مجلس الإعلام المصري يحاصر صحافة الإثارة بمدونة أخلاقية

وسائل إعلام تهتم بأخبار الفضائح كبديل أكثر أمانا من السياسة.
الاثنين 2021/02/01
وسائل إعلام تنشر القصص المثيرة وتحاكم أصحابها

تحرك مجلس تنظيم الإعلام ضد الصحافة الصفراء بعد أن استشرت أخبار الإثارة والفضائح في المواقع الإلكترونية والصحف، حتى أصبحت الموضوعات الأكثر مشاهدة وجماهيرية، مع تراجع الاهتمام بالقضايا الجادة المرتبطة بالسياسة والاقتصاد.

القاهرة – أعلن مجلس الإعلام المصري إحالة بعض المواقع والصحف إلى تحقيقات عاجلة، بسبب “الإسراف في نشر القضايا الأخلاقية التي تسيء للمجتمع والأسرة، دون سند من القانون أو تحقيقات النيابة العامة”، لإعادة ضبط الانفلات في بعض المنابر واعتمادها على الإثارة لترميم جماهيريتها.

ولفت المجلس إلى أنه يجري رصد دقيق لجرائم النشر غير الأخلاقية والخوض في سمعة وأعراض المواطنين بحثا عن جذب الجمهور، لكن من جانب آخر يخشى البعض أن محاصرة المنظومة الإعلامية بتطبيق مدونة أخلاقية، قد يضاعف أزماتها التحريرية.

وأعاد المجلس الأحد، نشر بنود المدونة الأخلاقية المُلزمة لكل المؤسسات، في إشارة مباشرة إلى أن تطبيقها سيتم خلال الفترة المقبلة، وتتطرق المدونة إلى الحفاظ على قيم وأخلاق ومبادئ وتقاليد المجتمع، وعدم الخوض في الأعراض، والحفاظ على الآداب العامة، وتجنب ما يدعو إلى الإباحية أو يحض على الفسق والفجور.

ويشير هذا التحرك المفاجئ إلى محاصرة المؤسسات الإعلامية بمدونة تحول دون إلهاء الناس في موضوعات تشكل خطورة على الوعي المجتمعي، وتكرس فكرة استقطاب الجمهور بموضوعات وقضايا جذابة، مثل الجنس والخيانة الزوجية، في ظل إصرار الكثير من المواقع الإلكترونية والصحف والبرامج، على تسليط الأضواء على موضوعات وأخبار مثيرة، وإهمال الجاد منها.

سامي عبدالعزيز: الاعتماد على الإثارة يرتقي إلى الشذوذ الإعلامي
سامي عبدالعزيز: الاعتماد على الإثارة يرتقي إلى الشذوذ الإعلامي

وأكدت مصادر إعلامية لـ”العرب”، أن عدم تطرق بيان مجلس الإعلام لأسماء الصحف والمواقع والقنوات التي ارتكبت جرائم نشر في قضايا أخلاقية، يرتبط بأن بعضها مملوك لجهات قريبة من الحكومة، والإعلان عنها قد يتسبب في أزمة للمجلس مع أطراف لها كلمة عليا في إدارة المنظومة الإعلامية برمتها، والبيان جاء بعد امتعاض جماهيري واضح من استسهال الإثارة في الإعلام.

وذهب متابعون إلى أن تحرك مجلس تنظيم الإعلام يعتبر انتفاضة، ويصعب فصلها عن تذمر دوائر حكومية من اهتمام بعض الصحف والقنوات والبرامج بالإثارة، مقابل تهميشها الترويج للإنجازات التي تحدث على الأرض في الملفات التي تمس صميم حياة الناس، حتى أصبحت الموضوعات الأكثر مشاهدة وجماهيرية مرتبطة بوجود خلفيات لها علاقة بالنواحي غير الأخلاقية داخل المجتمع والأسرة.

وكانت هذه السياسة مقبولة نسبيا لبعض الدوائر خلال فترات ماضية، رغبت خلالها في إلهاء الناس عن التركيز على السلبيات، لاسيما في الأوقات الحساسة التي ترتبط بتصاعد وتيرة الغضب ضد الحكومة، لكن يبدو أن الاستمرار على نفس المنوال لم يعد مرضيا، مع تنامي الشعور بأن أخبار الإثارة تغطي على إنجازات الحكومة.

وقال عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقا سامي عبدالعزيز، في تصريحات لـ”العرب”، إن “الاعتماد على الإثارة يرتقي إلى الشذوذ الإعلامي، وهذا خطر على الوعي المجتمعي والأمن القومي ويجعل الدولة في اتجاه والشارع في اتجاه معاكس، ولا يمكن إبعاد ذلك عن هيمنة دخلاء المهنة على المنظومة، وعدم الاعتماد على مهنيين يدركون معنى وأهمية وخطورة الكلمة”.

وتكمن أزمة الهيئات المعنية بتنظيم وإدارة المشهد الإعلامي في مصر، في أنها لا تريد التوقف عند دوافع الكثير من المنابر لاستقطاب الجمهور من باب الإثارة، فالكثير من وسائل الإعلام محظور عليها التطرق إلى السلبيات أو التطرق لموضوعات سياسية قد تزيد من غضب الشارع، وأمام التضييق الذي يُمارس تلجأ هذه المنصات الإعلامية إلى الاهتمام بأخبار وقضايا الفضائح.

