متحف النسيج يطرّز تاريخ مصر على الأقمشة والحرير

المتحف الأول من نوعه في الشرق الأوسط والرابع في العالم المختص بالنسيج يفتقر إلى أبجديات الدعاية الإعلامية والسياحية للتعريف بمقتنياته ونشاطاته وفعالياته.
الجمعة 2019/05/17
حروف النول تخبرنا عن الحياة الاجتماعية القديمة

القاهرة – يحوي متحف النسيج المصري في شارع المعزّ بالقاهرة كنوزًا فنية لا تقدر بثمن، هي تلك القطع السحرية من أقمشة الحرير والقطن والكتان والديباج والصوف، التي تروي تاريخ مصر وتشهد على تفوق قوتها الناعمة عبر العصور الفرعونية والرومانية والقبطية والإسلامية.

تزامنا مع حلول شهر رمضان يزداد التوافد على المناطق والمزارات التاريخية في القاهرة الإسلامية، سواء من المصريين أو من العرب بصفة عامة أو من الأجانب، وتنتعش الحياة بشكل كبير في الحسين والأزهر وشارع المعزّ لدين الله الفاطمي، وتنعقد النشاطات الفنية والثقافية والشعبية والحفلات الساهرة بالقرب من الآثار والمعالم التي تحمل عبق الحضارة ورائحة “مصر المحروسة”.

انتهز متحف النسيج المصري الكائن في شارع المعزّ وسط القاهرة هذه الفرصة الذهبية، ليعلن عن ساعات عمل إضافية على امتداد مساءات شهر رمضان الجاري، أملًا في تحقيق انتعاشة سياحية، ورفع معدلات الزيارة لمطالعة مقتنيات المتحف النفيسة، وهي مبادرة طيبة، أسهمت بالفعل في الترويج بقدرٍ مَّا للمتحف الأول من نوعه في الشرق الأوسط المختص بالنسيج، والرابع في العالم، على أن إدارة المتحف المتكلسة وعقليات موظّفيه الحجرية لا تزالان بحاجة إلى المزيد من الانفتاح، وتغيير الآليات البيروقراطية.

أقمشة المتحف ونماذجه تحكي تاريخ مصر منذ الآلاف من السنين
أقمشة المتحف ونماذجه تحكي تاريخ مصر منذ الآلاف من السنين 

من خلال ساعات العمل الليلية، وتنظيم العديد من الورش والنشاطات الفنية والاجتماعية للصغار والكبار على حد السواء، بدا المتحف مختلفًا منذ بداية شهر رمضان، فقد اكتسى بالأضواء والزينات وحيوية شارع المعزّ الذي يقع فيه، وتحوّل بعض قاصدي القاهرة الإسلامية ومعالمها إلى زوّار للمتحف ومشاركين في فعالياته، التي جاءت موازية للفعاليات الفنية والثقافية المتنوعة المقامة في مزارات المنطقة المختلفة بالتنسيق بين وزارات الثقافة والآثار والسياحة.

هذا الدور المجتمعي للمتحف، الذي يحلم المسؤولون بتنميته، بالإضافة إلى الترويج الإعلامي والسياحي له، أمر محمود من حيث المبدأ، وقد أسهم حلول شهر رمضان في قطع خطوة إيجابية في هذا المسار، وإن كانت مشوبة بأساليب الإدارة النمطية، التي يجب تجاوزها، للوصول بالمتحف إلى ما يستحقه من فرادة وتميز.

تفوق نوعي وبيروقراطية

منذ تأسيسه في عام 2010 -ضمن خطة تطوير القاهرة التاريخية في منطقة الجمالية- راهن متحف النسيج المصري على الإطلالة النوعية، وهذا هو سر تفوقه؛ فهو الأول من نوعه بالمنطقة المتخصص في النسيج، إذ تقتصر مقتنياته بالكامل على المنسوجات التاريخية الأثرية من عصور مختلفة تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، ومن خلال تحليلها وقراءة متونها وشروحها، يمكن رسم خارطة زمنية وجغرافية لوجه مصر وحياة أهلها.

