كيف ذهب محمد عبدالوهاب بموسيقاه إلى الخلود

اللحن الذي يؤلفه الموسيقيون معاناة أو لا يكون.
الأحد 2021/01/24
محمد عبدالوهاب أدخل آلات جديدة ونفسا عالميا للموسيقى العربية

طالما كانت حركة التطوير والتجديد في مجال الإبداع مطلوبة وحتمية، فالفن لا يكون إذا استكان، والقواعد الفنية خلقت لتكسر كما يقول منظرو الفن الحديث. من هنا كانت لأهمية حركة التطوير الموسيقية العربية مكانة كبرى في تاريخها. وعبر حياة الموسيقى العربية على مدى آلاف السنين تطورت شكلا وموضوعا متأثرة بمحيطها ومؤثرة فيه. وكان أحد أهم من قدموا جهدا قيما في موضوعة التطوير الموسيقي الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي بنى مشروعه على روح طامحة إلى التغير وبناء فكر نقدي فعال يعرف كيف يرسم ملامح المستقبل. هذه إطلالة عمّا قدمه محمد عبدالوهاب في سياقه التاريخي ضمن عملية التطوير الموسيقي العربي.

 يطلق الموسيقار الكبير رياض السنباطي، وهو أحد أركان الموسيقى العربية في العصر الحديث، موقفا واضحا وحاسما من فكرة التجديد في الموسيقى العربية وموقع الشيخ سيد درويش في ذلك فيقول «وحده سيّد درويش من يستحق لقب موسيقار. جميعنا نعمل في الفناء الذي شيّده، من دون أن يتمكّن أحد منّا من إضافة لبنة واحدة إليه».

وما قاله الموسيقار السنباطي قاله لاحقا محمد عبدالوهاب ومحمد القصبجي والرحابنة وآخرون، فما قدمه سيد درويش في التجديد الموسيقي العربي يحتم الوقوف عنده بالكثير من الدراسة والعناية، لكونه عرف كيف يقوم بالحراك الموسيقي التجديدي والتطويري بروح شرقية مستفيدا من الموسيقى الغربية. فقدم في الموسيقى الشرقية صنوفا جديدة حملت روح الشرق وشكل الغرب، وكان متأثرا بالموسيقى العالمية وأشكالها وفنونها، وهذا ما دفع البعض إلى القول إنه قام بترجمة الموسيقى العالمية إلى العربية.

تأثر بالموسيقار سيد درويش كل الموسيقيين المصريين والعرب الذين جاؤوا من بعده، وظهر ذلك جليا في مسيرة الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي قدم الكثير من التجديدات الموسيقية التي تقاطعت أو تقاربت مع ما كان أستاذه سيد درويش قد عمل عليه.

روح التجديد

من الواضح أن روح التجديد كانت طاغية عند عبدالوهاب والرغبة في تقديم الجديد الموسيقي كانت هدفه الذي يسعى إليه بدأب، فهو في الملف الصحافي لفيلم “يحيا الحب” حول ضرورة التجديد الموسيقي يكتب “نشأ للتجديد الموسيقي أعداء كما ظهر له أصدقاء فالأعداء يرون اقتصار الموسيقى المصرية في حدودها وداخل دائرتها التقليدية التي عرفت من قديم والأصدقاء لا يستسيغون طعما لهذه الموسيقى ولا يطلبون إلا هدم القديم وبناء الجديد ولو على غير أساس”.

وأضاف “التجديد مطلوب إذ لا يمحو الطابع بل على العكس يستند بأمتن الأسس عليه، لذا أعمل على هذا وكونت فكرتي التي أسير عليها ولا أترك وسيلة في سبيل إظهار هذه الفكرة إلا طرقتها وعندي أن السينما هي الإطار المناسب الذي يصح أن نبرز فيه أي صورة فنية”.

هذه الرغبة الجامحة في تقديم الجديد في الموسيقى كانت مبنية على فهم وثيق لحال الموسيقى العربية ومعرفة مكامن القوة والضعف فيها وبالتالي امتلاك نظرية نقدية جريئة تجاهها، لا بد من المسير على نهجها للوصول إلى الموسيقى العربية المتطورة التي يرومها الجميع.

