لوحات غيلان الصفدي تقطع مع التباعد الاجتماعي عبر حفلات وهمية

ألوان لوحات التشكيلي السوري كامدة غير مُشرقة ومُثقلة بأنفاس الظاهرين وغير الظاهرين ولكنهم حاضرون في حيرتهم.
السبت 2021/05/15
هيئات مُتشابهة ألّفت ما بينها نظرة ليس لها قرار

جعل الفنان التشكيلي السوري غيلان الصفدي صفحته الفيسبوكية معرضا فنيا افتراضيا شبه دائم، لاسيما بعد انفجار مرفأ بيروت الصيف الماضي. وقد يكون تحويله لصفحته إلى فضاء عرض متواصل جاء، وإن لا شعوريا، كردة فعل، لا بل جاء كفعل حياة تُريد أن تستمر بعد أن حلّ الموت ودمّر ما دمّر، ومن ضمن ما دمّر صالة "آرت أون 56 ستريت" التي كانت على موعد مع عرض لأعماله الجديدة.

كان من المُقرّر أن يقدّم الفنان التشكيلي السوري غيلان الصفدي، المقيم في لبنان، أعماله الجديدة في صالة “آرت أون 56 ستريت” البيروتية في السادس من أغسطس الماضي. وقد قام بتعليق أعماله على جدران الصالة استعدادا للافتتاح، إلاّ أن انفجار بيروت وقع خاطفا الحياة بكل معانيها.

وكان الفنان قد علّق أعماله الجديدة أسبوعا واحدا قبل الانفجار وقد أصابتها أضرار، ولكنها نجت من الدمار الذي لحق بالصالة وجعل مالكتها تتردّد في جدوى العودة مجدّدا إلى الساحة الفنية التي غدت ساحة حرب متعدّدة الأشكال.

حشود بشرية

هي اليوم، أي صاحبة الصالة، نهى وادي محرم، تخطّط من جديد لإقامة معرض غيلان الصفدي المُقرّر خلال شهر ديسمبر المقبل. ويُذكر أن الصالة قدّمت معرضا مشتركا تحت عنوان “آرت أون 56 ستريت – العودة” خلال ديسمبر 2020 جمعت فيه عددا من الفنانين في لوحات جديدة وسابقة لهم ومنها لوحة للفنان ذاته.

لم يتوقف الصفدي عن الرسم، من يومها، وصار ينشره على صفحته الفيسبوكية كما أنه تلقّف اهتمام صاحبة الصالة وانغمس في تحضير أعماله من جديد وترميم اللوحة التي تضرّرت بفعل سقوط الزجاج. أما اللوحة المُشار إليها فهي تلك التي تتكرّر في لوحات مُتشابهة دون أن تكون مُتشابهة تماما.

وللمفارقة، تجسّد هذه اللوحة، حضورا بشريا يتخطى المئات من الأفراد الواقفين جنبا إلى جنب في مكان واحد يصعب التعرّف عليه.

ليس الصفدي أول أو آخر من رسم الحشود البشرية في لوحات مُتعددة دون كلل أو ملل. قد يتساءل البعض أمام لوحاته تلك ما هو السرّ الذي يجعل هذه اللوحات غير متشابهة على الرغم من أن الفنان استخدم فيها مجموعة ألوان مُتشابهة وغصّت بالمئات من الشخوص الواقفين بهيئات مُتشابهة، والذين ألّفت ما بينهم نظرة ليس لها قرار.

وربما تأتي الإجابة عن هذا السؤال بأن من أهم ما ميّز أعمال الصفدي، لاسيما المجموعة التي بدأ العمل عليها منذ ما يقارب الثلاث سنوات، أنه استطاع أن يوحّد هؤلاء البشر في شتات واحد جاء من التجمّع وليس من التبعثر في مختلف بقاع الأرض.

التبعثر عند الفنان والاختلاف هما بشكل خاص ظاهران في تعدّد تعبيرية ملامح شخوصه الذين يقود كل واحد منهم معركته مع ذاته أو يستسيغ الاستسلام لمشاهد عدمية تلفح هبوبا كل ما أمامه، أو يعيش لحظة يقظة احتدت فيها البصيرة لتجعل منه إنسانا/ عالما في حد ذاته لا يمت بأي صلة لمن يحيط به أو يقف إلى جانبه وإن كان كتفه ملاصقا لكتفه.

