ما أجمل راتبك حبيبتي

الغنج والدلال فاضا عن المرأة فتزحلق بهما الرجل بسبب ثقته العمياء بأنه مطلوب في سوق قَلّت فيها أعداد الرجال على حساب أعداد الإناث، وقلّ فيها عدد الرجال مقارنة بأعداد الذكور، فهل المال قادر فعلا على بناء الأسر حتى تتحقق السعادة بالبنين.
الثلاثاء 2019/06/25
أحب أن أتزوج وأكمل نص راتبي

قيل في المال الكثير من المآثر والمساوئ، لكن تبقى الآية الكريمة “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، هي الحجة الدامغة التي يستهلكها البعض لتبرير فكرة البحث عن شريك قادر ماديا.

هذه الصفة الإلزامية باتت حلم الرجل العربي أكثر من بناته، فالفتيات الحالمات المتأثرات بالقصص التي تجمع الفقيرة البائسة في نهاية المطاف بفارس مغوار أو أمير وسيم، صارت من الماضي البعيد، لكن مع تحوير كبير جعل الأغلبية الساحقة ترى في شريكة الحياة أمرين لا ثالث لهما إما أن تكون مشروعا ناجحا والمقصود موظفة، وإما مشروعا فاشلا -طبعا لا يمكن أن تشفع لها حزمة الشهائد مهما ازدادت قيمتها العلمية- إن كانت عاطلة عن العمل.

ومن باب التندر بما آلت إليه العلاقات اليوم انتشرت على الصفحات الاجتماعية العديد من النكت شدت انتباهي هذه “أنت موظفة؟.. نعم لماذا تسأل؟.. لأنني أحب أن أتزوج وأكمل نص راتبي”، إنها قمة الرومانسية الحديثة!

لكن هذا الأمر ليس بجديد على الإطلاق فهو بدأ يجتاح المجتمعات منذ زمن حتى بات مخيبا لكل آمال “العوانس″ كما تستلذ بلدانهن بتسميتهن، فصرن يخيرن هذه العنوسة على الزواج؛ رأس مال نجاحه راتبهن الشهري أو بالأحرى مدى قدرتهن على تحصيل المال.

أما ما يمكن اعتباره إلى حد ما جديدا فهو اختيار زوجة جديدة وفقا لمقاييس الزوجة القديمة، والمال لا يهم مقابل إيجاد المؤسسة المناسبة القادرة على الخروج بهذا المزيج البشري الحي إلى الواقع عبر دمية آلية، حيث عمد مليونير، وفقا لخبر ورد بصحيفة ديلي ميرور، إلى إرسال رسالة لإحدى الشركات المختصة في صناعة الدمى الجنسية.

وكان فحوى رسالته خلق نموذج يحاكي مواصفات زوجته السابقة تماما والتي كانت انفصلت عنه قبل 35 عاما، مبررا طلبه بأنه لا يمكنه قبول فكرة مقابلة امرأة أخرى والعيش معها، مشيرا إلى أنه يخشى من أن تطمع النساء الأخريات في أمواله فقط.

بالنهاية فإن هذا المليونير يخشى أن يطمع في ماله وليس جماله وأخلاقه، فكر أن الحل حتى يتخلص من مكبوتاته الجنسية يكمن في شراء متعة افتراضية تقدمها امرأة خالية من المشاعر والحواس البشرية، لكنه أغفل أنه سيدفع الكثير مقابل ذلك دون أن ينال إلا النزر القليل، أما كان أولى له أن يحاول إيجاد شريكة مناسبة مسقطا احتمالات الطمع هذه أو يصالح زوجة لا يزال يراها الأنسب له؟

في المقابل يرى نظيره العربي أن المرأة بحاجة إليه لتقهر شبح العنوسة وتختطف في سنين عمرها الآفلة طفلا تنكب على رعايته ولا يهم أن تحمل لقب مطلقة في ما بعد، والأهم بالنسبة لهذا الرجل أن يسرق منها مقابل تعبها الشهري بحجة مساعدته على تجاوز متاعب الحياة الزوجية ومسؤولياتها التي أُرهقت واستنزفت بسبب الارتفاع المستمر للأسعار، قد تكون هذه الصورة طبيعية جدا، لكنها تصبح كارثية حين يجلس الزوج بلا عمل منتظرا نيل مال زوجته دون كلل ولا ملل وما أكثرهم في هذا العصر.

للأسف الكثيرات وقعن في شراك الكلام المعسول ودفعن بعد ذلك كل مليم متخلد بذمتهن كمستحقات لقاء صبر شركائهن على صيد الغنيمة، لكن هناك من صار يطالب بثمن هذا العسل دون تضييع للوقت والمجهود، حيث يسقط منه القناع سريعا من أول لقاء متحججا بوجود توافق يسمح للطرفين بكسر حواجز من يدفع ثمن القهوة مثلا.

ولم يعد يجد بعض الشباب المقبلين على الزواج حرجا من أن تقود المرأة العلاقة في الأماكن العمومية وتعزم عليه وتستخرج حقيبتها لنقدِ النادل، ولم لا تترك بعض البقشيش له كإكرامية ترفع من هيبة جليسها، وهنا يصح قلب المثل التونسي القائل “النعجة تفخر بألية الكبش” رأسا على عقب ليصبح “الكبش يفتخر براتب النعجة”!

الغنج والدلال فاضا عن المرأة فتزحلق بهما الرجل بسبب ثقته العمياء بأنه مطلوب في سوق قَلّت فيها أعداد الرجال على حساب أعداد الإناث، وقلّ فيها عدد الرجال مقارنة بأعداد الذكور، فهل المال قادر فعلا على بناء الأسر حتى تتحقق السعادة بالبنين مستقبلا؟

ومن يدري قد تصبح فكرة ذلك الشاب الياباني، يويتشي إشي، الذي أطلق خدمة “تأجير الأسرة” والتي اكتسبت شعبية كبيرة في اليابان، قدرا عربيا صرفا ليصبح الحصول على عائلة وأصدقاء رهن الإيجار! لأن هناك رجالا ذهب في ظنهم -بعض الظن إثم- أن كل النساء سواسية لا همّ لهن إلا الزواج لكنهم أخطأوا التقدير لسبب هام وهو أن أغلب الفتيات اليوم متحررات أكثر من أي وقت مضى من البكاء على قيود الزواج وتبعاته، مستبدلات ذلك باللهث وراء الوجه المشرق من الحياة فما دمن سيصرفن رواتبهن فليكن من أجل سعادتهن لا من أجل شراء رجل.

21