المتحف يأمل في رفع معدلات الزيارة لمطالعة مقتنيات المتحف النفيسة
المتحف يأمل في رفع معدلات الزيارة لمطالعة مقتنيات المتحف النفيسة

هذه الفكرة النوعية متحققة بالفعل في مقتنيات المتحف، التي تمثل ثروة قومية حقيقية، بالإضافة إلى القيمة الجمالية والأثرية للمكان التاريخي، إذ يقع المتحف في “سبيل محمد علي” والمنشأة التعليمية الخيرية بمنطقة النحاسين في شارع المعزّ، بالقرب من حي “بين القصرين”، ويمثل المكان ببنائه الممتد في طابقين وحجراته وبواباته ومشربياته تحفة هندسية تلخص جماليات التشكيل المعماري الإسلامي الرفيع، ويعود البناء إلى محمد علي باشا الكبير، الذي أمر بإنشائه في عام 1828 ترحُّمًا على روح ابنه المتوفى في السودان.

لم تحسن إدارة متحف النسيج تفهّم وتفعيل واستثمار تفوقه “النوعي”، فهي شغوفة بالمعلومات والبيانات الكمية والإحصائية عن أعداد القطع وحشدها الكمي في عدد محدود من القاعات، مصنفة بحسب العصور التاريخية. ويفتقر المتحف إلى أبجديات الدعاية الإعلامية والسياحية، للتعريف بمقتنياته ونشاطاته وفعالياته في وسائل الميديا التقليدية، والإلكترونية، فضلًا عن بؤس مطبوعاته التعريفية من كتيبات وبروشورات وأسطوانات مدمجة، وتعذر إتاحتها في الكثير من الأحيان بسبب تكاسل الموظفين وعدم إدراكهم لمتطلبات عملهم.

الطريف أن المتحف من خلال صفحته المتواضعة على الفيسبوك يسرد على نحو تفصيلي مخططات وزارة الآثار من أجل الترويج للمتحف إعلاميًّا وسياحيًّا وجماهيريًّا بتطوير الأداء واستحداث طرق مبتكرة للدعاية والتعريف بالمتحف ومقتنياته وحث المواطنين على زيارته بأسلوب مشوق، في حين أن الصفحة ذاتها لا تقوم بأي شيء.

من ذلك أنها تكتفي، للتواصل مع الجمهور والمهتمين والإعلاميين، بإثبات عنوان المتحف وخارطة الوصول إليه.

في حالة زيارة أي فرد للمتحف، ولو كان إعلاميًّا، فإنه يفاجأ بسلسلة من المعوقات والإحباطات الإدارية المفجعة، بداية بسوء الاستقبال والإهمال، مرورًا بضعف مستوى المطبوعات والخدمات المعلوماتية، وصولًا إلى منع الصحافيين من تصوير مقتنيات المتحف، مع أنها متاحة لكاميرات الهواتف النقالة في أيدي الجمهور العادي، مقابل رسوم زهيدة.

لا تُعنى إدارة المتحف كذلك بوضع برامج محددة للنشاطات والفعاليات، والإعلان عنها بدقة قبل انطلاقها بوقت كافٍ، لتحظى بالإقبال المنشود، والمدهش أن الإدارة المتقاعسة عن أداء دورها كثيرا ما تجاهر بالشكوى من ضعف موارد المتحف، مع أن المتحف لا يقدم أية خدمة مجانية لزوّاره من المصريين والعرب والأجانب، فهناك تذاكر للدخول، ورسوم مالية في مقابل أية خدمة أخرى كالتصوير أو طلب الكتالوغات و”السيديهات” والكتب والنماذج والتماثيل الأثرية (طبق الأصل)، وما إلى ذلك.

