لا شيء ينبئ بانفراجة في محادثات الأمم المتحدة بشأن قبرص

الأمين العام للأمم المتحدة لا يتوقع حصول انفراجة في قضية قبرص المقسمة لكنه يعوّل على الحفاظ على ما يكفي من الدبلوماسية لمنع اندلاع تصادم بين طرفي الأزمة.
الأحد 2021/09/26
الحل والربط بيد أردوغان

نيويورك- خوفا من تصاعد التوترات، يستعد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لعقد محادثات جديدة حول قبرص المقسمة، لكن من غير المتوقع إحراز أي تقدم يذكر فيما لا تزال مواقف القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك متعارضة تماما.

وأجرى غوتيريش المحادثات الأخيرة مع زعيمي القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك في أبريل في جنيف، وخلص إلى أن ليس هناك أرضيّة مشتركة تذكر بين الطرفين.

أنطونيو غوتيريش: ليس هناك أرضيّة مشتركة تذكر بين الطرفين

ويرجّح أن يحرز تقدم أقل الاثنين عندما يستقبل غوتيريش الزعيمين إلى مأدبة غداء على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعد دعم تركيا التي تحتل ثلث الجزيرة الواقعة على البحر المتوسط، تقسيم قبرص رسميًا إلى دولتين، وهو أمر أثار انتقادات حادة من الغرب.

وقال زعيم القبارصة الأتراك إرسين تتار، الحليف المقرب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنه سيضغط من أجل حل يقوم على دولتين وأقر بأنه لا يتوقع تقدما جوهريا.

وصرّح “أنا لا أهرب من المحادثات. أنا مستعد للتحدث لكن بواقعية عما يجري على أرض الواقع”. وتابع “إذا كنت تريد فرصة فعلية للتسوية يجب أن تقوم تلك التسوية على أساس دولتين متساويتين وسيدتين”.

ويقول دبلوماسيون إن غوتيريش لا يتوقع حصول انفراجة في قضية قبرص لكنه يعوّل على الحفاظ على ما يكفي من الدبلوماسية من أجل منع اندلاع تصادم في الجزيرة التي رغم صعوبة التوصل إلى حل سياسي للنزاع فيها، بقي الوضع فيها سلميا في معظم الأحيان على امتداد عقود.

ويعتقد هؤلاء أن العقدة الأساسية التي تعيق الحل هي الوقوف القوي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلف القبارصة الأتراك وجعل مواقفهم متصلبة، على عكس القبارصة اليونانيين الذين يفتقرون إلى دعم جدي من حلفائهم المنشغلين بقضايا أخرى.

وجزيرة قبرص مقسمة منذ غزت تركيا ثلثها الشمالي عام 1974 ردا على انقلاب قام به قوميون قبارصة بهدف ضمها إلى اليونان. وتوقفت المفاوضات بشأن إعادة توحيد الجزيرة منذ العام 2017.

وقال نيكوس أناستاسيادس رئيس جمهورية قبرص المعترف بها دوليا، ويقودها القبارصة اليونانيون الذين يشكلون غالبية سكان الجزيرة، إنه سيواصل دعم الاقتراح الذي تدعمه الأمم المتحدة والذي يقوم على إعادة توحيد قبرص في فيدرالية تضم منطقتين.

العقدة الأساسية التي تعيق الحل هي الوقوف القوي لأردوغان خلف القبارصة الأتراك وجعل مواقفهم متصلبة

وفي الخطاب الذي ألقاه الجمعة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، طرح أناستاسيادس أيضا العودة إلى دستور العام 1960 الذي دخل حيز التنفيذ بعد استقلال قبرص عن بريطانيا وينص على أن يكون رئيس الجزيرة قبرصيا يونانيا وأن يكون نائب الرئيس قبرصيا تركيا.

وأضاف “يجب القول إن هذه الدعوة لا يقصد بها أن تكون بديلا عن الأساس المتفق عليه للتسوية (…) بل تسهيل عودة المجتمع القبرصي التركي إلى الدولة حتى التوصل إلى تسوية نهائية”.

