ما الذي يجعل الإسلام السياسي كفرا؟

السياسة لا تدّعي الدين وإنما تخدمه بترسيخ منظومة القيم.
الاثنين 2020/12/07
دينك شيء يخصك

يجرؤ إسلاميو السياسة على أن يكفّروا الناس. ذلك جزء طبيعي من مناهجهم. ولكن، ألا تراهم، هم أنفسهم، يكفرون؟ الربط بين الإيمان بدين وبين أي عقيدة سياسية، أو حزب أو جماعة أو تنظيم أو حتى وجهة نظر، إنما يجعل لله موازيا.

لنفترض أن الإيمان بدين هو (س)، وأن الإيمان بعقيدة سياسية أو أيديولوجية هو (ص)، وعندما تربط بينهما، فكأنك تقيد الأول بالثاني، وهو ما لا يجوز، لكن المعادلة يمكن أن تكون (س) + (ص) = (ع). وأنت تفترض أن (ع) تعني خير البشرية. ولكنك تعرف من الأساس أن (س) مُعامل ثابت. تلك هي طبيعة الإيمان، بينما (ص) مُعامل متغير، فهل يمكن للنتيجة في هذه المعادلة أن تكون (ع) على الدوام؟ مستحيل طبعا. لماذا؟ لأنك تجمع بين شيئين يؤدي كل منهما غرضا مختلفا. وعندما يكون الأول ثابتا، فإن ما يلحق به من الثاني من المتغيرات يؤدي في النهاية إلى تحريك ثباته، أو تبديله، أو تغيير أغراضه. وهذا ما لا يليق. ولو لجأت إلى أن تستخدم مناهج التكفير ذاتها، فهذا كفر.

هذا هو أحد أهم الأسس التي تستند إليها الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة.

السياسة أغراض شتى، وهي متنازعة ومتفاوتة ونسبية بطبيعتها، يصح فيها هنا، ما قد لا يصح فيها هناك. وما أن يتم توظيف المتعالي فيها، فإنه يُصبح جزءا من تفاوتها وتنازعها، لتهبط به إلى ما دون جلاله وشموله ومطلق شأنه.

إذا صح القول إن النسبي يتعين أن يخدم المطلق، فليس للمطلق أن يخدم النسبي. وفي ذلك ما يعني أنه بينما يمكن للسياسة أن تخدم الدين، فليس من شأن الدين أن يخدم السياسة، ولا أن يكون غطاء أو تبريرا لها، ولا أن يكون مرتبطا، ارتباط جزم وشرط، بها أو بتنظيم من تنظيماتها. وبحسب مناهج التكفير تلك، فهذا “شرك”. أي أن تشرك بعقيدة الإيمان إيمانا آخر.

كيف يمكن للسياسة أن تخدم الدين؟

الفصل بين الدين والسياسة، هو بالأحرى فصل بين الإيمان الفردي وبين الإدارة الاجتماعية في توجهاتها المختلفة

إنها تخدمه عندما تقاربه من ناحية القيم. وبما أن السياسة من شؤون إدارة المصالح الاجتماعية، فكلما اقتربت هذه الإدارة من تحقيق القيم العليا للدين (من قبيل العدل والمساواة والتضامن الاجتماعي وصون حقوق الأفراد) فإنها ترفع من شأن الدين من دون أن تدعيه، لكي تحافظ على المسافة الواجبة بينها وبينه. ولهذا السبب، قال رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873) عندما زار فرنسا، إنه رأى هناك “إسلاما من دون مسلمين”. لقد رأى قيما ترتقي إلى قيم الدين؛ كل دين. ولكن لماذا لا يمكن للدين أن يخدم السياسة؟

أولا، لأنها وجهات نظر في تسيير الشؤون الاجتماعية. الاشتراكية، كعلاج لبعض المشكلات، تقول شيئا على سبيل المثال، بينما تقول الرأسمالية شيئا آخر. وثانيا، لأن الدين إيمان غير قابل للجدل، وهو فردي إلى أبعد الحدود، بينما السياسة قناعات قابلة للجدل، وهي شأن اجتماعي إلى أبعد الحدود.

وعندما عاد الطهطاوي إلى مصر، ورأى الإسلام بمعناه الاجتماعي غائبا، قال “رأيت مسلمين من دون إسلام”. بمعنى أنه رأى أناسا يصومون ويصلون، ولكنه لم ير قيم العدالة والمساواة سائدة في المجتمع.

