لا خيارات أمام بايدن إلا سلام ترامب مع طالبان

منهج الديمقراطيين في احتواء المعتدلين لمواجهة المتشددين يعزز صمود الاتفاق.
الاثنين 2020/12/28
لا يمكن تقويض ما حققته إدارة ترامب في أفغانستان

مع بدء العد التنازلي لدخول الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن رسميا إلى البيت الأبيض، تتزايد التساؤلات بشأن الخيارات التي يملكها الديمقراطيون في التعامل مع الملفات التي تنتظرهم. ومن بين هذه الملفات استكمال تنفيذ الاتفاق مع حركة طالبان الأفغانية وتنفيذ الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من أفغانستان، حيث تشير الوقائع الموجودة إلى أنه لا يمكن لبايدن أن يحقق نتيجة أفضل من تلك التي حققها سلفه ترامب من خلال إبرام اتفاق مع طالبان، غير أن عليه الضغط من أجل الحيلولة دون هيمنة الحركة الأفغانية على السلطة وتهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في البلد الآسيوي والعمل على صمود الاتفاق مع هذه الحركة.

لا يرتبط الحديث بشأن مصير اتفاق السلام الذي وقعته واشنطن مع حركة طالبان الأفغانية بعد استلام الديمقراطيين السلطة في واشنطن، بما إذا كان الرئيس الجديد جو بايدن سوف يلتزم بالاتفاقية الموقعة في عهد سلفه دونالد ترامب أم لا، إنما بمدى قدرته على الخروج بنتائج أفضل.

لم ينفرد الرئيس ترامب برغبة الخروج من واحدة من أطول الحروب في التاريخ العسكري الأميركي، والمبنية على مطالبة كبيرة بالانسحاب من المستنقع الأفغاني، لأن بايدن نفسه كان قد عارض قرار الرئيس باراك أوباما زيادة عدد القوات في أفغانستان، مفضلا الانسحاب المبكر من الحرب ولديه سجل في معارضة الوجود الأميركي في أفغانستان.

ومرجح ألا يختلف بايدن عن ترامب بشأن الإطار العام للاتفاقية ومبدأ سحب القوات الأميركية بحلول منتصف العام المقبل، أما الاختلاف سوف يظهر مع حرصه على امتلاك أوراق ضغط على طالبان تحرمها من مخططات الهيمنة على السلطة، وتهميش الحكومة المحلية.

مطالبة البعض للرئيس المنتخب بالتحرك في الملف الأفغاني بنهج مختلف تماما قد تضر بالولايات المتحدة مع إتاحتها الفرصة أمام الجماعات الإرهابية لترميم صفوفها والعودة أكثر قوة، ولذلك لن تلقى الاستجابة المطلوبة بالنظر إلى أن أي حديث عن انتصار عسكري في أفغانستان صار ضربا من الخيال نتيجة المتغيرات على الساحة، وما دام تحقيق النصر الكامل غير ممكن، فلا أقل من تحقيق سلام ممكن مع الإمساك بخيوط بالداخل الأفغاني تمكن واشنطن من حماية مصالحها وحلفائها.

وتستطيع الإدارة الديمقراطية المنتخبة التعامل بشكل مرن من جهة وأسلوب أكثر صرامة مع طالبان من جهة أخرى، وفقا لمصالح الأميركيين وحلفائهم بما يحقق نتائج لها انعكاسات أفضل لواشنطن، بدلا من الخيارات الصفرية ذات النتائج غير المضمونة.

ويدفع ذلك لربط الانسحاب التدريجي المستقبلي بسلوك طالبان، بشأن أسلوب تعاطيها مع الفرقاء المحليين أو مدى التزامها بجملة من المحددات العامة المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، على أن تقترن المساعدات الأميركية والغربية الاقتصادية والعسكرية لأي حكومة أفغانية تشارك فيها حركة طالبان بالتزامات الأخيرة وتعهداتها طويلة الأجل.

ولا توجد فرصة أمام إدارة بايدن لتجاوز ما مضت فيه إدارة ترامب حيال الملف الأفغاني، فالبديل هو الحلول العسكرية الخالصة التي كبدت الولايات المتحدة خسائر باهظة، وإذا كانت هناك إرادة في إحداث تغيير فالمنطقي أن يحدث في اتجاه تصحيح بعض أخطاء إدارة ترامب، وهو ما سيكون مؤثرا عندما يبدي بايدن حزما أكبر حيال طالبان التي تعاملت منذ توقيع الاتفاقية بمنطق المنتصر على قوة عظمى أخرى في أفغانستان.

