متلازمة الطفل الأوسط تهدده بفقدان الثقة في النفس والانفصال عن الوسط الأسري

ضعف العلاقة بالأهل تجعل الطفل الأوسط يلتجئ إلى الإخوة والأخوات عوض الوالدين.
الأحد 2021/01/17
ضرورة ايلاء الإخوة نفس القدر من الاهتمام 

يؤكد علماء النفس على أن فقدان الوالدين لمهارات التعامل مع أطفالهم على قدم المساواة يصيب الطفل الثاني بما يعرف بمتلازمة الطفل الأوسط، الذي لا يجد الاهتمام المخصص للطفل الأكبر، ولا الحنان المغدق على الطفل الأصغر. ويشير علماء النفس إلى أن علاج “متلازمة الطفل الأوسط” يتمّ داخل الأسرة التي تحرر الطفل من أحاسيسه السلبية ما يجعله شخصا سويا.

لا يتوفر للوالدين اللذين لهما أكثر من طفلين الوقت ولا الدراية الكافية للعناية بهم على قدم المساواة. وعادة ما يفتقد الوالدان إلى مهارات التعامل معهم بالعدل فيمنحان اهتماما كبيرا للطفل الأكبر في حين لا يلقى الطفل الأوسط نفس الاهتمام، سواء منهما أو من بقية أفراد الأسرة كالجد والجدة، ما يتسبب في انفصاله عن المحيط الأسري وإلحاق الأذى بنفسيته فيصاب بمتلازمة الطفل الأوسط، وفق ما تؤكده الدراسات العلمية.

وتشير إحدى الدراسات التي أجريت على عينة مكونة من أكثر من 350 طالبا جامعيا إلى أن الأولاد المتوسطين تكون علاقتهم بالأهل ضعيفة.

ووجه القائمون على الدراسة سؤالا لعينة البحث عن الشخص الذي يلجأون إليه عند طلب المساعدة، هل هم الآباء أم الأشقاء؟ وكانت إجابات الأبناء البكر وغيرهم، أنهم يلجأون إلى الأم أو الأب، في حين أن الأبناء المتوسطين اختاروا الإخوة والأخوات، واعتبروا كذلك الأصدقاء جزءا مهما من حياتهم بشكل أكبر من الأبناء البكر.

وفسّر القائمون على الدراسة هذا الأمر بأن الأبناء المتوسطين ربما قضوا وقتا أقل مع والديهم، وهو الأمر الذي ينعكس عليهم بأنهم أقل قربا منهم.

وأكدت الدكتورة هبة الشهاوي، أستاذة الطب النفسي بكلية الطب بجامعة عين شمس، أن الطفل الأوسط يكون عُرضة لهذه المتلازمة عندما يمنح الوالدان ابنهما الأكبر كثيرا من الاهتمام والتقدير، لأنه الابن الأول، ويدللون الابن الأصغر بدرجة كبيرة، في الوقت الذي لا يلقى فيه الطفل الأوسط نفس الاهتمام أو التدليل من والديه أو حتى الأجداد.

وأشارت الشهاوي إلى أنه من ضمن أسباب متلازمة الطفل الأوسط أن الوالدين غالبا ما يثقان في ابنهما الأكبر أكثر من الأوسط، ما يدفعهما إلى تكليفه ببعض المهام أو المسؤوليات.

وقالت الشهاوي “كثيرا ما يصطحب الأب أو الأم الطفل الأكبر عند الخروج أو الزيارات العائلية، في حين لا توكل للطفل الأصغر أيّ مهام ويتم التغاضي عن أخطائه في الغالب، بينما لا يحظى الابن الأوسط بنفس الثقة التي يحظى بها أخوه الأكبر، وربما يُعاقب إذا ارتكب نفس أخطاء أخيه الأصغر، ما يشعره بالاضطهاد”.

وأوضح الدكتور شاهين رسلان، أستاذ الصحة النفسية المصري أن الأم تكون قد اكتسبت خبرة من تربيتها للأكبر، فلا تبالغ في حمل الطفل الأوسط معظم الوقت، بل ربما تتركه حتى أثناء صراخه لأنها ترى أنها أخطأت في تعويد طفلها الأول على حمله طوال الوقت، وتحاول تجنب هذا الخطأ مع الثاني، وبالتالي يتكون لدى الطفل الأوسط صورة ذهنية سلبية عن أمه ويشعر بأنها لا تمنحه رعاية واهتماما كافيين، وتترسخ لديه هذه الصورة بولادة الطفل الأصغر.

