ماذا فعلنا بالثقافات الآسيوية

التجربة اليابانية قد وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا (نحن العرب المسلمين) منها موقف المستورد للأشياء.
الجمعة 2019/03/15
ترسيخ روح التلمذة الجادة في الأمة اليابانية

منذ أكثر من 40 سنة قرأت كتابا صغير الحجم للدكتور يوسف إدريس كتبه عن زيارته لليابان وهو يحمل عنوان “اكتشاف قارة”، وقد دعا فيه المثقفين العرب إلى الانفتاح على ثقافات الشرق البعيد. والطريف في هذا الكتاب أنه قد حفل بعدة نماذج مصغرة تبرز كيف يشتغل العقل الآسيوي بفاعلية واقتدار علمي وجمالي.

وفي السنوات القليلة الماضية جذبتني كتابات الدكتور محمد جابر الأنصاري حول النماذج الناجحة في التجارب الثقافية والحضارية الآسيوية، وفي هذا السياق يكتسي كتابه “العالم والعرب سنة 2000” أهمية بالغة، وأعتقد أنه يستحق أن يكون أحد المشاريع الثقافية والفكرية والتربوية المهمة لبلداننا، لأنه يقدم “نظرات مستقبلية تتصل بالقوى والاتجاهات العالمية الحديثة وتأثيرها على المصير العربي في القرن الواحد والعشرين”.

 لقد استوقفني التحليل الدقيق للدكتور الأنصاري لجذور “التربية اليابانية وخصائصها المميزة”، بناء على هذا يقترح على الفكر العربي القيام بما يدعوه بالإطلالة “الفكرية الجديدة المقارنة” من أجل استيعاب “تجارب الأمم الشرقية، لا من أجل تقليدها، كما قلدنا الفكر الغربي مرارا، وإنما من أجل اكتشاف خصوصية أمتنا في النهاية، وذلك كما اكتشف جيراننا في الشرق الآسيوي البعيد خصوصياتهم، ثم انطلقوا منها لتحقيق النجاح والقوة”.

يشخص الأنصاري خصائص التجربة التعليمية التربوية اليابانية، باعتبارها موقفا فكريا وثقافيا من العصر، مبرزا أن النموذج الياباني في “مجال التربية والتعليم يركز على الخلفية الحضارية والقومية اليابانية” وعلى ترسيخ “روح التلمذة الجادة في الأمة اليابانية بعامة عبر مراحل تاريخها واستعدادها لأن تقف -عندما يتطلب ذلك المصير القومي أو المعترك الحضاري- موقف التلميذ المجدّ من الحضارات والنماذج المتقدمة دون عقد نقص أو استعلاء من ناحية، ودون التفريط في ثوابت الشخصية اليابانية ومقوماتها من ناحية أخرى”.

حسب تحليل الأنصاري فإن اليابان كان لها موقف من الحضارة الصينية قديما، ومن ثمّ أعادت الكرة ووقفت موقف التلميذ المجدّ من الحضارة الغربية الحديثة. إن هذا الموقف الثقافي التربوي قد جعل التجربة اليابانية ترى العالم الخارجي ليس مجرد خرائط وعلاقات دبلوماسية، بل “كمدرسة واسعة، مدرسة لا تفرض مناهجها وأفكارها على الطالب، وإنما الطالب هو الذي يختار من علومها ومعارفها وتجاربها ما يشاء وكيف يشاء”.

في هذا السياق لإضاءة عناصر المثاقفة اليابانية الإبداعية مع التجارب الثقافية والتعليمية المتطورة، يورد الدكتور الأنصاري عبارة للمفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي التي تقارن بين الموقف العربي والموقف الياباني من الغرب، ومن الحضارة الحديثة ككل، والتي جاء فيها أن التجربة اليابانية قد “وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا (نحن العرب المسلمين) منها موقف المستورد للأشياء”.

15