قصة العبقرية الاستثنائية
قصة العبقرية الاستثنائية

يُذكر أن متحف النسيج يتبع قسم المتاحف الكبرى، ضمن منظومة قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة الآثار، ويعمل في المتحف أكثر من مئة موظف وإداري وأمين في عدد محدود من الساعات النهارية، في ما عدا شهر رمضان، الذي يشهد هذا العام نشاطًا إضافيًّا في المساء إلى ما بعد منتصف الليل.

أقمشة التاريخ والحضارات

تبقى مقتنيات المتحف كقيمة بحد ذاتها، هي القصة العبقرية الاستثنائية، التي تُكسب المكان وجوده الناصع ومكانته البرّاقة في خضم هذا الغبار. وتحكي أقمشة المتحف ونماذجه تاريخ مصر منذ الآلاف من السنين، حيث اشتهرت البلاد عبر العصور بإتقان صناعة المنسوجات والارتقاء بها لتكون الأفضل في العالم.

تنتمي المئات من القطع الفريدة والنادرة في المتحف إلى عصور مختلفة، وقد جرى تصنيفها في أكثر من عشر قاعات في المتحف بحسب المرحلة التاريخية، فهناك النسيج الفرعوني (الذي يعود إلى أكثر من ألف عام قبل الميلاد)، والبطلمي (323 ق.م – 30 ق. م)، والروماني (30 ق.م – 325 م)، والقبطي المسيحي (325 م – 641 م)، والإسلامي الأموي والعباسي والطولوني والفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني، وكذلك منسوجات الدولة الحديثة التي بدأت مع عهد محمد علي في بداية القرن التاسع عشر، وصولًا إلى عصرنا الراهن.

المتحف لا يقدم أية خدمة مجانية لزوّاره من المصريين والعرب والأجانب
صناعة تتطلب اتقانا وحرفية عالية

يستخدم المتحف تقنية الغرافيك، لتقديم شرح أولي مبسّط للقطع المعروضة والعصور التي تنتمي إليها، والأدوات الصناعية الأثرية والقوالب الخشبية، كما يستخدم آلية “الديوراما” للعرض من خلال الأنوال والخيوط لتوضيح صناعة الغزل والنسيج بشكلها القديم، ويضم من بين مقتنياته نماذج تاريخية من “كسوة الكعبة”، التي كانت تُشغل وتُطرز بالسيرما في دار الكسوة بمنطقة الخرنفش في حي الجمالية.

تتنوع خامات المنسوجات بين الكتان والقطن والحرير والصوف والديباج، بحسب المرحلة التاريخية، ولا تزال المنسوجات من ملابس وقفافيز وغيرها محتفظة بهيئاتها وألوانها الزاهية رغم مرور آلاف السنين على بعضها، وقد كانت المنسوجات والملابس من ضمن منظومة الهدايا المتبادلة بين ملوك مصر الفرعونية ونظرائهم في ممالك العالم القديم.

يتسم كل عصر تاريخي مرت به مصر بخصوصية في منسوجاته، ففي العصر الفرعوني انتشرت منسوجات الكتّان الناعمة، العادية والوبرية والمطرزة والمحلاة بالذهب، وفي العصر البطلمي انتشرت الأغطية والوسائد والخيام والمعلقات المنسوجة بأحجام ضخمة، وشهد العصر الروماني مصانع النسيج الملكية بالإسكندرية وعمليات النسج والتطريز التي كانت تمتهنها النساء على وجه الخصوص.

وفي المرحلة القبطية امتزجت الموروثات الشعبية بالفنون النابعة من العقيدة المسيحية، وظهرت المنسوجات المحلاة بالزخارف والنقوش، وبالرموز الروحانية والرمزية والتجريدية، وتطورت صناعة المنسوجات في العصور الإسلامية والحديثة، واستخدمت الخطوط العربية المتنوعة في تشكيل النسيج الذي أقيمت له مصانع خاصة عرفت بـ”دور الطراز″، بمعنى “الكتابة على النسيج والورق”.

20