لوريل وهاردي.. نجاح كاسح في السينما وإخفاق أسري واجتماعي

النحيف والضخم.. ثنائي الكوميديا الذي أبدع في صناعة الابتسامة.
الاثنين 2021/10/11
الثنائي المرح يرسم البسمة على وجوه البسطاء

يشكل الثنائي البريطاني ستان لوريل والأميركي أوليفر هاردي أشهر وأهم ثنائي كوميدي عرفته السينما العالمية طوال تاريخها، وذلك انطلاقا من عام 1927 وحتى عام 1955، حيث قدما خلال هذه الفترة ما يقارب 107 أفلام كان لها تأثير بارز على صناعة السينما الكوميدية، وعلى الرغم من مرور ما يزيد عن ستة عقود على رحيلهما لا تزال أفلامهما تصنع الابتسامة والضحكة.

كتاب “لوريل وهاردي.. ثنائي الفوضى الرائعة” للكاتب أحمد الجهيني لا يعد فقط تأريخا ورصدا وتحليلا لمسيرة لوريل وهاردي الفنية، بل يضيء تلك الفترة المهمة من تاريخ السينما العالمية التي أحاطت بأعمالهما وتأثيراتها علي رؤاهما وأفكارهما فضلا عن تحليلاته لعدد من أفلامهما.

يرى الجهيني أنه “لا يمكن سرد تاريخ الكوميديا العالمية ​​دون ذكر إنجازات ومساهمات ستان لوريل وأوليفر هاردي، حيث سيطر هذا الثنائي المرح على قمة صناعة الكوميديا السينمائية لأكثر من عقدين، وحتى عام 1955 عندما ظهر هذا الثنائي الفريد لآخر مرة في أحد البرامج التلفزيونية”.

الثنائي قدم وجبات كوميدية للترفيه عن الجمهور الذي يعاني من مشاكل اقتصادية عديدة ولا يحتاج لمن يذكره بها

سر نجاح الصديقين

يذكر الكاتب أنه ما بين أول وآخر ظهور للوريل وهاردي تاريخ حافل من العمل الفني ومن الاجتهاد والتوافق الفريد بين الكوميديان النحيف وشريكه الضخم، وإخفاقات على المستوى الإجتماعي والأسري. لقد كان هناك شيء فريد في هاردي ولوريل جعلهما متميزين للغاية في عالم الكوميديا، حيث استخدم الثنائي المرح التهريج لتأكيد الكوميديا التي يقدمانها، كما كان العنف “الكارتوني” سمة أخرى مميزة لكوميديا لوريل وهاردي، غير أن بساطة الفكرة التي جسدها الثنائي المرح كانت السبب الرئيسي لنجاحهما، حيث قدما نموذجا لصديقين بسيطين فاشلين، في عصر كان وما يزال أغلب الناس فيه يشعرون بالفشل.

ويضيف في كتابه الصادر من الهيئة العامة لقصور الثقافة “صنع هذا الثنائي الكوميدي أفلامهما من تجارب الحياة البسيطة ومن الأخطاء التي يقع فيها البسطاء من الناس. ولم تكن حبكات أفلامهما معقدة أو تتطلب من الجمهور التفكير كثيرًا لفهمها. واستخدما لغة بسيطة ودراما للترفيه. وكان كل همّهما أن يرسما بسمة على وجوه البسطاء، رغم أنهما نادرا ما وجدا بسمة حقيقية خلف الكاميرا”.

ويقول “كانت هناك كيمياء فريدة تجمع النحيف المقهور والسمين المتنمر، وأصبحت صداقتهما طويلة الأمد على الشاشة الفضية، لكن شخصياتهما خارج الشاشة كانت عكس شخصياتهما في الأفلام تمامًا، حيث كان لوريل هو الشخص الذي يقود العملية الإبداعية ويهتم بمراجعة السيناريوهات وتعديلها. بينما كان هاردي هادئًا ومتحفظًا وعلى ثقة كاملة في صديقه وقراراته. وحين توفى هاردي كان لوريل مريضًا جدًا إلى درجة أنه لم يتمكن من حضور جنازة صديقه. وبعد الجنازة، كتب خطابًا عامًا قال فيه ‘أشعر بالضياع بدونه بعد 30 عامًا من الصداقة الوثيقة والارتباط السعيد'”.

وبرحيل هاردي توقف لوريل وعاش في شبه عزلة، فقط كان هناك شيء وحيد هام يفعله، وهو تلقي خطابات المعجبين من جميع أنحاء العالم، والرد على أسئلتهم.

