مجلس الإباضية في ليبيا: رد على السلفية المتشددة بدعم إخواني مسيّس

جماعة الإخوان في ليبيا استفادت من تطرف التيار السلفي وتوتر مواقفه الفقهية فوضعت نفسها في موقف المدافع عن حرية العقيدة لتوسيع حضورها الشعبي.
الخميس 2021/01/21
مجلس لتحصين الإباضيين والدفاع عنهم

لم يفوت إخوان ليبيا فرصة الإعلان عن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية لتحقيق مكاسب سياسية من خلال اللعب على وتر المدافعين عن التعددية في مواجهة التيار السلفي المتشدد ومهاجمة السلطات في شرق البلاد، مستغلين إصدار مؤسسات دينية في المنطقة الشرقية، نجح ممثلو السلفية في التسلل إليها، لفتاوى مثيرة للجدل.

طرابلس- نجحت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا في استغلال الإعلان عن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية من قبل عمداء بلديات المكون الأمازيغي غربي البلاد، من أجل تسجيل نقاط سياسية ضد السلطات في شرق ليبيا واستهداف التيار السلفي.

وأكد عمداء بلديات المكون الأمازيغي لدى إعلانهم عن تشكيل هذا المجلس، أنه سيكون الممثل الرسمي للإباضية أمام المؤسسات والأجهزة الرسمية وفي المحافل العلمية المحلية والدولية، داعين إلى الحفاظ على الثوابت الدينية والموروث العلمي والوقفي للمذهب الإباضي في البلاد.

وكان الإعلان عن تأسيس هذا المجلس من مخرجات مؤتمر عُقد بمدينة نالوت الواقعة جنوب غرب طرابلس، وضم عمداء ووجهاء وأعيان بلديات نالوت وكاباو والحرابة والرحيبات وجادو والقلعة ويفرن وزوارة ووازن.

وقال هؤلاء إن المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا سيتخصص في إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية والفقهية من خلال أجنحة عدة تعمل على إيصال الصوت الإباضي بما يمثله من عناصر تمايز مذهبي إلى جانب التمايز العرقي للأمازيغ.

ووفق تقديرات نشرها المؤتمر الليبي للأمازيغية، في غياب إحصائيات رسمية مؤكدة، يتراوح عدد المسلمين الإباضيين في البلاد بين 300 ألف و400 ألف. غير أن الثابت هو أن أغلب أمازيغ ليبيا ينتمون إلى هذا المذهب الإباضي الشائع بين نظرائهم في المنطقة المغاربية، بينما يؤكد الباحثون أن كل إباضي في المنطقة أمازيغي ولكن ليس كل أمازيغي إباضيا.

وحدة وطنية وتسامح

المجلس سيكون الممثل الرسمي للإباضية أمام المؤسسات والأجهزة الرسمية وفي المحافل العلمية المحلية والدولية
المجلس سيكون الممثل الرسمي للإباضية أمام المؤسسات والأجهزة الرسمية وفي المحافل العلمية المحلية والدولية

تُشير الأرقام إلى وجود حوالي سبعة ملايين مسلم من أتباع المذهب الإباضي المنتشر بصفة خاصة في سلطنة عمان التي يمثل الإباضيون ما يقارب 70 في المئة من مواطنيها، كما تنتشر الإباضية في جبل نفوسة وزوارة في ليبيا ووادي مزاب في الجزائر وجزيرة جربة في تونس وبعض المناطق في شمال أفريقيا وجزيرة زنجبار في تنزانيا. وأكد عمداء البلديات الأمازيغية في غرب ليبيا على “الوحدة الوطنية والتسامح” بين الليبيين، مشددين على أن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية يأتي من أجل الإصلاح بين الناس.

كما أعلن ممثل مؤسسات المجتمع المدني بجبل نفوسة وزوارة وطرابلس، أيوب كعبر، عن مساندته التامة لتأسيس المجلس الأعلى للإباضية، معربا عن أسفه لما وصفه بتغول التيار المدخلي بالمنطقة الغربية، في إشارة إلى التيار السلفي الذي ينسب إلى رجل الدين السعودي ربيع بن هادي المدخلي (ولد سنة 1932). ويطلق عليه كذلك اسم “الجامية” نسبة إلى محمد أمان الجامي (1931 – 1996) الإثيوبي الأصل، وهو شيخ ربيع المدخلي.

