مآسي بيروت المتكرّرة تتحول إلى لوحات تجهيزية

لبنان يتجلى حبيسا في مرآة محدّبة عبر رسومات هناء عبدالخالق.
الأربعاء 2021/01/27
وجود ميزته السكون القاتل

قدّمت صالة “إكزود” الفنية، سنة 2019، معرضا للفنانة اللبنانية هناء عبدالخالق، وقد يكون بدا حينها بالنسبة إلى الكثيرين معرضا تشكيليا يتفنّن في تصوير المشاهد الطبيعية والمدينية المُنعكسة على المرايا المُحدبة، ليُكتشف، بعد سنتين من عرضه، أنه كان معرضا يؤطّر مظاهر وطن هو رهين اختلالات في الرؤية وحبيس اختناق ملوّن وصورة من صور «الغثيان» المميز لوجود جفّت فيه أصول الحركة.

بيروت – أقامت الفنانة والكاتبة والأستاذة الجامعية هناء عبدالخالق في العام 2019 معرضا في صالة “إكزود” البيروتية تحت عنوان “رؤى محدبة”، ضم 29 لوحة مشغولة بمادة الأكريليك.

أعمال جلبت إلى فضائها كل الألوان بزخمها وخفوتها لترسم صورا بعيدة كل البعد عن معاني الألوان الاحتفائية بوجود مُفرح.

أول ما يراه المُشاهد في تلك الأعمال هو انعكاسات المشاهد الطبيعية والمدينية في مرايا مُحدبة غيّرت من معالمها الاعتيادية، وليست على الهيئة التي تظهر بها لو كانت تُرى بالعين المُجردة.

انقلابات بصرية وتشوّهات في المشاهد حضرت بمعان قاسية لأنها، وتحديدا، عكست مشاهد يُفترض أن تكون مُريحة للنفس كالمباني الملونة ذات الشبابيك الواسعة والصيفية المزاج والشوارع المكسوّة بالأشجار الخضراء.

وهمية المشاهد

بيروت من قوة الحضارة إلى دخان الموت
بيروت من قوة الحضارة إلى دخان الموت

لوحات الفنانة عبدالخالق تخاطب العين قائلة “ما ترينه ليس انعكاسا صحيحا للواقع. وإن لذّ لك أن تتجولي في غزارة الألوان وتعدّدها. تذكري دائما أنها حبيسة مرايا مُحدبة تمتصّ النور ولا تردّه. مثلها كمثل الثقوب السوداء في الفضاء. أنصتي يا عين، فأنت لا تسمعين زقزقة العصافير ولا همسات النسائم لأن الألوان الحاضرة في ما ترين ليست لها تدرجات ولا ظلال ندية، حيث إنها لقيت مصرعها تحت ضربة ريشة واحدة”.

في إحدى اللوحات أرادت الفنانة اللبنانية أن تؤكّد على “وهمية” المشهد وعدم إدراك البشر الذين رسمتهم مارين فيه إلى جانب نهر تطفو على سطحه زوارق صغيرة، وهميّة.

أكّدت عبدالخالق على وهمية المشاهد في لوحاتها عبر تأطير الدائرة المُحدبة التي يحضر فيها هؤلاء البشر إلى جانب مشهد النهر، بمشهد آخر يكاد لا يُرى بوضوح لضيق المساحة التي يحتلها. ولكنه مشهد من دون شك أكثر واقعية والتزاما بكيفية رؤية البشر لما يحيط بهم من معالم “واقعية” على الأقل عبر منظارهم الضيق المحكوم ببيولوجيته.

يحار الناظر إلى لوحات هناء عبدالخالق، التي تمتاز بتقنية عالية في تصوير المشاهد على تنوّعها بشكل مُحدب، إن كانت الفنانة أرادت إقامة حوار علمي/ أكاديمي، أو أرادت من خلالها إقامة تحدّ شخصي/ مفهومي مع الأشكال وتعدّد تجلياتها البصرية، أو أنها أرادت في موقع ثالث أن تُكثّف معالم مدينة تحبها ووطن يسكن قلبها في حضن وفي حفظ كرة زجاجية بكماء وغليظة البشرة.

