لبنان يغيّر قواعد إدارة أسعار صرف الليرة

منصة صيرفة لمتابعة تداول الدولار لكشف المضاربة والتهريب.
السبت 2021/05/29
جهود لإعادة الدولار إلى القنوات الرسمية

غيّر لبنان قواعد إدارة أسعار صرف الليرة بالاعتماد على منصة صيرفة جديدة لتبادل العملات بهدف إعادة حركة الدولار إلى القنوات الرسمية وتقويض السوق الموازية تدريجيا في ظل تهاوي العملة المحلية وأزمة اقتصادية قاسية.

بيروت - بدأ مصرف لبنان المركزي، العمل رسميا على منصة “صيرفة” لتبادل العملات، في وقت يعاني البلد أزمة مالية واقتصادية متصاعدة، سببها هبوط قيمة العملة الوطنية قرب أدنى مستوياتها مقابل الدولار.

والأسبوع الماضي، أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أن على “المشاركين الراغبين بتسجيل جميع طلبات الحصول على النقد الأجنبي على المنصة، تعبئة بياناتهم اعتبارا من 21 مايو الحالي وحتى 25 مايو، وتسديد المبلغ المطلوب فورا بالعملة المحلية”.

وتمت تسوية العمليات المسجلة الخميس والحصول على ما يقابلها بالدولار الأميركي، وفق العرض والطلب على النقد الأجنبي ضمن آلية حساب معينة.

وبلغ سعر صرف الدولار في أول أيام التسوية، في السوق الموازية 13 ألف ليرة لكل دولار، مقارنة مع 12.9 ألف في تعاملات الأربعاء، بينما بلغ سعر الصرف ضمن المنصة الجديدة 12 ألفا، ومستقرا وفق سعر البنك المركزي عند 1510.

ويأمل اللبنانيون من خلال الإدارة الجديدة لأسعار الصرف والتداول، إعادة حركة الدولار إلى القنوات الرسمية وتقويض السوق الموازية تدريجيا.

يقول الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، إن الآليّة الجديدة لأسعار الصرف التي عمّمها مصرف لبنان، “هدفها بالدرجة الأولى سحب الليرة من قبضة العصابات التي تُسيطر عليها في السوق السوداء”.

جاسم عجاقة: الآليّة تهدف إلى سحب الليرة من قبضة عصابات السوق السوداء

وشرح الخبير الاقتصادي في تصريحات صحافية هذه الآلية بقوله “في السوق السوداء، سعر صرف الليرة حرّ وعلى هذه المنصة سيبقى سعر الصرف حرا أيضا، لكن الفرق بينهما أن هناك مراقبة للعمليات ومعرفة توجه الدولار، إن كان للمضاربات أو التهريب أو التجارة”.

وحول أهمية عملية المراقبة، أوضح “بعملية المراقبة التي فرضها مصرف لبنان اختفى عنصر المضاربة، أي لن تكون هناك تقلبات حادة في سعر صرف الدولار مقابل الليرة”.

لكن المنصة لن تمنع من ارتفاع الدولار في السوق الموازية؛ خصوصا وأن ارتفاعه مرتبط بسعر هيكلي متعلق بنقص وفرة الدولار داخل الأسواق المحلية، وأقل بكثير من حاجة السوق، بحسب الخبير الاقتصادي.

أما لجهة ضبط تقلّبات سعر صرف الدولار، قال “لن تستطيع الآلية هذه ضبط الدولار بأسعار متدنية إلا من خلال مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وإدخال الدولارات إلى الاقتصاد المحلي”.

وإن كانت هذه الآلية ستطيح بالسوق السوداء، لفت عجاقة إلى أن “السعر على المنصة حر ولكن شفاف ويخضع للرقابة.. عمليا هذه الآلية ستضعف السوق السوداء، ولن يبقي عليها إلا مجموعة من المخالفين ومبيّضي الأموال والمهربين”.

“نجاح المنصة رهن بعمل الأجهزة الأمنية، ووزارة الاقتصاد، ووزارة المالية، والجمارك لمنع التهريب ومكافحة السوق السوداء. وهذه الخطوات خطوات أساسية لنجاحها”.

كانت الليرة اللبنانية سجلت أدنى سعر تاريخي لها، بقيمة 15 ألفا مقابلة الدولار خلال وقت سابق من العام الجاري.

