته اللعب على وتر التوازن الخارجي ومحاولة استعادة مكانة تونس في المجتمع الدولي من خلال إضفاء طابع الاستقرار على هذا الدور المحوري، لاسيما وأن الفترة التي سبقت العام 2014 كانت البلاد في حالة فراغ دبلوماسي بسبب الصراعات بين الأحزاب.

ورغم تباين الآراء حول مدى نجاح أو فشل السياسة الخارجية لتونس، إلا أن معظم المحللين يتفقون على أنها لم ترتق إلى المستوى المطلوب، لعدة عوامل أبرزها تدخل بعض الأحزاب الحاكمة في عمل وزارة الخارجية بشكل غير مباشر أحيانا، وأيضا المعضلة المالية التي قد تتسبب في خسارة موقع تونس ضمن المنظمات الإقليمية والدولية.

ولم ينقطع الجدل الدائر داخل الأوساط السياسية وحتى المراقبين لما يحدث طيلة السنوات العشر الماضية حول محددات السياسة الدبلوماسية لتونس وتوجهاتها وضوابطها واستراتيجياتها وخاصة من الذي يسمح له بالتدخل فيها والقيام بالفعل ضمن إطارها وتحريكها وفق ثواب ومواقف الدولة.

والمؤكد أن منبع هذا السجال السياسي، وربما حتى الاجتماعي، هو ظهور بعض المبادرات الحزبية خارج الإطار الرسمي، الذي تمثله بالأساس وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية ضمن ما يعرف بـ”الدبلوماسية الشعبية” المساندة للجهود الرسمية أو “الدبلوماسية البرلمانية”، التي حاول ترسيخها الغنوشي لدرجة أن الجهيناوي وصفها بكونها “بدعة”، حيث أن رئاسة الجمهورية، حسب رأيه، هي الوحيدة المخولة لرسم علاقات تونس مع العالم دون الاصطفاف مع أي محور مهما كان.

ورغم أن تقاليد الدبلوماسية الشعبية قديمة، حيث ظهرت لأول مرة مع الرئيس الرابع عشر للولايات المتحدة فرانكلين بيرس، ويشمل تبني سياسة القدوة الحسنة والصورة النمطية، والتعامل الجيد مع الشعوب، إلا أن التجربة الديمقراطية التونسية الناشئة لا يمكن لها أن ترسخ هذا المفهوم في غضون سنوات قليلة في المجتمع خاصة مع تراجع الوعي أصلا بما تعنيه الدبلوماسية بشكل عام.

رغم أن العالم اليوم يتجه بعمق نحو أفريقيا في ظل صراع محتدم بين القوى العظمى على كسب مناطق نفوذ وتموقع في القارة الغنية، لا تزال تونس تسير ببطء نحو تعزيز علاقاتها مع بلدان القارة

ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن النمط الجديد في تقاليد النشاط الدبلوماسي للبلاد يراه بعض الخبراء مستحدثا، حيث لم تعرف الدبلوماسية التونسية منذ الاستقلال في عام 1956 أي شكل آخر، فقد كانت بيد شخص واحد يتحكم فيها ألا وهو الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ثم انتقلت إلى بن علي.

وكان العرف الدبلوماسي التونسي لا يسمح لوزير الخارجية الممثل الرسمي المفترض للدبلوماسية بالحديث عن سياسة بلاده الخارجية إلا عندما ينطق باسم رئيس الجمهورية، وهو تفسير واضح لمدى حصر كافة السلطات في شخص الرئيس.

ومن هنا يمكن تفسير لماذا لم يفهم السياسيون التونسيون التفريق بين الفترتين وأن بروز الجدل والانتقاد للسياسة الخارجية للبلاد الآن نابع من عامل أساسي ألا وهو ظهور فاعلين جدد على الساحة ويقصد بهم الأحزاب السياسية، التي أرادت، عن قصد أو دونه، نظرا لقلة خبرتها السياسية والدبلوماسية، أن تساعد جهود الدولة في سياستها الخارجية، وهو ما أدى إلى نتائج عكسية.

لا بوادر جدّية للإصلاح

عثمان الجرندي: الاتحاد الأفريقي سلّط عقوبة من الدّرجة الأولى على تونس
عثمان الجرندي: الاتحاد الأفريقي سلّط عقوبة من الدّرجة الأولى على تونس

يسود اعتقاد بأن الصراعات الحزبية والسياسية وكذلك الضغوط المسلطة على الحكومة بالنظر إلى طريقة تعاملها مع الأزمة الاقتصادية، والتي لم تتوقف حتى مع فترة انتشار مرض كورونا، هي ما أدت إلى فقدان تونس لتموضعها ضمن الاتحاد الأفريقي، وهذا يبدو مؤشرا كبيرا على أن صناع القرار السياسي لا يزالون “مراهقين” سياسيا.

ولا تلوح في الأفق بوادر جدية لإصلاح أسلوب السياسة الخارجية، فالعام الأول لتولي قيس سعيّد الرئاسة، والذي يقود الدبلوماسية التونسية، إلى جانب الدفاع، وفقا لدستور عام 2014، لم يملس المتابعون حتى اليوم أي ملامح على أنه سيعزز عامل الدفع التونسي نحو محيطها الإقليمي والأفريقي والمتوسطي والدولي حتى تحقق مكاسب على كافة الأصعدة.

وقد قاد هذا الأمر بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد مع شح التمويل ونقص في الاحتياطات النقدية، إلى وصول وزارة الخارجية إلى ما وصلت إليه اليوم، فالصراعات بين الحكومة والبرلمان بسبب عدم وفرة السيولة المالية جعلت تونس تدخل في نفق مظلم لا يعرف أحد نهايته، ولذلك كان تبرير الجرندي بأن وزارة الخارجية خصصت 6 ملايين دولار لسداد ديون قديمة عن مساهماتها للاتحاد الأفريقي وقد عجزت عن توفير مبلغ مساهمتها لهذا العام.

منذ تولي قيس سعيد الرئاسة ظهرت علامات القصور في السياسة الخارجية لتونس امتزجت بالكثير من الغموض

واللافت أن خفوت بريق السياسة الخارجية تؤثر فيه عدة عوامل أخرى إلى جانب ما يحدث في الداخل، فتونس لم تتحرك بالشكل المطلوب في الأزمة الليبية، رغم أنها تولت تنظيم اجتماعات للفرقاء الليبيين في العديد من المرات، كما أنها لم تتمكن من الخروج من عباءة “الشريك التقليدي”، والمقصود هنا الاتحاد الأوروبي وتحديدا فرنسا وظلت في علاقات وطيدة مع تركيا وقطر رغم أن ثمة تيارا يرفض هذا المنحى بسبب تدخل هذين البلدين في شؤون الدول وخاصة ما يعرف بـ”الربيع العربي”.

ورغم أن العالم اليوم يتجه بعمق نحو أفريقيا في ظل صراع محتدم بين القوى العظمى على كسب مناطق نفوذ وتموقع في القارة الغنية، لا تزال تونس تسير ببطء نحو تعزيز علاقاتها مع بلدان القارة، وحتى الآن لم تتبع “دبلوماسية السفارات” حيث أن لتونس قرابة 12 سفارة مع عدة قنصليات وهذا بعد إضافي حول تراجع الدبلوماسية التونسية في الخارج.

6