وإن كان ثمة لون ملك في كل لوحات الفنانة، فهو اللون الرمادي/ الرصاصي التي تسكبه وتطليه، وتضعه في معظم لوحاتها. هذا اللون، و”خامته”، إذا صحّ التعبير، يكشف عن حضور أدنى للون وردي مكموم الفاه امتزج به، أي باللون الرمادي حدّ الاعتلال. هذا الرمادي هو اللون الأصدق في معظم لوحات الفنانة، وهو الأكثر إفصاحا عن متاهة الحياة وأفعوانيتها التي يعيشها وطن سجين ذاته وسجين الآخرين.

خواطر مرسومة

الفنانة هناء عبدالخالق تكثّف عبر لوحاتها معالم مدينة تحبها ووطن يسكن قلبها في حفظ كرة زجاجية بكماء وغليظة البشرة
الفنانة هناء عبدالخالق تكثّف عبر لوحاتها معالم مدينة تحبها ووطن يسكن قلبها في حفظ كرة زجاجية بكماء وغليظة البشرة

تكتب الفنانة عبدالخالق على صفحتها الفيسبوكية خواطر ترفقها عادة بلوحاتها، ومنها العديد ممّا عرضته في صالة “إكزود”، خواطر تآلف من بين أفكارها وما ترسم. كتبت “لا يوجد تعريف محدّد للفقير.. ربما هو الإنسان الذي يموت عندما تغلق الدائرة.. الفقر والموت يدوران في دائرة مُبهمة.. العبثية في تشتّت عائلة برؤية مرآة مُحدبة ومُهشّمة الأجزاء متناثرة في أرجاء اللوحة”.

وفي مكان آخر من صفحتها كتبت الفنانة تعليقا على عمل فني لها رسمته من وحي انفجار مرفأ بيروت الفادح الأثر، مشغول بذات فكرة الدائرة المتأرجحة بين أن تكون مُسطحة أو مُحدبة، ويمكن اعتباره كتابة تساهم في ترسيخ انشغالها القلبي بوطنها وبمدينة بيروت “تناسوا بآن المرآة تخزن ما ينعكس على سطحها/ هكذا تحدثّنا الأسطورة/ فبيروت تعكس نجما سيطلع داخلها/ لن يعرف الاستقرار/ إلا عندما تتحوّل الأجزاء إلى طيور جارحة.. تداعبكم مخالبها/ تحملكم بعيدا إلى الأعالي/ لترميكم مجددا دون قرار..”.

ويبقى نص قصير، كتبته الفنانة/ الكاتبة لخّصت فيه رؤيتها لهذا العام الجديد الذي انتهى بتعاظم المآسي وافتتح بجراح جديدة، مشيرا إلى أن الأمل موجود حتى لو كنا لا نثق به “في هذا الزمن الصعب الذي يرتفع كجدار ويتراكم حوله الدمار.. الحب يفتح كوّة فيشرق اللون على لوحة مضيئة بألوان نهار مُشمس يشحن طاقتنا على التعبير.. في العام الجديد سنصمد معا بالحب وباللون وتتوالى التقنيات حتى تسوية الجدار بالأرض”.

والفنانة هناء عبدالخالق إضافة إلى كونها فنانة تشكيلية شاركت في العديد من المعارض داخل لبنان وخارجه، هي أستاذة الفن وعلوم الفن في الجامعة اللبنانية. وصدر لها أخيرا كتاب “فن التجهيز: إشكالية العلاقة بين المبدع والمتلقي” الذي اعتبر إضافة قيّمة إلى المكتبة العربية ومرجعا مفيدا لكل مهتم بمادة الفن، لاسيما المعاصر، والأهم من ذلك أنه كتاب زاخر بالتعابير التقنية/ الفنية التي غالبا ما يصعب على الكُتّاب في مجال الفن أن يعثروا عليها كمرادفات لتعابير أجنبية.

Thumbnail
16