وجمدت المصارف اللبنانية، مع بداية الأزمة المالية أواخر 2019، وصول العملاء إلى ودائعهم ومنعتهم من تحويل الأموال إلى الخارج؛ في محاولة لإدارة السيولة بالنقد الأجنبي الشحيح على وجه الخصوص.

أكد الخبير الاقتصادي باتريك مارديني، أن “الهدف من المنصة تنظيم العرض والطلب للدولار لحصرها في مكان واحد على المنصة، فأي فرد يود شراء الدولار تتم العملية عبر هذه المنصة وأي فرد يود بيع الدولار تتمّ أيضا العملية عبرها”.

وفي حديث صحافي ، قال مارديني “المنصة هي المكان الذي يجمع كل من يريد شراء أو بيع الدولار، إن كانت مؤسسات أو مصارف أو أفراد، لتحصل عملية التبادل بشكل شفاف”.

“المنصة ليست لخفض سعر صرف الدولار رغم أنه عند إطلاقها تم بث أجواء تفاؤلية، تقول إنها ستعطي القيمة الحقيقية لليرة وللدولار.. بكل بساطة هدف المنصة هو إعادة الصرف إلى السوق الرسمية”.

والثلاثاء، أكّدت وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال للتصنيفات الائتمانية، أنّ بنوك لبنان قد تواجه صعوبة الحفاظ على عملياتها مع استمرار سحب الودائع، وقطع البنوك المراسلة الأجنبية للعلاقات، واستمرار الأزمة الاقتصادية بالبلاد.

وفي أبريل 2020، طرح لبنان خطة إعادة هيكلة، لكن لم يتم تنفيذها بسبب الخلافات السياسية، ما ترك الأسواق في حالة من عدم اليقين بشأن التكلفة المحتملة للأزمة المالية في البلاد.

وكان الرئيس اللبناني ميشال عون قد طلب من حاكم المصرف المركزي في وقت سابق إجراء تحقيق في أسباب أحدث انخفاض للعملة، فيما نفت جمعية المصارف أي دور لها في التلاعب بسعر الصرف.

باتريك مارديني: المنصة ستنظم العرض والطلب للدولار وتحصره في مكان واحد

ودعا عون إلى إحالة النتائج إلى النيابة العامة “لملاحقة المتورطين، في حال ثبوت عمليات مضاربة غير مشروعة على العملة الوطنية، من جانب أفراد أو مؤسسات أو مصارف”.

وتزامن مطلب عون حينها مع نفي جمعية المصارف كل ما تمّ تداوله حول مسؤوليتها عن ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، معتبرة أن السيطرة على تفلت سعر صرف الدولار مرهونة بتطورات سياسية تعيد الثقة إلى اللبنانيين.

وأشارت الجمعية إلى أن “متطلبات السيولة المصرفية في الخارج من قبل مصرف لبنان وفق التعميم 154 تتعدى 3.4 مليار دولار على مستوى القطاع”.

ورأت أن الأسباب الكامنة وراء ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء تعود إلى “الضبابية السياسية في البلاد في ظل التخبط السياسي والتجاذبات والمناكفات، في غياب أي جهد جدي وحقيقي لتأليف الحكومة العتيدة، بعد مرور سبعة أشهر على استقالة الحكومة السابقة”.

وعزا عدد من المحللين الاقتصاديين سبب ارتفاع سعر صرف الدولار إلى تنفيذ المصارف لتعميم مصرف لبنان الذي طلب من المصارف تأمين متطلبات السيولة المصرفية في الخارج، وقيامها بشراء الدولار من السوق السوداء.

وتفاقم الانخفاض القياسي في سعر الصرف، غداة إعلان مصرف لبنان بدء مراجعة أوضاع البنوك بعد انتهاء مهلة حددها لها من أجل زيادة رأسمالها، ضمن خطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

ويشهد لبنان منذ صيف عام 2019 أزمة اقتصادية كبيرة، أدت إلى احتجاجات ضخمة، وتراجع قيمة العملة المحلية وخسارة قيمتها بأكثر من 80 في المئة مقابل الدولار.

ويتهم محللون ومراقبون زعماء سياسيين ومسؤولين بتحويل مبالغ ضخمة من حساباتهم إلى الخارج، إثر تظاهرات شعبية غير مسبوقة بدأت في أكتوبر 2019 ضد الطبقة السياسية، حيث بدأ الوضع منذ ذلك الحين يتفاقم اقتصاديا وماليا.

وينعكس الانخفاض في قيمة العملة المحلية على أسعار السلع والمواد الغذائية وكل ما يتم استيراده من الخارج.

10