عبدالوهاب لا ينكر تأثره في مسيرته بالموسيقار سيد درويش ككل الموسيقيين المصريين والعرب الذين جاؤوا بعده

وهذا ما يتجلى بوضوح في ما كتبه في الملف الإعلامي لفيلم “الوردة البيضاء” الذي ظهر عام 1934 وفيه يكتب “من يوم أن اعتليت التخت، ملكتني أمنية وهبت لها عزمي وترقبت لها كل فرصة وجعلتها أملا لي في الحياة، لا أبذل جهدا إلا في سبيلها، ولا أضحي بعزيز إلا من أجلها، وهذه الأمنية تنحصر في أمرين: عدم وجود الوحدة الموسيقية في الألحان، وهذا عيب التزم به رجال الموسيقى إلى عهد غير بعيد. فقد كان التلحين الغنائي يشبه في تكوينه الشعر العربي. فإذا قرأنا قصيدة وجدنا كل بيت فيها قويا في ذاته متينا في تركيبه له معنى خاص يجعله مستقلا عن غيره.

أما أن يكون اللحن على ألوان متعددة غير متآلفة بحيث يمكننا أن نقنع منه بلون على أنه شيء حسن مستقل كما نعجب بالبيت في القصيدة ونقنع به بحيث يمكننا أن نستشهد به دون غيره لاستقلاله في أداء المعنى، فهو ما كرهته للموسيقى المصرية لأنه يسهل السبيل لاتهامها بالعجز. وكما يعاني القصصيون انسجام حوادث القصة وحبك عقدتها وإعطاءها المواقف المختلفة والظروف المفاجئة حتى ينتهي إلى الخاتمة المنتظرة أو غير المنتظرة. أردت أن نعاني نحن الموسيقيين في اللحن الغنائي – مثل هذا العناء – ولا نكتفي بجعله شطرات موسيقية كقصة استعراضية”.

وتابع “الأمر الثاني إيجاد الأغاني الاجتماعية وقد وفقت في إيجادها إلى حد ما ولا أستطيع أن أدعي إتمام هذه الرسالة فهي ما برحت في مهدها محتاجة إلى جولات طيبة. وأقول إلى حدّ ما لأنه من الصعب أن أقدم أغاني اجتماعية في حفلات عامة ساهرة قوامها التخت وعاداته المقيدة، لأن التخت له جوّه الخاص فلا يمكن أن تصدر منه غير الألحان العاطفية المتصلة بالشعور، لأن جمهوره لم يحضر إلا لإشباع هذه الرغبة، فإن لم يهدئ التخت أفكاره ويعالج شعوره لم يكن تختا موفقا يستحق تقديره. أجل لقد استطعت أن أخضع موسيقى التخت للوصف في قطعتي البلبل وفي الليل لأمير الشعراء وأستطيع أن أقطع آخر مرحلة من هذا الطريق كلما قدم لي شعر من هذا النوع”.

التجديد والانفتاح

الرقيم الأوغاريتي أقدم نوتة موسيقية في العالم
الرقيم الأوغاريتي أقدم نوتة موسيقية في العالم

في جانب آخر يظهر جليا تأثر الموسيقار محمد عبدالوهاب بالموسيقى العالمية ومواكبته للجديد فيها بعد اطلاعه على آفاقها وأشكالها والتمعن في ما تقدمه، فعند شيوع إيقاع الرومبا في العالم في ثلاثينات القرن العشرين، قدم أغنيته الشهيرة “جفنه علّم الغزل” من شعر الأخطل الصغير بشارة الخوري.

وكتب عن التجربة “لحنتها في برلين، أيامها كانت الموضة موسيقى الرومبا، قررت أن ألحن قصيدة بشارة الخوري مستخدما هذه الآلة ماراكاس. كانت الفرقة الموسيقية قد عادت ما عدا محمد عبده صالح وجميل عويس وعازف الرق. إنها أغنيتي الوحيدة من غير عود، وذهبت إلى محمد كريم في باريس وطلبت منه إضافة الأغنية، قال أين الفرقة الموسيقية، قلت له عندك الأسطوانة وكانت هذه أول مرة تستخدم فيها الطريقة التي أصبحت معروفة باسم البلاي باك وهناك لوحة في استديو كلير تذكر ذلك”.

 ومن الإسهامات التجديدية الهامة والمنهجية التي قدمها الموسيقار محمد عبدالوهاب في الموسيقى مجموعة من الإبداعات. منها تقديمه شكلا موسيقيا كلاسيكيا جديدا في شكل القصيدة العربية المغناة، التي لا تعتمد على الإعادات بل تكون مسترسلة في أبياتها ومعانيها، كما في “النهر الخالد” و”الجندول” و”الكرنك” وتخلص من الأداء الصوتي المبالغ فيه والمعتمد على الزركشات الصوتية غير الموظفة.