وقالت صفحة “الإباضية في ليبيا” إن السبب في تأسيس المجلس “يعود إلى فرقة أيديولوجية تُسمى الفرقة المدخلية تتلقى أوامرها من الخارج، تُسيطر على هيئة الأوقاف في ليبيا، وتسعى للاستحواذ على مساجد الإباضيين والاستيلاء على الأوقاف الخاصة بهم، مع إطلاق التكفير والتبديع وإثارة الفتن بين أبناء الشعب الليبي، فَهَبَّ شيوخ وأعيان الإباضية لإنشاء المجلس حتى يكون الهيئة الرسمية التى تتكلم باسمها”.

وأضافت “طبعا نقلت هذا اللقاء كثير من الصفحات والقنوات التلفزيونية، وشاهدنا الحملة الشرسة في مواقع التواصل الاجتماعي ضد المذهب الإباضي، وإن هذا لمن أكبر نِعَمِ الله على هذا المذهب أن قيّد له أعداء جهلاء، يحاولون تشويهه فتنتقل المحنة إلى مِنحة وبدل أن يطمسوه، يُعرّفون به”.

المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا اعتبر أنّ فتوى "تحريم" مذهب “الإباضية تعد تحريضا صريحا على الإبادة الجماعية للأمازيغ في ليبيا

واعتبرت الإعلامية ميس الريم القطراني أن “إعلان المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا، وسبقه في ذلك المجلس الأعلى للتصوف الإسلامي السني، يعتبر أمرا إيجابيا للوصول إلى تعريف حقيقي للهوية الوطنية الجامعة في بلدنا، فبقدر ما تتجه الهوية باتجاه التوحد، بقدر ما تتجه نحو المزيد من التعدد، فكلما كان سعينا نحو التميز قويا، كان هذا التميز علامة على المزيد من الهويات التي تجمعنا، فالهوية في ذاتها دعوة مستمرة للمزيد من التميز”.

وأضافت “وعليه، لا معنى لمطلب الهوية بمعزل عن الآخر، وبالقدر نفسه، فالوجود لا يتحقق خارج هذا المطلب، وبهذا المعنى تبدو مقولة التضحية بهوية أي مكون أو جماعة من أجل الوجود ضد منطق الوجود نفسه”.

وفي المقابل، قال النائب بالبرلمان الليبي عزالدين قويرب “بدعم مجالس بلدية تابعة لوزارة الحكم المحلي في حكومة الوفاق شاهدنا تأسيس المجلس الأعلى للإباضية، فهل هو جسم تابع لوزارة الحكم المحلي أو مؤسسة تابعة لوزارة الثقافة والمجتمع المدني أو تابعة للأوقاف والشؤون الدينية أو لدار إفتاء أو منح إذن خاص من سلطات سيادية؟ ما هو ميثاق المجلس وأهدافه؟ نفس الأسئلة تقريبا تنطبق على المجالس الاجتماعية والكونغرس الأمازيغي والكونغرس التباوي وغيرها من الأجسام ذات الطبيعة غير الواضحة”. ورحب إباضيو جزيرة جربة التونسية (500 كلم جنوب شرقي العاصمة) بالحدث.

وقال أحد رموزهم الشيخ ساسي بن يحياتن “نبارك لإخوتنا الإباضيين في ليبيا خاصة وللأخوة الليبيين والأمة الإسلامية عامة هذا المولود الجديد. المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا جاء والأمة في أمسّ الحاجة لتوحيد كلمتها على الحق وبالحق ورص صفوفها ولمّ شملها على مبادئ الأخوة والمحبة والتسامح والاعتدال”، معتبرا أن هذا المجلس “لبنة في صرح الأمة جاء ليوحد ويجمع ويؤلف ويمد جسور التعاون على البر والخير والتقوى، ويكون الناطق باسم الإباضيين في ليبيا بيانا وفتوى والممثل لهم”.