أعماله تلك التي تصوّر حشودا بشرية تُلقي في نفس الناظر إليها كآبة تذكّر بلوحات أنجزها الفنان التعبيري الألماني أوتو ديكس. والغريب هو أن على الرغم من الاختلاف الشديد بين النصين (أي نص غيلان الصفدي وأوتو ديكس) إلاّ أن ثمة جوّا من الكآبة العامرة بغبائر من زمن موجع وماض لم يمت كليا، بل استوطن اللوحات بشكل بارز في كلا النصين.

مشهد احتفالي بأجواء مشؤومة

ما يأخذنا إلى لوحات الفنان أوتو ديكس ليس الشخوص “الشريرة” ولا تعابير وجوهها ولا انهماكاتها ولا تواجدها في فضاء ضيق، بل إن ما يأخذنا إليها هي الألوان. فألوان الصفدي التي تضم الأحمر والأصفر والأبيض والأخضر والأزرق هي ألوان كامدة غير مُشرقة ومُثقلة بأنفاس هؤلاء الظاهرين في اللوحات وهؤلاء الذين لا نراهم فيها، ولكنهم حاضرون في ذهولهم وفي حيرتهم وفي ذكراهم.

ألوان متفجّرة

غابت تفاصيل الأجساد وحركاتها، التي كانت حاضرة بقوة في لوحاته السابقة، والتي كانت تخبرنا قصصا غرائبية ومُبهمة وتتحمّل الكثير من التأويل. غابت تحت ثقل لطخات الألوان التي استخدمها الفنان والتي تريد أن تُظهر دون أن تُحدّد، وتُريد أن “تُلبس”، إذا صح التعبير، كطبقات إضافية وحمل ميتافيزيقي.

كما غابت ثنائية الأسود والأبيض السوداوية عن لوحاته التي رسمها في أوج الحرب السورية، ووهبته بيروت القدرة على التعامل مع الألوان من جديد، ولكن الثنائية اللونية تلك ما برحت تسكن شخوصه وأجواء لوحاته، وإن أقل حدةّ عمّا قبل.

وسبق أن قال الفنان عن تلك الأعمال “لوحاتي في تطوّر دائم، أنا الآن في الأربعينات، تتّضح معالم تجربتي أكثر فأكثر، وأميل منذ فترة إلى الأسود والأبيض لأنهما يمثلان الكآبة، لكنها ليست كآبة الضعيف، بل كآبة الشخص المهرّج الذي يرى الأشياء ويضحك على الناس بمراقبتهم”.

والفنان في لوحاته الجديدة لم يُغادر متن المهرّج المأساوي الذي ما برح “يتشقلب” في نفوس شخوصه المُلتزمة بالتباعد الاجتماعي، وهي في عزّ التصاقها مع بعضها البعض.

وُلد الصفدي في السويداء عام 1977، وتخرّج من قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 2002، اختصاص التصوير الزيتي، وهو يقيم حاليا في بيروت.

الأسود والأبيض في لوحات الصفدي يمثلان الكآبة، لكنها ليست كآبة الضعيف، بل كآبة المهرج الضاحك على ما يراه

انخرط في تصميم شخصيات لمسرح خيال الظل، وأسّس معهد “القمة” في السويداء المتخصّص في تدريس المسرح والفنون للأطفال. فاز بجائزة تورينو – إيطاليا لأفضل تصميم دمى بمسرحية “خيط حرير – خيال ظل”.

ورغم تطوّر أساليبه على امتداد مشواره الفني، إلاّ أنه حافظ على تقديم الشخوص، سواء كانت منفردة في بورتريهات أو ضمن مجموعات. أسلوبه واضح الخطوط وأحاديّ اللون ليُقدّم شخصيات كئيبة، أو مَشاهد “احتفالية” تأخذ منحى جديا ضمن أجواء مشؤومة. يبني الصفدي أعماله على أناس قابلهم أو شخصيات شهيرة، لتتحوّل إلى سرديات بصرية ترمز لنظرة الفنان إلى الواقع الاجتماعي والسياسي السائد في البلاد.

وقُدِّمت أعمال الفنان السوري في معارض فردية وجماعية في لندن وباريس وألمانيا واليابان، وفي مؤسسات دولية كثيرة منها معهد العالَم العربي في باريس ولايتهاوس
غاليري في لندن، ومعرض البحرين للفنون. وأعماله مُقتناة ضمن مجموعات في سوريا ولبنان وفرنسا والمملكة المتحدة والبحرين والكويت والولايات المتحدة. وله معارض دائمة في باريس وبيروت.

شخصيات تتظاهر بالوجود من العدم

 

14