القاعدة لمواجهة داعش

تكمن الفرص في البناء على ما تحقق شريطة تعديل سلوك طالبان عبر استخدام كل الأوراق الممكنة، ما يحقق التوازن بين تطلعات الداخل الأميركي، حيث كان توقيع اتفاقية الانسحاب في فبراير الماضي استجابة لمزاج أميركي عام ضد التدخل العسكري في الخارج، وتحقيق المتاح من المصالح الأميركية في أفغانستان.

وتغافلت الانتقادات العلنية للولايات المتحدة من قبل شخصيات دولية وازنة، مثل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، الناتو، ينس ستولتنبرغ، على خلفية مزاعم تسبب الانسحاب الأميركي في ازدياد نفوذ الإرهابيين، عن جملة من الاعتبارات التي طرأت في أسلوب تعامل واشنطن مع تنظيم القاعدة أو المستجدات التي طرأت على الحالة الجهادية وبروز تهديدات جديدة كتنظيم داعش الذي يجبر قوى دولية على تنويع وسائلها بين الاحتواء والتحييد والحزم.

ولن يكون صعبا على الإدارة الديمقراطية استكمال هذا النهج الذي اتبعته إدارة ترامب، لأن الديمقراطيين هم أصحاب توجه احتواء الإسلاميين تحت مبرر تحييد ودعم الأقل تشددا لمواجهة الأكثر تشددا، وهي المعادلة الماثلة الآن في أفغانستان.

الأكثر نجاعة أمام الديمقراطيين هو اللعب على الصراعات بين طالبان والقاعدة من جهة وداعش من جهة أخرى في أفغانستان

وتحولت الحالة الجهادية لثنائيات مركبة ما يستدعي لتعاط يعتمد على المناورة والتحييد والشد والإرخاء، وفي الحالة الأفغانية جرى تبادل أدوار ومناهج بين القاعدة وداعش، فخطة استهداف العدو البعيد وضرب المصالح الأميركية والغربية عموما صار يتبناها فرع تنظيم الدولة “ولاية خراسان”، فيما يعمم تنظيم القاعدة على فروعه الجهاد على أساس محلي أو وطني ضد جيوش وحكومات المنطقة.

ما طرأ على استراتيجية مكافحة الولايات المتحدة للإرهاب في أفغانستان مرتبط بما تتوخى واشنطن تحقيقه من اتفاقية السلام، لأن أولوية الولايات المتحدة مجابهة وتقويض الإرهاب العابر للحدود والقارات، في أفغانستان أو غيرها، هو الآن امتياز داعشي وليس قاعديا، علاوة على الحيلولة دون منح الجماعات المتطرفة ثاني أكبر حافز دعائي في تاريخها بعد الانتصار على السوفييت بادعاء الانتصار على الولايات المتحدة، وهي مهام شاقة وشائكة بكل المقاييس.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف لن يكفي وجود موسع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بأفغانستان، في الوقت الذي يجري فيه سحب قوات عسكرية أخرى، فضلا عن تمركز وحدات في دول مجاورة قادرة على شن هجمات عبر الحدود باستخدام الطائرات المسيرة، بجانب وحدات من القوات الخاصة، ولن يكون كافيا قنص رموز القاعدة المتشددين الذين لا يزالون يعتنقون فكرة الجهاد العالمي.

وسيكون الأكثر نجاعة أمام الديمقراطيين في هذا السياق اللعب على المتناقضات والصراعات بين طالبان والقاعدة من جهة وداعش من جهة أخرى في الساحة الأفغانية.

وتراوغ طالبان بشأن حقيقة موقفها من تنظيم القاعدة وتحجم عن التنديد به، بعد أن تعهدت بعدم دعمه وعدم السماح لأي جهة باستخدام أفغانستان لاستهداف المصالح الأميركية، فضلا عن وجود انقسامات داخل طالبان والقاعدة، حيث يذهب الأكثر تشددا داخلهما للتعاطي مع الأوضاع باعتبارها نصرا مؤزرا للجهاديين على الولايات المتحدة وعليها الإقرار بالهزيمة دون شروط، علاوة على مزايدات داعش الذي يسعى لفرض نفسه بديلا عن طالبان وتنظيم القاعدة المتخاذلين.