وتابع بن يحياتن “إنّه إحياء لفكر عمروس وأبي منصور وأبان والجنّاوني والشمّاخي والباروني والنامي ومعمر، إنه تطبيق عملي لمبدأ التعايش الذي لخصه الشيخ علي يحيى معمر: المعرفة والتعارف والاعتراف، هذا الشعار الذي يجب أن ينزل على أرض الواقع وتجسده كل مكونات الأمة حتى لا ينخر وحدتها فكر متطرف دخيل ولقيط يكفر ويفسق ويلغي ويقصي”.

دعم إخواني

تأسيس المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا يمثل مكسبا جديدا لمفهوم التعايش السلمي
تأسيس المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا يمثل مكسبا جديدا لمفهوم التعايش السلمي 

ما يسترعي الانتباه في الإعلان عن تأسيس مجلس الإباضية في ليبيا، حضور وجوه بارزة من تنظيم الإخوان المسلمين، الذي يرى مراقبون أن دعمه لهذا المجلس ليس عفويا وإنما يأتي في سياق الصراع بين الجماعة والتيار السلفي من جهة، ومواجهة السلطات في شرق البلاد من جهة أخرى.

وأثار حضور شعبان أبوستة ممثلا عن مجلس الدولة الاستشاري (المجلس الأعلى للدولة) الخاضع لسيطرة الإخوان والذي يتزعمه القيادي في حزب العدالة والبناء الذراع السياسية للجماعة، لمؤتمر عمداء بلديات الأمازيغ تساؤلات عن دور الإخوان في تأسيس مجلس الإباضية، خاصة مع إعلان أبوستة عن تأييده القوي لهذه الخطوة. وقال أبوستة الذي ينحدر من نالوت “نبارك تأسيس المجلس الأعلى للإباضية ونؤيده ومستعدون للعمل معا”.

ويرى مراقبون أن تأسيس مجلس الإباضية جاء في إطار الصراع المحتدم مع التيار السلفي الذي يعلن معاداته، ليس فقط للإسلام السياسي، وإنما للمذاهب الأخرى كالصوفية والإباضية والشيعية وغيرها.

ومنذ سنوات، بات هذا التيار يفرض شكلا جديدا من أشكال التدين على المجتمع الليبي تختلف عن خصوصياته الثقافية المرتبطة أساسا بالمذهب المالكي الذي ينتسب إليه أكثر من 90 في المئة من الليبيين، بما في ذلك أعداد من الأمازيغ.

تأسيس مجلس الإباضية جاء في إطار الصراع مع التيار السلفي الذي لا يعادي الإسلام السياسي فقط، بل المذاهب الأخرى

ويشير المراقبون إلى أن ليبيا دخلت منذ العام 2011، تاريخ سقوط العقيد الراحل معمر القذافي، مرحلة صراع إرادات جهوية وإقليمية ومذهبية، وعرفت انتشارا واسعا للأفكار الوافدة، وخاصة منها السلفية المتشددة، التي دخلت في صراع مع جماعة الإخوان وانضم عدد من أبنائها للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر ضد ميليشيات الإسلام السياسي.

وشكلت أحد أكبر الألوية، وهو لواء طارق بن زياد، كما سيطرت على المؤسسات الدينية والأوقاف بالمنطقة الشرقية، وتغلغلت في الميليشيات الأمنية التابعة لحكومة الوفاق بغرب البلاد، ولم تكتف بذلك بل دخلت في مواجهات علنية مع المكونات المذهبية الأخرى ومنها الإباضية.

وفي يونيو من العام 2017، حرضت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة بمدينة البيضاء (شرق) ضد عدد من التيارات الفكرية والدينية والسياسية التي تشكل المجتمع الليبي، مثل مريدي التيار الصوفي والنشطاء بالتيار المدني والكتّاب والمثقفين وغيرهم. كما أصدرت مؤخرا بيانا ضد اليهود في ليبيا حمل عنوان “العلمانيون وتمكينهم اليهود في ليبيا”.

واعتبرت هيئة الإباضية الليبيين “فرقة منحرفة ضالة وهم من الباطنة الخوارج ولديهم عقائد كفرية، كعقيدتهم بأن القرآن مخلوق وعقيدتهم في إنكار الرؤية، فلا يُصلّى خلفهم ولا كرامة”، ما أثار جدلا واسعا في البلاد.

