لماذا لا تدرك المتغيرات.. فتعصف بك المتغيرات؟

التجارب الإنسانية في كل زمان ومكان، كان فيها النصر لوعي المتغيرات، حتى يكاد يكون الجديد هو المستقبل.
السبت 2019/11/09
استراحة المتظاهر (تصوير باتريك باز)

في ما أكتبه هذا اليوم، قد أتوقف عند بعض الأمثلة والشواهد، ذات مصادر سياسية، أي أن مرجعياتها حالات استقيتها من هذا الفضاء السياسي أو ذاك، ومن هذا السياسي أو سواه، لكنني لا أقصد، بل لا أريد أن أتوقف عند دلالاتها في العمل السياسي، بما فيه من تعصب أو خلافات أو قناعات، طالما قادت المتعصب أو المقتنع، بعيدا عن الرؤية الموضوعية.

وسأحاول أن أنظر إلى هذه الأمثلة والشواهد، من جانبها المعرفي ودلالاتها الاجتماعية، غير أن حالة عدم إدراك المتغيرات لا تظهر لدى السياسيين فقط، وإن كانت أكثر ظهورا في أوساطهم، لأن نتائجها تتجاوزهم، كأفراد أو جماعات، إلى ما هو عام في المجتمعات والحياة، بل تظهر لدى عامة الناس ومنهم من يعدون في المثقفين والمبدعين، ممن يظلون متشبثين بما عرفوا من قبل وما نشأوا عليه، فيرون في كل ما هو مختلف عمّا عرفوا من قبل وما نشأوا عليه ممّا يجب اجتنابه.

إن الوعي بمتغيرات الأجيال، كان وما زال حاضرا على صعيد المقولات والتناول الفكري، إذ قال الفيلسوف الإغريقي سقراط، “لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”، وهناك من ينسب هذه المقولة إلى أفلاطون، وتنسب مثل هذه المقولة إلى الإمام علي بن أبي طالب وهي؛ “لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”.

غير أن كثيرين من أولي الأمر في التاريخ الإنساني، في الماضي والحاضر، ومن عامة الناس أيضا، يتصرّفون على الضد من هذا الوعي بالمتغيرات في الأجيال والمراحل، ويحاولون فرض ما عرفوه وما نشأوا عليه، على الآخرين وعلى الحياة، ويجدون في الاعتراض على قناعاتهم، قولا أو فعلا، تجاوزا على ما يعدّونه من الثوابت والمقدسات، فيمارسون على المعترض القمع والاضطهاد والتخوين، بل التكفير أيضا، بغطاء الأعراف والأخلاق والقانون والدين، ويوظفون وعّاظ السلاطين من كل صنف ومن كل نوع، لمنح مقولاتهم وتصرفاتهم صفات القداسة والحق والحقيقة.

ورغم أن التجارب الإنسانية في كل زمان ومكان، كان فيها النصر لوعي المتغيرات، حتى يكاد يكون الجديد هو المستقبل، سواء في الأنظمة أم في الأفكار أم في يوميات الحياة وما يقترن بها من خلق وإبداع، نجد أن أصحاب السلطة، إلا في ما ندر، يتشبثون بما هم عليه، فلا يدركون المتغيرات ويغضون الطرف عنها، وطالما فاجأتهم وعصفت بهم وبأوهامهم وعصبياتهم.

وأصحاب السلطة هنا، ليسوا الحكام والحكومات فقط، بل جميع المتشبثين بحدود معارفهم وما نشأوا عليه من قناعات، وعلى سبيل المثال، إن ما حدث أخيرا في كل من العراق ولبنان متمثلا في انتفاضتين شعبيتين حقيقيتين، فجرتهما وقادتهما وتحملت أعباءهما وقدّمت في سبيل انتصار أهدافهما التضحيات، أجيال شابة مسلحة بوعي جديد، كان السبيل إلى ما أشرنا إليه من متغيرات، فاجأت رموز السلطة وأصنام ثوابتها، في كلا البلدين، بل فاجأت أطرافا ورموزا وعناوين من بعض قوى المعارضة فيهما، ممّا اضطرها إلى الالتحاق بقوى الانتفاضة من الشباب والاصطفاف معها وترديد شعاراتها.

غير أن هذا الالتحاق لا يعني أن الكثير من المعارضين سيعيدون النظر في ثوابتهم وقناعاتهم وما نشأوا عليه في الفكر والممارسة، بل إن بعضهم، وهذا ما ظهر في بعض كتاباتهم وتصريحاتهم، من ادعى دورا في ما حدث ويحدث، وهم لا في عير الناس ولا في نفيرهم.