 وقدم الفنان جهودا كبيرة في السينما، فلحن من خلالها أغاني سينمائية قصيرة سببت رواجا كبيرا للغناء الكلاسيكي العربي الجديد، وقدم موسيقى آلية من دون غناء تعتمد على الهارموني كما قدم أغاني عربية قابلة للتوزيع الهارموني، منها عاشق الروح، وكان أول من قدم مقدمات موسيقية طويلة قبل دخول الغناء وكانت البداية بأغنية “أنت عمري” للسيدة أم كلثوم كما قام بالتلحين على إيقاعات أجنبية كما في قصيدة جفنه علم الغزل التي استخدم فيها إيقاع الرومبا، الذي كان سائدا في أوروبا حينها.

 كما يسجل له أنه استخدم آلات موسيقية أجنبية في العديد من الألحان منها القيثارة الكهربائية في “أنت عمري” والماندولين في أغنية “عاشق الروح” والأوبوا في أوبريت “مجنون ليلى”. والآلات النحاسية في الأناشيد الوطنية، كما في “أصبح عندي الآن بندقية” و”الوطن الأكبر”.

تراث عريق

سيد درويش موسيقار عرف كيف يقوم بالحراك الموسيقي التجديدي والتطويري بروح شرقية مستفيدا من الموسيقى الغربية
سيد درويش موسيقار عرف كيف يقوم بالحراك الموسيقي التجديدي والتطويري بروح شرقية مستفيدا من الموسيقى الغربية

ما قدمه رواد حركة التجديد في الموسيقى العربية الحديثة يتآلف مع ما كان قدمه قبلهم موسيقيون عرب عبر تاريخ الموسيقى العربية، التي ثبت أنها موجودة منذ آلاف السنين. فعبر التاريخ لم تقف حركة التطور في الموسيقى العربية، وهي التي كانت إحدى مقومات الحياة والحضارات القديمة التي وجدت في العالم العربي.

 وتؤكد العديد من المكتشفات الأثرية على وجود الموسيقى في مصر الفرعونية والعراق والشام. وقد وجدت أول نوتة موسيقية في حضارة أوغاريت التي ترقى إلى 1300 عام قبل الميلاد. وهو الرقيم الأوغاريتي المعروف باسم “h6” الذي تم اكتشافه عام 1952 والذي بحث فيه لاحقا الفيزيائي والباحث اللغوي والموسيقي السوري راؤول فيتالي واستطاع فك رموزه اللغوية والإشارات التي كان يحتويها بالتعاون مع الموسيقي زياد عجان، واكتشفا معا أن الرقيم هو ابتهال ديني باللغة الحورية والأوغاريتية وقدم اللحن لأول مرة عام 1979 بمناسبة مرور خمسين عاما على بداية التنقيب في أوغاريت.

 وتطورت الموسيقى العربية باستمرار مع التغيرات المرافقة في حياة الناس. وشهد تطورها مراحل توهج فيها ومراحل أخرى قل تأثيره. ففي مرحلة العصر الجاهلي والإسلامي كان التطور بسيطا لكنه في العصر العباسي ارتقى بشكل كبير على يدي الموسيقي إبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق الذي وضع نظريات في العلوم الموسيقية تتعلق بالأوزان والمقامات.

 وعن طريقه وصلت العلوم الموسيقية المتطورة إلى الأندلس على يدي تلميذه علي بن نافع الملقب بزرياب الذي حقق تطورا هاما في آلة العود حيث أضاف إليها وترا خامسا واستخدم ريشة النسر في العزف عليها. كما قدم العالم الكندي جهدا تطوير الموسيقى العربية وترجم عن اليونانية مبادئ الموسيقى ثم جاء الفارابي الذي قدم تحسينات كبيرة في الموسيقى العربية وحدد اثنتي عشرة نغمة موسيقية يعمل عليها.

وفي العصر العربي الحديث انطلقت الموسيقى على مسارات متفاوتة في الأهمية فظهرت طاقات فنية كبرى قدمت تجديدات موسيقية كبرى تقدمت بها أشواطا إلى الأمام، ولعل محمد عبدالوهاب أبرز المجددين الكبار للموسيقى العربية، حيث فتح لها نوافذ جديدة على العالمية، كما قدم لها مسالك جديدة في اللحن والعزف والأداء على حدّ سواء، فذهب بموسيقاه إلى الخلود.

15