ويتساءل الجهيني “ما هو نوع الكوميديا التي قدمها الثنائي الكوميدي لوريل وهاردي وأصبحت لغة عالمية يضحك عليها الناس في كل مكان؟”، ويوضح “بعض النقاد صنفوا كوميديا الثنائي المرح باعتبارها نوعا من كوميديا التهريج وهو أسلوب من الفكاهة يتضمن نشاطًا بدنيًا مبالغًا فيه، يتجاوز حدود الكوميديا الجسدية العادية. وقد يتضمن عنفا متعمدا أو عن طريق الحوادث المؤثرة، والتي تنتج غالبًا عن الاستخدام غير الحكيم لأدوات مثل المناشير والسلالم.. الخ”.

ويتابع “قد يضرب الممثلون بعضهم البعض بشكل متكرر مع تأثير مسموع كبير دون التسبب في أي ضرر أو مع ألم بسيط للغاية، ولعل المثال الأبرز لهذا النوع من الكوميديا هو ما نراه في الرسوم المتحركة توم وجيري، فرغم أن القط أو الفأر يستخدم أشياء كثيرة لإيذاء الآخر، كالقنابل أو البلطة أو الجاروف.. الخ، إلا أن الآخر المضروب لا يتأثر كثيرا بما يفعله خصمه. هذا النوع من الكوميديا ظهر قبل ظهور الرسوم المتحركة بقرون، حيث أدرج شكسبير العديد من مشاهد المطاردة والضرب في أعماله الكوميدية، كما هو الحال في مسرحية ‘كوميديا الأخطاء'”.

اللعبة النفسية في أفلام لوريل وهاردي هي أن الجمهور يشعر بالراحة لأنه على ثقة بأن الصديقين لن يفترقا

ويضيف “في تسعينات القرن التاسع عشر طور الممثل الكوميدي والمخرج المسرحي البريطاني فريد كارنو شكلاً من أشكال الكوميديا بدون حوار، وكان تشارلي شابلن ولوريل من بين الشباب الذين عملوا معه. لكن كثيرين اختاروا أسلوب كوميديا التهريج، فما الذي ميز لوريل وهاردي عن الآخرين؟ يجيب السينارست والممثل الهندي سانجيف باسكار بأن سر الجاذبية الدائمة للوريل وهاردي هو أن ما قدماه يضعنا في ما يمكن تسميته ‘الفوضى الرائعة’، بمعنى أن لوريل وهاردي يحاولان دائما حل مشكلة بسيطة، ولكن وبسبب حماقتهما أو قلة خبرتهما أو ادعاء أحدهما أو كليهما القوة أو الذكاء، تتحول المشكلة أو الشيء البسيط إلى كارثة. ودائما ما اعتمدت أفلام لوريل وهاردي على الكوميديا التهريجية والحوار البسيط والحبكات الدرامية البسيطة، والتي تعتمد أساسًا على تحويل المشاكل اليومية إلى تجارب تستوجب قدرا هائلا من التحمل، وكانت أعمالهما تجذب الجمهور بسهولة”.

ويقول “في أفلامهما يظهر لوريل دائما كطفل فضولي ويظهر هاردي كرجل متغطرس، ويستمر الصدام بينهما، لكن الجانب الأكثر جاذبية في أفلامهما هو استمرار علاقتهما على الشاشة، بغض النظر عن المصائب الكوميدية والصراعات التي تخرج عن مسارها. ولعل هناك لعبة نفسية في أفلامهما، وهي أن الجمهور ورغم ما يراه على الشاشة يشعر بشيء من الراحة، لأنه على ثقة بأن الفيلم لن ينتهي بقطيعة بين هذين الصديقين، بل ستبقى العلاقة سليمة بين لوريل وهاردي. فهما لا ينفصلان مهما حدث. حتى وإن تقاتلا، وهو ما يفعلانه غالبًا، وسوف ينتهي بهما الأمر دائمًا في مواجهة العالم المتقلب معًا. لقد استثمر لوريل وهاردي صورتهما بذكاء فريد، ورسما بمهارة وحرفية صور للبراءة والحب الذي يمكن للبشرية أن تربط به وترتبط بهما على الفور. إن دفئهما وجاذبيتهما وأسلوبهما الكوميدي غير العادي تتجاوز كل حواجز اللغة. يتحدثان إلى الناس في كل مكان بلغة يمكن فهمها هي لغة الصورة والحركة”.

أفلام ضد الأزمة

Thumbnail

يناقش الجهيني خلال فصول كتابه الثمانية والعشرين نوعية الكوميديا التي قدمها لوريل وهاردي، ويتتبع مسيرة لوريل في بريطانيا ثم هجرته إلى الولايات المتحدة مع الفرقة التي ضمت تشارلي شابلن، وعمله في التأليف والإخراج قبل أن يشكل ثنائيا مع هاردي، وأول لقاء فني بينهما عام 1921 حيث قدما فيلم “الكلب المحظوط” الذي عرض في غرة ديسمبر 1921، ثم افتراقهما لمدة خمس سنوات، وعودتهما عام 1962 بفيلم “45 دقيقة من هوليوود”.