التعامل بمرونة ظاهرة

الفرق الذي يمكن أن تصنعه إدارة بايدن لتحقيق الحد المقبول من المصلحة الأميركية للتمايز عن الإدارة السابقة يتمثل في إثبات أن انسحاب واشنطن من أفغانستان فعلي دون التخلي عنها أو تركها فريسة لطالبان
الفرق الذي يمكن أن تصنعه إدارة بايدن لتحقيق الحد المقبول من المصلحة الأميركية للتمايز عن الإدارة السابقة يتمثل في إثبات أن انسحاب واشنطن من أفغانستان فعلي دون التخلي عنها أو تركها فريسة لطالبان

في ضوء ذلك صار من الأنسب أمام بايدن اختراق هذه الحالة والتعامل بمرونة ظاهرة، تستخدم جانبا من الحالة الجهادية الأفغانية ضد جانبها الآخر، لأن أعضاء القاعدة غير المعروفين تغلغلوا في نسيج المجتمع الأفغاني، وارتبطوا مع أعضاء طالبان بعلاقات مصاهرة ونسب، مع تعظيم أدوار وحضور الفرقاء المحليين بما لا يسمح لطالبان أو القاعدة ترسيخ نفوذهما كقوة رئيسية في البلاد.

ولا تواكب التصورات القديمة حيال القاعدة ما طرأ من متغيرات استجابت لها واشنطن وتعاطت مع تفاصيلها بالإجراء المناسب لكل حالة؛ فالولايات المتحدة تستمر في استخدام وسائلها الخاصة لاستهداف كبار نشطاء القاعدة المروجين للجهاد العالمي، حتى من تبقى منهم في أفغانستان.

وعلى الرغم من تضاؤل احتمالات أن يشن تنظيم القاعدة هجمات تستهدف الولايات المتحدة، من قبل الكامنين في أفغانستان أو من فرع التنظيم في شبه القارة الهندية، حتى دون ضغوط مكافحة الإرهاب بالنظر إلى أنها أضحت فلسفة عامة للتنظيم لدرجة تبنيها من قبل قادة التنظيم المركزي ذاته بهدف عدم استفزاز الولايات المتحدة، فترد بضربات أقوى، فإن واشنطن لا تتوانى في القضاء على أي رمز بالقاعدة يسبب لها مجرد حرج دعائي.

واستبقت واشنطن دعاية بعض قادة القاعدة المتشددين بتصوير الاتفاقية مع طالبان والانسحاب كهزيمة مذلة لها، وقتلت مؤخرا المسؤول الإعلامي بالقاعدة المركزي وذراع أيمن الظواهري اليمني في أفغانستان أبومحسن المصري (حسام عبدالرؤوف)، ما يعكس حقيقة أن إدارة بايدن تستلم ملفا مدروسا من مختلف أبعاده من جانب الأجهزة الاستخباراتية، ويتم التعاطي مع تفصيلاته بدقة وحسابات لا يصح خلطها سياسيا أو الانقلاب عليها.

وصارت الأمور أكثر وضوحا أمام إدارة جو بايدن بشأن ملف أفغانستان والاتفاقية مع طالبان، وانسحاب القوات بالمقارنة مع ملفات أخرى؛ لأن الاهتمام ينصب على تنظيم الدولة الذي يسعى لتأسيس مناطق هيمنة تمكنه على المدى القريب من امتلاك القدرة على التخطيط لهجمات خارجية.

مهمة إدارة بايدن في ما يتعلق بالقاعدة لتنجز ما لم تنجزه إدارة ترامب تبدو مختلفة عنها، فهي لن تكتفي بالضغط المستمر بواسطة الطائرات دون طيار لاستهداف الرموز المتمردة والمشاغبة بالقاعدة والحرص على استثمار الاتفاقية لإلزام طالبان بآليات رسمية وشفافة لإدارة المقاتلين الأجانب بمن فيهم عناصر القاعدة بهدف تنظيم سلوكهم، إنما سوف تمتد بتصورات الحكم المحلي بغرض ترشيد أفكارهم وممارساتهم التقليدية القديمة الخاصة بتطبيق الشريعة والتعامل مع المرأة والمختلفين في العقيدة والفكر والمذهب.