ولكن هل الفصل بين الدين والسياسة، هو فصل بين المسلمين الأفراد والإسلام الاجتماعي؟

بالقطع لا. “الإسلام الاجتماعي” مثل “الديمقراطية المسيحية”، هو نظام قيم عليا، يتعين على السياسة أن تدير شؤون المجتمع بحيث تقترب منه، بحلول أرضية لمشكلات أرضية. أما السياسة بحد ذاتها، فإنها هذا الطريق أو ذاك أو أي طريق ثالث أو رابع. ولا أحد فيها يحق له أن يقول إنه هو ما يمثل الدين دون سواه. ولا أن يستخدم الدين في ترويج بضاعته الفكرية. بمعنى ألا يجعل من الله دعاية انتخابية لصالحه. وعندما يخوض السياسي حملته الانتخابية، فمن المعيب أن يستخدم آيات من القرآن، أو أن يذهب إلى الكنيسة ليصلي، من أجل أن يخدع مناصريه، بأن رأسماليته، أو اشتراكيته، نازلة في كتاب مبين.

وعندما كان يقال “الدين لله، والوطن للجميع”، فمن أجل القول إنه بينما يمكن للأفراد أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا، فإنهم يفعلون ذلك في العلاقة بينهم وبين ربهم. في حين أن الأوطان يتعين أن تكون في خدمة كل المواطنين، آمنوا أم كفروا على حد السواء، لأنها تنظر إليهم كوحدات اجتماعية، ولأنها تشتغل كإدارة لمصالح المجتمع، ولا يحق لها أن تميز بين فرد وآخر، على حسب إيمانه، بل حسب التزامه القانون ودفع حصته من الضرائب لخدمة المجتمع الذي يعيش في كنفه. الإيمان جذوة لا يدركها القانون، ولا يحق لأحد أن يحكم فيها على أحد، طالما لم يعرف الإنسان ما في قلب الإنسان الآخر، أو ما إذا كان سيهتدي ذات يوم.

خيط رقيق يفصل الدين بالسياسة
خيط رقيق يفصل الدين بالسياسة

الفصل بين الدين والسياسة، هو بالأحرى فصل بين الإيمان الفردي وبين الإدارة الاجتماعية في توجهاتها المختلفة. بمعنى، لا يهم أن كم أنك مسلم أو مسيحي أو يهودي جيد، فهذا شأنك مع ربك، ولكن يهم المجتمع أن يفاضل بين هذا التوجه أو ذاك، وأن يجرب هذا السبيل اليوم، ليجرب سبيلا آخر غدا.

السياسة هي اختبار للتجارب، ولهذا السبب فإن الانتخاب ضروري للمفاضلة في ما بينها. أما العلاقة مع الله، فإنها ليست موضوعا للتجارب، ولا للترشيح لمناصب، ولا يصح أن تتم دعوته للمشاركة في الانتخابات.

الأحزاب التي تدعو الله للمشاركة في الانتخابات، وتستخدمه في دعايتها الانتخابية، وتبيع مظاهر التدين، إنما تستغله لغاياتها الخاصة، وهي تدّعيه للتغطية عليها.

بمعنى آخر، صليت أم لم تصل؛ طالت لحيتك أم لم تطل، فعليك أن تقول لي: من أين ستأتي بالمال لرفع مستوى الرعاية الصحية، وتطوير التعليم، ومعالجة مشكلات التضخم والبطالة والفقر. وبصراحة، دينك لا يهمني، وصلاتك لا تُغنيني، إذا كنت لا تقدم جوابا قابلا للمساءلة والتدقيق على تلك المشكلات. وإذا حاولت أن تبيع عليّ صيامك وطول لحيتك، من أجل أن أنتخبك، فهذا لأنك تستخدم شيئا لتحقيق آخر. ولأنك تحاول أن تستغبي الناس، بما تعرضه من بضاعة لا تقصدها هي بذاتها.

دينك شيء يخصك. وطالما أن عبادتك لا تشفع لأحد يوم الشفاعة، فضعها في ميزانك، ولا تستعرضها للناس استعراض تاجر يبيع بضاعة عليهم. أما المجتمع فله ميزان آخر هو ما تضع فيه من عموم الخير ومراعاة المصالح العامة. ذلك أقرب إلى الدين، من دون أن يكون جزءا من تجارة خاصة، تميل به في اتجاه سياسي دون آخر.

