لا عزاء في الرواية

بعد انتهاء شهر العسل الذي وفرته أوسلو للجهاز البيروقراطي الفلسطيني الناشئ، وبفعل الحروب غير المتكافئة، تجددت الأحزان والبلاءات بتداعياتها الاجتماعية وبكل مراراتها.
الأحد 2020/10/18
الصحافيون يؤدون واجبهم في تظهير واقع الحياة الشعبية الفلسطينية وتفصيلاتها

مع بدء التردي السياسي الفلسطيني، كان المنحنى الثقافي يهبط بشكل أسرع. ويمكن هنا، الحديث عن بؤس الحركة الأدبية الفلسطينية، على مستوى الرواية. ولولا التقارير الصحافية، لما تعرف العالم على ما جرى ويجري للفلسطينيين. فالصحافيون يؤدون واجبهم في تظهير واقع الحياة الشعبية الفلسطينية وتفصيلاتها في الريف والمخيمات والحواري الرثة.

منظمة التحرير كانت سبباً في وقف نمو الإبداع الروائي. فقد تبنت على حسابها – بشكل عام وفي كل مراحل إقامتها في المدن العربية – كلفة حياة الواعدين الذين وفدوا إليها، ودمجتهم في جهازها البيروقراطي. ولعب اليسار بفصائله وأحزابه، في ذروة ازدهاره، دوراً هو الآخر في وقف نموّ الإبداع، إن لم يكن إفساده، وفتح مخارج للمبدعين لكي يهدروا أوقاتهم. وهذه رزية شرحها المفكر الماركسي الطلياني أنطونيو غرامشي في الربع الأخير من القرن العشرين. ففي مرحلة بيروت، كان يندر جداً أن يُرى كاتب فلسطيني بين أزقة مخيّمي صبرا وشاتيلا اللذين يبعدان عن مقر اتحاد الكتاب الفلسطينيين مسافة لا تزيد عن مسيرة خمس دقائق سيرا على الأقدام. ولم يكن يمر على الكاتب شهرٌ أو شهران، حتى يكون في موسكو أو براغ أو صوفيا. وكانت هناك مقولة طريفة، في صيغة نداء للشباب الفلسطيني في الداخل، أطلقها الأديب إميل حبيبي، القيادي في حزب راكاح الشيوعي الإسرائيلي “هيا أيها الفتى، انضم إلى حزبنا لكي تتفرج على العالم”!

 لم يكن مُضيّعو الوقت، في العواصم الهانئة، يعلمون أن شعوب تلك الدول، ولفرط ما كانت ترى مباذل العرب الزائرين، من وفود أحزاب وضيوف مؤتمرات، ظلت تراكم بغضاءها، لاسيما مع تلازم الزيارات مع عرض الزائرين القليل من الدولارات التي جلبوها معهم، لصرفها في السوق السوداء، لكي تصبح قوتها الشرائية بعشرات أضعاف قوتها في بلدانهم. وقد تبين بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، أن شعوب الأقطار المضيفة، سئمت حتى القضايا التي يحملها الزائرون ويتباحثون فيها مع الذين استضافوهم!

بعد انتهاء شهر العسل الذي وفرته أوسلو للجهاز البيروقراطي الفلسطيني الناشئ، وبفعل الحروب غير المتكافئة، تجددت الأحزان والبلاءات بتداعياتها الاجتماعية وبكل مراراتها، إذ نُكبت عشرات الألوف من الأسر، ونشأت في كل بيت مادة للدراما القوية التي تفتت القلوب. وللأسف لم تجد هذه القصص روائيين يكتبونها دونما حاجة إلى خيال مجنح. وتفاقمت الأمور أكثر، بعد اشتراك كل الأطراف – بينها السلطة الفلسطينية نفسها – في محاصرة غزة وإدقاعها ووقف دورتها الاقتصادية. بل إن السلطة التقطت من غزة الراوئي – ربما الوحيد الذي ظل متواجداً – فاستدعته إلى مضاربها وأدمجته في جهازها البيروقراطي، حتى لم يعد ثمة من يرى ثم يكتب، سوى الصحافيين. فلا عزاء للناس روائياً، ولا عزاء للمألومين!

24
مقالات ذات صلة