وسواء في العراق أم في لبنان، كانت السلطة وقواها على صعيد العناوين السياسية أو الاجتماعية أو الميليشياوية، مطمئنة إلى ثوابتها الطائفية والمعلوماتية وما اصطنعته من افتراضات الفرقة والصراع، وكأن الآخرين، أفرادا وجماعات، من دون وعي، أو أنهم مجرد صدى لثوابتهم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن جميع السلطات تحيل أي نشاط يختلف معها، سواء كان فرديا أم جماعيا، إلى مؤثرات خارجية، وقد رصدنا هذا الموقف من خلال تصريحات تثير السخرية بشأن انتفاضتي العراق ولبنان، فالذين جاؤوا برفقة قوات الاحتلال وبحمايتها، وعلى ناقلات الجنود والطائرات والدبابات الأميركية من سياسيي الغفلة، كما كان الأمر في العراق وهم ما زالوا يعملون كمخبرين صغار، يتّهمون الملايين من العراقيين وفي جميع المدن العراقية ممّن دفع بهم فساد المتسلطين وخراب وطنهم، ووعيهم الوطني وكرامتهم إلى مواجهة رصاص الغدر والخسة بصدورهم العارية، بفرضية تنفيذ مخطط أجنبي، ويذكرون عددا من الدول الأجنبية لا رابط بينها في سياساتها ويزايدون في توجيه تهمة مثيرة للسخرية والغضب في آن واحد.

إن الذين يتهمون الانتفاضة والمنتفضين بتنفيذ مخطط أجنبي، فيهم من قاتل في جيش وميليشيات أعداء وطنه وشعبه، وأعلن من دون تردّد أو حياء، أنه في حال أي صراع بين بلاده وسلطة الولي الفقيه، وهي المعزولة والمرفوضة حتى داخل إيران، سيكون مع سلطة ولاية الفقيه لا مع بلاده.

وفي لبنان لا تقل الصورة وقاحة وبشاعة، عمّا هي عليه في العراق، فمن يعترف بأن أمواله وسلاحه مصدرهما إيران، يتهم جميع الذين انتفضوا من اللبنانيين من أجل حقهم في الحياة وكرامة وطنهم، بأنهم عملاء أميركا وإسرائيل، وكأن إيران ليست كيانا أجنبيا وليست دولة لها مشروعها التوسعي، وهم بعض أدوات هذا المشروع.

إن مواقف هؤلاء، وفي الحالتين اللتين أشرت إليهما، مصدرها خلل في الوعي ونقص في القدرة على إدراك المتغيرات، التي طالما فاجأتهم وعصفت بأوهامهم، وهم من المنغلقين على قناعاتهم ومحيطهم الضيق، ولا يستمعون إلا لأنفسهم وإلى المحيطين بهم من الجهلاء والمنتفعين والمزوّرين والطبالين، ولا يواجهون هذه المفاجأة بالانفتاح والحوار والوعي، بل يستنفرون كل ما لديهم من أسباب التسويغ والتبرير والقمع، وبكل أشكال القمع.

غير أن كل هذه المفردات لم تنجح في إنهاء المواجهة بين مستجدات الوعي وثوابت السلطة وتشبثها بقناعاتها، ممّا يؤدي بها إلى العزلة والانهيار ومن ثم السقوط، بعد أن تفقد أعلى أصوات مؤيديها ومنظريها ضجيجا، وكذلك أقرب المحسوبين عليها والمدافعين عنها في زمن قوتها وما توفره من مغانم مادية ومعنوية.

وما أشرت إليه بشأن عدم إدراك المتغيرات لا ينصرف إلى الموقف من انتفاضتي شعبي العراق ولبنان، بل يشمل تجارب وأمثلة كثيرة على عدم إدراك المتغيرات ومواجهتها بالتغاضي حينا وبتوجيه الاتهامات ومحاولة تشويه من يمثلها حينا آخر أو بالقمع والعنف.

وليس أقرب إلينا من تجربة الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وما آلت إليه، وما زلت أتذكر وأنا في مقتبل الصبا، أهزوجة نوري السعيد، السياسي العراقي المخضرم ورئيس الوزراء ذي الخبرة والتجربة، “دار السيد مامونة”، أي أن سلطته بمأمن من المتغيرات، ثم كان هو والسلطة التي يمثلها ضحية عدم إدراك المتغيرات.

وأخيرا، أكرّر ما ذكرته في البداية، فما ذكرته من أمثلة لا أقصد منها جانبها السياسي المباشر، بل أردت منها تأكيد طبيعة وعي بعض الأفراد والجماعات، وخاصة في مواقع المسؤولية، حين لا يدركون المتغيرات التي تحيط بهم، ومن ثم تعصف بهم هذه المتغيرات.

14