متلازمة شامبليون

لعلّ بلادا لا تجد شعوبها ضيرًا في الصمت على استباحة بشرها وحجرها ونهب خيراتها عشرات السنين، لن يصدّق أحدٌ مطالبتها بإزالة تمثال أو استعادة جمجمة أو إكليل. فما هذا الترف الذي نبديه ونحن نصمت على ما هو أكبر؟
الجمعة 2020/01/10
العديد من المثقفين احتجوا على وضعية التمثال المهينة للحضارة المصرية

تابعت باهتمام أدق التفاصيل في قضية تمثال الآثاري الشهير جان فرانسوا شامبليون على مدخل الكوليدج دو فرانس، والذي يصوره وهو يدعس بقدمه فوق رأس فرعون مصري يشبه أخناتون، تعبيرًا عن انتصار شامبليون على رموز اللغة الهيروغليفية وفك شيفراتها ونجاحه في ترجمتها.

 ورغم احتجاجات كثير من المثقفين المصريين، على وضعية التمثال المهينة للحضارة المصرية، إلا أن شيئًا لم يتغير. حتى أن السفير الفرنسي في القاهرة ستيفان روماتيه أكد العام الماضي 2019 أن ذلك التمثال لن يُزال من موقعه، فلا تتعبوا أنفسكم. وقبل هذه القصة بسنوات طويلة كنّا، مجموعة من المهتمّين العرب سوريين وعراقيين ومصريين ولبنانيين، قد نظمنا حملة توقيعات لإعادة الاعتبار لشخصية من زمن شامبليون والحملة الفرنسية تعرضت وما زالت تتعرض للإهانة ذاتها التي يعاني منها أخناتون تحت قدم المستشرق الفرنسي.

سليمان الشاب الكردي ابن عفرين، والذي ارتحل إلى مصر للدراسة قبل أن يقرر اغتيال الجنرال كليبر نائب نابليون على مصر. وهذا كان فألقى الفرنسيون القبض عليه وأعدموه بالخازوق المصقول وفقًا لمعايير الثورة الفرنسية التي حرّرت الإنسان، ومنذ تلك اللحظة وهم يحتفظون بجمجمته في المتحف مع الإشارة إلى أنه ”المجرم“ سليمان الحلبي.

طالبنا بإعادة رفات ذاك الذي يسمونه مجرما إلى بلاده، أو على الأقل شطب تلك العبارة من تحت جمجمته في المتحف، فهو في نظرنا مناضل دافع عن بلاده أمام الاحتلال، وليس لصّا أو قاتلًا. الأمر ذاته مع الإكليل الذهبي لصلاح الدين الأيوبي الذي سرقه لورنس العرب من ضريحه الذي زاره بوتين قبل أيام بدمشق منذ مئة عام، وما زال يتربع في المتاحف البريطانية حتى اليوم.

لم تنفع حملاتنا، ولم يكترث بنا أحد. وبعد هذه المحاولات وقبلها، لا شكّ أن كثيرين فكروا بفعل شيء يعيد للرموز الشعبية مكانتها، ولكن تلك المحاولات ستفشل بالتأكيد، ما لم تترافق مع ذهنية تضمن نجاحها، مثل استخدام القانون ورفع الدعاوى بدل التوسّلات والبيانات.

ولعلّ بلادا لا تجد شعوبها ضيرًا في الصمت على استباحة بشرها وحجرها ونهب خيراتها عشرات السنين، لن يصدّق أحدٌ مطالبتها بإزالة تمثال أو استعادة جمجمة أو إكليل. فما هذا الترف الذي نبديه ونحن نصمت على ما هو أكبر؟ وما دام الإنسان لا يعنينا، وهو حيٌّ يتنفّس، فلماذا ندّعي الاهتمام ببقاياه ومقتنياته ورموزه وهو ميت؟ من سيقبض مثل هذا الكلام وغيره مما يشبهه؟ ولعلها متلازمة جديدة يمكن أن نسميها “متلازمة شامبليون” في الهوان الذاتي.

24