أوراق ضغط بايدن

أي انسحاب إضافي للقوات الأميركية تنفذه الإدارة الجديدة دون اتخاذ مواقف أكثر تشددا وحزما مع طالبان سيكون له تأثير هائل على الأرض، لذلك تشبثت الحكومة الأفغانية بآمال ما قد سيطرأ بعد تولي بايدن المسؤولية، فيمَا سارعت طالبان بمطالبة الرئيس المنتخب بالالتزام بتطبيق الاتفاقية.

ولا تطالب طالبان جو بايدن بالالتزام ببنود الاتفاق، حيث تدرك أنه من الصعب انقلاب الإدارة الأميركية الجديدة عليها، إنما تطمع في أن يسير بايدن على نفس خط ترامب الذي رجح بمواقفه كفة طالبان على كفة الحكومة المحلية والرئيس أشرف غني.

إدارة بايدن في يدها تلافي استغلال الاتفاقية، سواء من قبل طالبان أو القاعدة، كدعاية جهادية تحت عنوان إحراز نصر تاريخي على الولايات المتحدة، علاوة على أن ذلك سيسجل كدلالة على الاختلاف بين الإدارتين الجمهورية والديمقراطية بخصوص هذا الملف، إذا نجح بايدن في حرمان طالبان من تحقيق مخططها وهدفها النهائي من الاتفاقية وهو انتظار مغادرة القوات الأميركية بالكامل للسيطرة على الحكم كليا في أفغانستان.

الأمور صارت أكثر وضوحا بشأن ملف أفغانستان لأن الاهتمام ينصب على داعش الذي يسعى لتأسيس مناطق هيمنة هناك

ولن يكون من قبيل الإخلال بالاتفاق ولن يُحسب كتعديل في أي بند من بنوده إذا عاكس بايدن صنيع ترامب الذي همش الحكومة الأفغانية، من خلال اللعب بأوراق داخلية من شأنها إحداث توازن بين الأطراف الأفغانية، لأن طالبان قد راهنت منذ توقيع الاتفاقية على طمأنة الأميركيين بعدم استهداف قواتهم والتركيز على القوات الأفغانية المحلية، ما يعني الانفراد خلال أشهر بطرف ضعيف محاصر لا خيارات عسكرية وسياسية كثيرة أمامه.

كما أن استراتيجية طالبان ليست معقدة، فهي تستغل حرص الأميركيين على الانسحاب وتمضي في الاتجاه الذي يوصلها للتفاوض من موقع قوة مع كابول، بعد مغادرة الولايات المتحدة وحلفائها، ومن الممكن تعقيد هذا المسار دون اللجوء لمعادلة صفرية من خلال تقوية موقف الحكومة الأفغانية، ليس من خلال دعم عسكري مباشر على الأرض، إنما بالضغط بأوراق حقوق الإنسان والحريات وحقوق المرأة التي يبرع الديمقراطيون في توظيفها، ورهن المساعدات بمدى الالتزام بالتوافق الوطني والشراكة مع الفرقاء المحليين والوفاء بتعهدات ترشيد الأفكار والممارسات.

تستطيع طالبان أن تزعم أنها حققت نجاحا، ويمكن لتنظيم القاعدة أن يدعي أنه أحرز نصرا، وبعد ثلاث أو أربع سنوات فقط سوف يمتلكان نصيب الأسد من حكم أفغانستان، إذا بنت إدارة بايدن حرفيا على نهج ترامب وإدارته، الذي لم يتنبه لتوظيف ملفي المرأة وحقوق الإنسان، وتهميش الرئيس الأفغاني، عندما مكن ترامب طالبان من الهيمنة على طاولة المفاوضات كممثل أوحد عن الطرف الأفغاني دون شريك داخلي.

ويكمن الفرق الذي يمكن أن تصنعه إدارة بايدن لتحقيق الحد المقبول من المصلحة الأميركية للتمايز عن الإدارة السابقة، في إثبات أن واشنطن انسحابها فعلي دون التخلى عن أفغانستان أو تركها فريسة لطالبان.

ولدى الحكومة الأفغانية ما يدفع لتعظيم دورها واستغلالها كورقة ضغط؛ ففضلا عن صمودها الميداني والعسكري وإحرازها انتصارات على الأرض، وآخرها تمكنها من قتل تسعين مسلحا على الأقل من طالبان بإقليم قندهار جنوب أفغانستان، فإن الإدارة الأميركية تعتبرها دوما حليفا لها وممثلا عنها بالبلاد.

7