ويحلل فيلم “حساء البط” الذي صدر عام 1927 والذي يعتقد على نطاق واسع أنه أول فيلم للوريل وهاردي كثنائي، واستندت قصته على اسكتشات بعنوان “المنزل من شهر العسل” كتبها عام 1905 آرثر جيفرسون والد ستان لوريل، وهو كاتب مسرحي ومدير مسرحي.

ويواصل الجهيني تحليل سلسلة أفلام لوريل وهاردي التالية بما فيها فيلم “المئة عام الثانية” وهو أول فيلم كوميدي رسمي للثنائي لوريل وهاردي، وأفلام “نداء الوقواق” و”رفع القبعات” و”معركة الماعز” الذي كان نهاية لأفلام الثنائي المرح الصامتة، حيث قدما أول فيلم ناطق لهما بعنوان “غير معتادين كما نحن”. ولم تكن حبكته وطريقة تصويره بالمستوى المتوقع، بل جاء الفيلم كنوع نموذجي من “كوميديا الغرف المنزلية الهزلية”، حيث تجري الأحداث في غرفتين وطرقة في شقة هاردي وشقة كينيدي والممر بين الشقتين. وربما تم هذا عن قصد لإبقاء الفيلم بسيطًا، إلى أن يعتاد فنيو الأستوديو على معداتهم الصوتية الجديدة. وبعد فيلمها الناطق الأول عرض لهما فيلم صامت هو “صاخب مزدوج”.

ويؤكد الفيلم أن الثنائي واصلا مسيرتهما مع السينما الناطقة، ولم يختلف فيلمهما الناطق الثاني كثيرًا عن الأول وهو Berth Marks الذي تعامل فيه الثنائي بوعي وذكاء مع الصوت، ورغم هذا فقد مال الفيلم الثاني إلى المواقف الكوميدية المرئية، ثم قدم لوريل وهاردي فيلم Men O’War وهو الفيلم الناطق الثالث لهما، وكان أداؤهما فيه يميل إلى التمثيل الإيمائي (بانتومايم) لكنه كان متوازنا بعد وصول معدات التسجيل الصوتي إلى أستوديوهات “هال روتش”.

وحول ظروف أول فيلم روائي طويل للوريل وهاردي يقول الجهيني “دفعت الضرورة الاقتصادية لوريل وهاردي إلى الأفلام الروائية. ورغم أن البعض يعتبرون فيلم HOLLYWOOD REVUE OF 1929 أول فيلم روائي طويل لهما، إلا أن هذا الرأي يحتاج إلى كثير من التدقيق، فالعمل لم يكن فيلما روائيا بالمعنى الذي نعرفه، بل مسرحية تم تصويرها وعرضت في دور العرض السينمائية، لكنها ليست مسرحية كلاسيكية لها عقدة وتتصاعد أحداثها دراميا، فهي أقرب إلى عروض ‘فودفيل’ التي تشبه عروض السيرك، وتحتوي على نمر فنية وأخرى للسحرة والحيل. أو إن شئنا الدقة هي نوع من عروض كل النجوم (All-star)”.

Thumbnail

ويلفت إلى أزمة الكساد الاقتصادي العظيم في ثلاثينات القرن العشرين وتأثيرها على السينما بشكل عام، وعلى لوريل وهاردي بشكل خاص، ويشير إلى أن “لوريل وهاردي كان أمرهما عجيب حقا في تلك الفترة، حيث بدا تأثرهما بالكساد العظيم باهتا، وكأن الثنائي المرح حسم أمره وعرفه دوره تماما، وهو تقديم وجبات كوميدية للترفيه عن الجمهور الذي يعاني من مشاكل اقتصادية عديدة، ولا يحتاج إلى من يذكره بهذه المشاكل ولو بانتقادها. أو بمعنى آخر، أراد لوريل وهاردي مشاركة منكوبي الكساد العظيم همومهم من خلال عرض الهموم الطريفة التي يعاني منها الثنائي والناتجة عن الحماقة وسوء الفهم وربما سوء الحظ”.

وبشكل عام فقد كانت النتيجة جيدة جدا، حيث قدم الثنائى في تلك الفترة (ثلاثينات القرن العشرين) أفضل أعمالهما على الإطلاق، ومنها على سبيل المثال أفلام “صندوق الموسيقى” (1932)، “زملاء المساعدة” (1932)، “خطأهم الأول” (1932)، “أبناء الصحراء” (1933)، “الفتاة البوهيمية” (1936)، “الشيطان الطائر” (1939) وغيرها.

ويواصل الجهيني تأريخه ورصده وتحليلاته لأفلام الثنائي حتى آخر أفلامهما، وهو فيلم أوروبي حمل عنوان Atoll K وأطلق عليه في بريطانيا اسم Robinson Crusoeland وفي الولايات المتحدة اسم “يوتوبيا”.

14