وتتضاءل الآمال في التوصل إلى حل دبلوماسي منذ العام 2004 عندما رفض الناخبون القبارصة اليونانيون خطة التوحيد التي طرحها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي أنان.

وقال تتار الذي كان يتحدث من ناطحة السحاب الجديدة التي افتتحها الاثنين أردوغان مقابل مقر الأمم المتحدة، إن الجانبين مستقلان بشكل كامل إذ لا يؤثر القبارصة اليونانيون والقبارصة الأتراك على حياة بعضهم بعضا.

وأضاف “حصلت الكثير من الأحداث خلال الأعوام الستين الماضية ما يجعل العودة إلى دستور العام 1960 أمرا مستحيلا”. وأوضح “أنا أحترم شعبه كمجتمع منفصل. لديهم لغتهم الخاصة، لديهم دينهم الخاص، لديهم ثقافتهم الخاصة. لكنني أريد أن يكون هذا الاحترام متبادلا”.

وأشار إلى أن وجود دولتين منفصلتين سيؤدي إلى علاقات ودية مع تعاون في مجالات تشمل الطاقة والبيئة، معربا عن أمله في أن تصبح قبرص “سنغافورة أوروبا في شرق البحر المتوسط” كمركز تجاري حيوي.

وفي زيارة قام بها أردوغان إلى شمال نيقوسيا في يوليو، أعلن هو وتتار أنهما سيفتحان فاروشا التي كانت أشهر منتجع في الجزيرة لكنها استحالت مدينة أشباح منذ فر القبارصة اليونانيون منها خلال الغزو التركي عام 1974.

نيكوس أناستاسيادس يدعم الاقتراح الذي يقوم على إعادة توحيد قبرص في فيدرالية تضم منطقتين

وأثار ذلك الإعلان مخاوف غوتيريش والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي تعد قبرص عضوا فيه منذ العام 2004. ودافع تتار عن هذه الخطوة ووصفها بأنها قانونية، لكنه قال إنه يمكن مناقشة كل القضايا بعد الاعتراف بسيادة “جمهورية شمال قبرص التركية”.

واتهم أناستاسيادس في خطابه إردوغان بـ”تدخلات صارخة” لتنصيب تتار رئيسا لـ”جمهورية شمال قبرص التركية” التي لا تعترف بها إلا تركيا.

وحقق تتار فوزا مفاجئا على مصطفى أكينجي الذي كان يفضل العمل مع القبارصة اليونانيين على حل فيدرالي.

واتهم أناستاسيادس تركيا بالرغبة في خلق وقائع جديدة على الأرض قائلا “من الواضح أن كل هذه الإجراءات تهدف إلى القضاء على آفاق التسوية استنادا إلى أسس إطار الأمم المتحدة المتفق عليه”.

ويعتقد مراقبون أن خطوة أردوغان لم تكن لتتم لولا نجاحه في اختبارات سابقة بتحدي الأوروبيين من ناحية والأمم المتحدة من ناحية ثانية، مشيرين إلى أن الرئيس التركي تمكن من فرض نفوذ بلاده في الجزيرة المقسمة وفي مياهها الإقليمية كأمر واقع، وأن التهديدات المختلفة لم تفلح في تغيير موقفه، وهو ما ساعده على التقدم خطوة أخرى أكثر أهمية بالنسبة إلى استراتيجية تركيا الهادفة إلى توسيع نفوذها شرق المتوسط ولو بقوة السلاح.

واستفاد أردوغان كذلك من تراجع “منتدى المتوسط” الذي كان في ظاهره تجمّعا لمنتجي الغاز في منطقة واعدة، لكن هدفه كان الضغط على تركيا والتضييق على تحركاتها سواء في المياه الإقليمية لقبرص أو تعطيل تنفيذ الاتفاقية التي عقدتها أنقرة مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا في عهد فايز السراج، لكن التحولات الإقليمية خففت من فاعلية هذه الجبهة، وخاصة بعد التقارب التركي – المصري.

7