عندما يكون الفقر مشكلة، وتعالجها بحلول رأسمالية، فذلك لا يجعلك مسلما أكثر أو أقل من ذاك الذي يحاول أن يعالجها بحلول اشتراكية. وبينما أن إسلامك شيء يخصك، فإن حلولك الاجتماعية شيء يخص الآخرين. وعندما تخلط بينهما لتبيع هذا بذاك، فأنت تنافق.

الإسلاميون، من أهل النفاق ذاك، الذين يرفضون دعوة الفصل بين الإيمان الفردي والإدارة الاجتماعية، يستندون إلى حجة تقول إن الدين، الإسلام خاصة، ليس مجرد دعوة إلى التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر، لأنه نظام تشريعي ومعاملات تتعلق بمجمل حياة الناس. وهذا حق. ولكنه من نوع الحق الذي لا يُراد به إلا الباطل.

العقائد السياسية، كلها، هي في النهاية اجتهاد فكري أو فلسفي. إنها رؤية محددة لما يُفترض أنه الطريق الأصوب لخير المجتمع. انظر في كل العقائد والأيديولوجيات وسترى أنها منظارٌ يُحاول أن يُضفي على الواقع لونه الخاص. الدين ليس كذلك. القواعد التشريعية في الدين، ليست فيها سياسة. إنها ليست وجهات نظر. الحرام فيها حرام. وهو واضح. وكل الباقي حلال (الأصل في الأشياء الإباحة). ونقطة رأس السطر.

السياسة في الدين إنما تبدأ من التأويل؛ من تحميل النص ما قد لا يحتمله، أو يُزيد عليه، أو يخلع عليه معنى آخر، أو يخرج به عن سياقه، أو يتعمد أن يغفل النظر عن دوافعه وأسبابه أو مقاصده القيمية. وهذا شيء، والقواعد التشريعية شيء آخر.

الجماعات السياسية الإسلامية كلها، قاطبة، تكفر الناس، لأنها تنظر إليهم من زاوية دون أخرى، ولأنها تحاكمهم وتضع نفسها في موضع الله وتقضي بما تتصوره على ما في قلوبهم.

ولقد رأينا من هذه الجريمة الكثير. ويعرف معظم الناس أنها تناقض نصوصا صريحة في القرآن الكريم.

أحد أهم وجوه المفارقة، بين الإسلام وبين جماعات السياسة فيه، هي أنه بينما الإيمان شأن فردي، فإن إيمانهم جماعي. وهذا ما يوفر لهم التبرير بأن الخروج على جماعتهم كفر، بما في ذلك جماعات الإسلام السياسي الأخرى. أي أنهم يكفرون الناس، بمقدار ما يكفرون بعضهم بعضا.

الله لا يُحاسب الأمم، ولا الشعوب، ولا المجتمعات، في يوم الحساب. إذ كلٌّ يأتي إليه فردا. بينما هم يحاكمونها جمعا ويطلقون عليها ما شاءوا من أوصاف التجريم.

النظر إلى الأديان الأخرى، هو نفسه نظرٌ ممسوس بالتكفير. “الدين عند الله الإسلام”. أليس كذلك؟ ومعناه هو أن الله لم يرسل إلى البشرية إلا دينا واحدا. وكل أنبيائه مسلمون. ولكن انظر كيف تم توظيف هذا النص. لقد أصبح المسيحيون واليهود كفارا، لأنهم ليسوا مسلمين بالمعنى الذي يخصنا نحن. بينما هم، على وجه الحقيقة، مسلمون، كائنا من كان الرسول الذي اتبعوه.

ما حصل هنا، هو أن ذلك النص، عندما أصبح جزءا من منظور سياسي خاص، فقد تحول معناه من إشارة إلى أن كل الأديان السماوية هي إسلام، إلى إشارة تجيز تكفير وتجريم اليهودي والمسيحي وكل الديانات الأخرى لأنها لم تأخذ بما نأخذ به نحن.

