لماذا لن يحكم الإسلاميون الجزائر؟

لا يمكن لجيل عاش 10 سنوات من الإرهاب أن يسلم أمره لإسلاميين لا علاقة لهم بالعصر. التجربة المرة التي عاشها الجزائريون مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ قتلت المشروع الإسلامي في الجزائر إلى الأبد.
السبت 2019/03/09
"جزائر حرة ديمقراطية" أهم شعار يتغنى به المتظاهرون

يتخوف الكثير من العلمانيين وأغلبية الجزائريين الذين عاشوا مرحلة الإرهاب الإسلامي إبان العشرية الدموية من أن يختطف الإسلاميون السلطة إن سقط النظام إثر هذا التمرد الجماهيري المتواصل منذ 22 فبراير الماضي. فهل يمكن أن يكون الإسلاميون بديلا عن عبدالعزيز بوتفليقة كما حدث في تونس وفي مصر عقب ثورة التونسيين والمصريين على نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك؟

لا يمكن إنكار أن جزائر اليوم تعيش تحت قانون أسرة مستلهم من الشريعة وأن المدرسة متأسلمة وأغلب وسائل الإعلام جاهزة لنشر الظلام، وفي قانون العقوبات مواد رادعة لكل من يخالف المجموعة الوطنية في مسألة العقيدة الدينية وغير ذلك من مظاهر الأسلمة التي رعاها هذا النظام. فقد انتصر على الأصولية الإسلامية عسكريا بفضل تعاون الجزائريين من كل الفئات والمناطق، ثم تركها تنتصر في المجتمع، فانتشر الرقاة والمشعوذون وهكذا خدّر الناس وكبلهم. ومنذ وصول بوتفليقة إلى الحكم وهو في شهر عسل مع زعماء الإسلاموية فلا يمر تغيير حكومي إلا وناشد الإخوان المسلمون ممثلين في حزب حمس بالمشاركة فيها. وقد ذهب في استفزاز الجزائريين مذهبا لم يكن ينتظره أي جزائري وخاصة أهل ضحايا الإرهاب حينما استقبل رئيس الحكومة أحمد أويحيى مدني مزراق، أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ ليستشيره حول تعديل دستور البلاد، هو الذي اعترف على شاشة التلفزيون أمام الملأ أنه قتل جنودا جزائريين بيديه.

ونظرا لكل هذا، فمن لا يتعمق في المسألة ويبقي حبيس ما أشرنا إليه من مظاهر صادمة، سينتهي بسرعة إلى الاعتقاد بأن الجزائر أصبحت ثمرة ناضجة قد تسقط في أي لحظة في سلة الإسلام السياسي، وما هي إلا مسألة وقت حسب المتشائمين وتتحول الجزائر إلى جمهورية إسلامية، ولكن يبقى ذلك التنبؤ متسرعا ومجانبا للصواب لاعتبارات كثيرة منها:

جرب الجزائريون حكم الإسلاميين، ففي 1990 شاهدوا ذلك التسيير الكارثي للبلديات التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية ولاحظوا اهتمام المنتخبين الإسلاميين بالتوافه من الأمور، وكيف عجزوا عن تحقيق ما كانوا يعدون به في المساجد. ولم يقدموا شيئا لسكان بلدياتهم، وليس هذا فحسب بل واصل المنتخبون الإنقاذيون انتهاج سياسة جبهة التحرير الوطني في كل شيء، حتى في المحاباة واستعمال وسائل البلديات لمصالحهم. ويتذكر الجزائريون ما قاله أحد قياديي الجبهة الإسلامية رابح كبير “جبهة التحرير أكلت 30 سنة ونحن أيضا سنأكل 30 سنة”.

يعرف الجزائريون أن النظام وتحت يافطة المصالحة الوطنية ثم الوئام الوطني قد تحالف مع الإسلاميين بعد أن أهدى لهم عفوا شاملا ليسوا أهلا له، وكيف أغدق النظام على هؤلاء المجرمين الأموال والمساكن وأراضي البناء وأصبحوا يتبخترون ويستفزون عائلات الضحايا الذين لقوا حتفهم على أياديهم الملطخة بالدماء. وتيقن الجزائري أن صديق الفاسد فاسد وبات الإسلاميون ورجال النظام اسما لشيء واحد في نظر الناس.

كل هذا أفقد الإسلاميين مصداقيتهم ولم يعودوا قادرين على التبجح بالاستقامة والعدل كما كانوا قبل أن يسيروا البلديات، وقبل أن يمارسوا الإرهاب على نطاق واسع ويفرضوا على الجزائريين الرعب وبعض السلوكيات المتخلفة طيلة عشرية كاملة. وقد ترسخ في ذهن أغلبية الجزائريين أن الإسلاميين والنظام مسؤولان عن المأساة التي عاشتها بلادهم ويتحملان المسؤولية الأخلاقية والقانونية لما ارتكب من مجازر.

وليس صدفة أن أهم شعار يتغنى به المتظاهرين في الجزائر اليوم هو “جزائر حرة ديمقراطية”. وهو دليل على أن هذا الجيل الجديد يريد لا فقط إسقاط النظام القائم، بل إسقاط حلفائه الإسلاميين. ولئن كان جيلا متدينا جراء التعليم والترهيب العائلي، فإنه لا يريد العيش في دولة إسلامية بعد أن شاهد الأعمال الوحشية التي قام بها تنظيم داعش، وعرف ما هي الشريعة. فمن يقبل أن يعطي صوته لحزب يعده بقطع الأيدي ورجم البشر؟

وعلاوة على كل ما سبق ففي الجزائر ورقة رابحة ضد الإسلاميين غير متوفرة في أي بلد وهي منطقة القبائل، الصخرة التي تحطمت عليها أحلام الأصوليين والتي ستبقى صامدة في وجوههم.

لا يمكن لجيل عاش 10 سنوات من الإرهاب الإسلامي و20 سنة تحت حكم فاسد أن يسلم أمره لإسلاميين لا علاقة لهم بالعصر. التجربة المرة التي عاشها الجزائريون مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ قتلت المشروع الإسلامي في الجزائر إلى الأبد.

9