تسويق إخواني للدفاع عن التعددية الدينية
تسويق إخواني للدفاع عن التعددية الدينية 

وقالت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إن “الفتوى التي صدرت عن دار إفتاء حكومة الثني ضد إخوتنا الأمازيغ الإباضيين واعتبرتهم خوارج، تؤكد من جديد أن الذين يصفون أنفسهم بالسلفية هم عبارة عن حركة أو جماعة أو تيار ديني متطرف جهادي تفكيري، يجب مقاومتهم والوقوف ضدهم من الآن قبل أن يتفاقم خطرهم”.

والتقطت جماعة الإخوان طرف الخيط لتستفيد منه ليس في مواجهة التيار السلفي فقط، وإنما في تسجيل نقاط ضد سلطات شرق البلاد، حيث أكد ذراعها السياسية، حزب “العدالة والبناء”، أن “فتوى الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة تحرض على التكفير والعنف والكراهية ضد مكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية الليبية”.

 وتابع حزب العدالة والبناء أن “التحريض ضد الإباضيين في ليبيا وتكفيرهم هو اعتداء صارخ وجسيم على وحدة ليبيا ومكوناتها وسلمها الاجتماعي وتسامحها وتنوعها ومستقبل أجيالها”، داعيا “كل الجهات المعنية إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات بالخصوص”.

كما حمّل الحزب “المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ووزارة العدل مسؤولية التغاضي عن خطاب التطرف والكراهية، وضرورة إدانته وشجبه وتشكيل لجنة تحقيق لكشف ملابساته ودواعيه والمحرضين عليه وحماية المجتمع منه”، مشيرا إلى أن الفتوى “تدل على النزوع الإرهابي والمتطرف لدى هذا التوجه الديني المستورد من الخارج”.

واعتبر المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا أنّ فتوى “تحريم” مذهب “الإباضية تعد تحريضا صريحا على الإبادة الجماعية للأمازيغ في ليبيا، وانتهاكا صارخا للمعاهدات والمواثيق الدولية، وبثّا للفتن بين الليبيين، وتهديدا للسلم الاجتماعي في البلاد”.

تنتشر الإباضية في جبل نفوسة وزوارة في ليبيا ووادي مزاب في الجزائر وجزيرة جربة في تونس وبعض المناطق في شمال أفريقيا وجزيرة زنجبار في تنزانيا

وفي العام 2018، بادر القيادي الإخواني علي الصلابي بإصدار كتابه “الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج”، وقال عنه “تكررت الأسئلة الكثيرة حول أسباب إصدار هذا الكتاب في هذه المرحلة السياسية والفكرية والأمنية الراهنة في تاريخ المسلمين، ولعل سؤالا آخر يُطرح: لماذا الإباضية؟ وما ماهية ومضامين هذا الكتاب؟”.

وأضاف “خلصت في هذا الكتاب إلى عنوانه: الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج. نعم، إن الإباضية بعيدة كل البعد عن مذهب الخوارج الأزارقة والصفرية والنجدية”.

ويعتقد المتابعون أن جماعة الإخوان استفادت من تطرف التيار السلفي وتوتر مواقفه الفقهية وإسهاله الإفتائي خاصة ضد المذاهب والمدارس الأخرى، فوضعت نفسها في موقف المدافع عن حرية العقيدة والضمير والتعبير، وأبدت دفاعا عن الإباضية والصوفية في محاولة لتوسيع حضورها الشعبي، وكذلك لتشكيل حزام اجتماعي طالما افتقدته، لخدمة مشروعها السياسي الذي يواجه نكسات عدة.

إلى ذلك، ومهما يكن من أمر، فإن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا يمثل مكسبا جديدا لمفهوم التعايش السلمي في ظل التعدد في بلد بات عليه التخلي نهائيا عن ثقافة الإقصاء، والاعتراف بالتنوع الثقافي والحضاري الذي يميز مجتمعه كعنصر إثراء، خصوصا وأن إباضيي ليبيا يمثلون مجموعة عرقية لها امتداداتها في المنطقة، وتحتاج إلى توحيد خطابها ومشروعها الثقافي من داخل المشروع الوطني الواحد، بدل البحث عن مرجعيات من خارج البلاد.

13