بالنظر إلى مجتمعات هذه الأديان، بصفتها كمجتمعات، فقد أصبح من الجائز لكل “مؤمن” من هذا النمط، أن يرتكب جريمة قتل في أي فرد، وهو لا يعرف من يكون، أو ما مدى إيمانه، أو ما إذا كان الله سبحانه راضيا أو غير راض عنه. كما أنه لا يقبل بحقيقة أن الحكم لله في النهاية، وليس لأي أحد، بحسب نص لا جدال فيه.

السياسة التي تتخذ من الدين برهانا لنفسها، إنما تحوله إلى وجهة نظر وتبرر التناحر فيه. وهذا شيء، والدين شيء آخر

المفارقة، إذن، إنما تنشأ من عقيدة موازية. من شيء يوضع فوق شيء آخر. من وجهة نظر توضع فوق التشريع الإلهي، فتوظفه لخدمتها، وتسعى لتبرير جرائمها بنصوص وضعت خارج سياقها أو خارج مقاصدها، أو أُعطيت معنى مختلف. كلٌّ بحسب ما يأخذ به من تأويل.

السياسة وجهة نظر. الدين ليس كذلك. والقواعد الشرعية لا تحتاج حزبا، لأنها من الوضوح بما يكفي، كما لا تحتاج متحزبين، لأن الحكم على الأفراد فيها لله وحده. والله لم يوكل لأحد أن يتكفل بحساب أحد نيابة عنه، أو قبل الموعد.

لو كان الله يريد حزبا، ما كان ليعجز عن ذلك. ولو شاء أن يجعل كل الناس مؤمنين، لفعل، ولكنه أرادهم مختلفين. بل ؟إنه سبحانه، خلق الإنسان الفرد وقد أهداه النجدين، لينظر في ما اختلفت فيه نفسه، فيختار، فما بالك بالمجتمع.

يُلفت انتباهك أن أعضاء تلك الجماعات يظهرون كمؤمنين. يؤدون الفرائض خاصة، إلا أنهم يفعلون ذلك، كجزء من وجهة النظر، أو يقدمون فرائضهم كتأكيد على صدق وجهة النظر تلك، أو للتظاهر بالإيمان بين الناس. ومن ثم، ليبيعوا شيئا من أجل آخر، وما أن يفعلوا ذلك حتى تتحول فرائضهم إلى شرك. إذ يُشركون بغرض الإيمان غرضا آخر. ولا يعني ذلك سوى أنهم يقلبون الإيمان على وجه غير وجهه، ويجعلونه تابعا لغاية ليست غايته.

تنظيم الإخوان المسلمين، هو أول جماعات الإسلام السياسي التي وضعت فوق غرض الإيمان غرضا آخر.

عندما كان حسن البنا يأخذ البيعة من أعضاء جماعته، فإنه كان يضع المسدس فوق القرآن في غرفة مظلمة. وهم إلى اليوم يفعلون. ليكتسب إيمانهم طابعا مافياويا، وليجيز لهم أن يضمروا غير ما يعلنون.

يؤدون الفرائض ليس لنفسها، وإنما ليقولوا إن طريقهم هو الطريق الوحيد، بكل ما يعنيه من مسدسات وأعمال قتل وتكفير.

السياسة التي تتخذ من الدين برهانا لنفسها، إنما تحوله إلى وجهة نظر. وتبرر التناحر فيه. وهذا شيء، والدين شيء آخر. إنها فساد في الدين والسياسة معا. ليس لأنها تضع الدين في غير قالبه، فتخلط الحابل بالنابل، بل لأنها لا تعطي أيهما حقه، ولا تدفع به في الاتجاه الذي يعنيه. الدين للأفراد، والسياسة للمجتمع. والغاية التي ظل يقصدها التشريع، هي أن يجعل القيم الفردية قيما مؤسِسة للقيم الاجتماعية. وبينما يحكم الله على خلقه، أفرادا، فإنهم هم الذين يحكمون مجتمعهم، ويتدبرون شؤون دنياهم فيه.

عندما يُصبح الجمعُ بين (س) و(ص) جمعَ شرط وتلازم وقيد دونه التكفير، فإن (ع) فاسدة على الوجهين، ولا تقصد إلا الهدم والتخريب. وهو ما لا تُخفيه جماعات الإسلام السياسي، ولا تناور فيه. ومن ثم تبرر قتل الأفراد بجريرة مجتمعاتهم أو حكوماتهم أو أحزابهم الأخرى. وكأن الله ما قال لهم “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، خمس مرات، وظلوا لا يفهمون.

13