عدم وجود إجابات واضحة للطفل الأوسط عن دوره في العائلة يؤدي إلى فقدانه الثقة في نفسه، وإصابته بالغيرة والعناد

ويؤكد علماء النفس أن مشكلة “متلازمة الطفل الأوسط” تحدث عندما يهمل الوالدان أو أفراد العائلة الطفل المتوسط بصورة ما؛ وذلك وقت ولادة طفل آخر.

ويشير علماء النفس إلى أن تكليف الطفل الأكبر ببعض المهام المنزلية البسيطة، وكذلك الأعمال السهلة، ما يجعله محطّ اهتمام وتشجيع من قبل الآخرين، يولِّد لدى الأوسط شعورا بالنقص، فينعزل عن والديه، وربما تتملكه مشاعر الغيرة والحقد نحو إخوته، وهو ما ينتهي به إلى الإصابة بهذه الحالة.

ويدفع هذا الوضع الطفل إلى إثارة العديد من الأسئلة، كأن يتساءل عن مكانه في الأسرة ودوره بين أفرادها وما المطلوب منه تحديدا.

ويؤدي عدم وجود إجابات واضحة لهذه الأسئلة لديه إلى فقدانه الثقة في نفسه، وإصابته بالغيرة والغضب، وانعدام المبادرة لديه، والميل إلى الخجل والانطواء، وكلها أعراض لمتلازمة الطفل الأوسط.

وقد ينفصل الطفل عن دائرة الأسرة، ويصبح عنيدا بصورة كبيرة إلى درجة يرفض فيها تلبية أي طلب من أمه، حتى لو كان في مصلحته.

كما يمكن أن تصل الأمور في بعض الحالات المتطرفة إلى شعور الطفل بالسعادة، عندما يتشاجر والداه؛ حيث إن هذا يعدّ تعويضا له عن إهمال الأم.

ويشير أحمد الأبيض، اختصاصي في علم النفس من تونس، إلى أن الطفل الأوسط يعيش حالة تيه وضياع حيث لا هو في وضعية القيادة مثل الطفل الأكبر ولا هو في وضعية الاهتمام والتبجيل مثل الطفل الأصغر.

وقال الأبيض لـ”العرب”، “في هذه الوضعية يمكن أن يدخل الطفل في صراع مع أخوية ليثبت ذاته أو أن يبحث لنفسه عن شيء يلفت به الانتباه كأن يتميز في الدراسة أو يحرص على النجاح في مجال ما ويتموقع صمنه”.

ويؤكد الأطباء النفسيون أن علاج متلازمة الطفل الأوسط يتم داخل الأسرة، حيث إنه بإمكانها تحرير الطفل من أحاسيسه السلبية وذلك بمنحه نفس الاهتمام والثقة التي تمنح لشقيقه الأكبر.

وقال الحبيب الوحيشي المختص التونسي في علم النفس لـ “العرب” إن “إسناد بعض المسؤوليات والمهام إلى الطفل الأوسط يكسبه الثقة في نفسه ويجعله إنسانا سويا، كما أنه يشعر بأن الآخرين يثقون فيه، ويتوازى هذا الأمر مع عدم المبالغة في تدليل الشقيق الأصغر، لأنه ربما يتسبب في توليد أحاسيس الغيرة داخله”.

ونصح الوحيشي الوالدين بالعدل في التعامل مع الأبناء وعدم إيلاء عناية أكثر من المطلوب لأحدهما حتى لا تتولّد مشاعر الغيرة بين الإخوة.

كما نصح خبراء علم النفس بالحصول على استشارة معالج نفسي في الحالات التي تتحول فيها مشاعر الطفل المصاب إلى سلوكات عدوانية تجاه والديه وأشقائه.

ويُعرّف الأطباء متلازمة الطفل الأوسط، بأنها اضطراب يصيب الكثير من الصغار خلال مرحلة الطفولة، ويتسبب في الكثير من الأوضاع المُشوهة أو غير الطبيعية داخل الأسرة.

ويمكن أن يكون لهذا الاضطراب تأثير في التطور النفسي والعاطفي والجسدي للطفل، ما يؤثر على مستقبل حياته وحياة الأسرة.

21