وأمام تحول أغلب الصحف والبرامج إلى نسخة مكررة من بعضها لالتزامها بالبيانات الرسمية، وعدم التغريد خارج السرب، اتجهت إلى التماهي مع شريحة من الجمهور تهتم بالموضوعات المثيرة والقصص التي تجذب انتباهها، مثل الجرائم وفضائح المشاهير والقضايا الغامضة والغريبة، لأن هناك غياب ثقة في ما يتم طرحه من ملفات جادة.

ويرى معارضون لهذا التبرير، أنه لا يمكن التحجج بتراجع حرية الرأي والتعبير لتصوير المجتمع على أن الجنس هو المسيطر على عقول أفراده، أو أن الخيانة الزوجية صارت ظاهرة خارجة عن السيطرة، خاصة عندما تكون كل هذه القضايا محل تحقيقات قضائية، وغالبا ما يكون المتهمون فيها ضحايا للابتزاز والاستهداف لتشويه الصورة وتحقيق منافع ذاتية يساهم فيها الإعلام.

وتناولت الكثير من الصحف والمواقع والبرامج قبل أيام، واقعة قيام طبيبة بخيانة زوجها مع عدة أشخاص، وقدم الزوج للنيابة فيديوهات جنسية لها، وهي الحادثة التي تحولت إلى قضية رأي عام بسبب تسليط الإعلام الضوء عليها، وتبين في ما بعد فبركة الزوج للفيديوهات، حيث قام بتصوير زوجته خلال العلاقة الحميمية معه دون ظهور ملامح وجهه لينتقم منها.

وأصبحت هذه القضايا محل اهتمام مبالغ فيه من منابر صحافية وتلفزيونية، بدعوى أنها تحقق نسبة مشاهدة عالية، ويتم إعادة نشرها أكثر من مرة على مدار اليوم، عبر الصفحات الرسمية لهذه المنابر على مواقع التواصل، وتصل إلى شريحة جماهيرية أكبر، وهو ما لا يحدث مع القضايا الأخرى المرتبطة بالسياسة والاقتصاد.

وأشار سامي عبدالعزيز لـ”العرب”، إلى أن “التصدي لإعلام الإثارة، النقطة الأولى التي يمكن البناء عليها لإعلام مهني محترم، وهذا ما فعلته أغلب دول العالم”.

خبراء الإعلام:

تسليط الضوء على الإثارة وتجاهل الموضوعات الجادة، يسيء إليها أكثر ما ينفعها حتى لو زادت معدلات المشاهدة

وتابع “لكن المعيار الأهم هو إلزام المؤسسات بميثاق شرف يمنع المرضى النفسيين والشواذ فكريا من الانتساب للمهنة، وتطبيق مسودة أخلاقية لا علاقة له بحرية الرأي والتعبير”.

والمشكلة في بعض وسائل الإعلام، أنها لا تكتفي بنشر القصص المثيرة عن أي قضية ما زالت في طي التحقيق بالنيابة العامة، بل تقوم بمحاكمة الطرف المتهم من خلال الاستعانة بخبراء قانونيين يحللون الحادث ونسبة الجُرم ويصدرون العقوبة إعلاميا، في محاولة لاستمرار تعايش الجمهور مع الواقعة، والبحث عن مبرر مقنع للكتابة عنها، لتظل نسب المشاهدات مرتفعة.

ويمكن بسهولة اكتشاف أن الكثير من الصحف والبرامج يقتصر التنافس بينها على طريقة تناول الموضوع المثير، سواء أكان مرتبطا بخيانة أم علاقة جنسية أم جريمة شرف، في حين يغيب التعدد والتنافس في قضايا جادة وأكثر أهمية، مثل الاهتمام بنبض الشارع حول قرار حكومي أو أزمة في قطاع بعينه، حتى تحولت أغلب المنصات الإعلامية إلى مادة للتسلية.

ويعتقد خبراء الإعلام أن تسليط الضوء على الإثارة وتجاهل الموضوعات الجادة، يسيء إليها أكثر ما ينفعها حتى لو زادت معدلات المشاهدة، لأن ذلك يكرس لدى الجمهور غياب الإعلام الصادق المهني والمتزن، مقابل تعميم “الصحافة الصفراء”، وهو التوصيف الذي يحمل وصمة للصحف والقنوات، ولم تتبرأ منه بعد بإثبات العكس.

ويتسبب تحرك مجلس الإعلام لغلق منافذ الإثارة والتركيز على النشر في قضايا غير أخلاقية، في ورطة للمنابر التي صنعت جماهيريتها من عينة الموضوعات والأخبار المثيرة والقصص الشاذة، لأنها ستكون مطالبة بالبحث عن بدائل جادة تحافظ من خلالها على الشريحة التي جرى استقطابها بطرق وأساليب لم تعد مقبولة.

وما يضاعف من أزمات الوسائل التي ستُحرم من الكتابات المثيرة، أن هناك العشرات من الصحف والمواقع الإلكترونية غير المرخصة والخارجة عن سيطرة أي جهة إعلامية، تستفيد من ذلك، لأنها سوف تستمر في نشر كل ما هو محظور على الإعلام التقليدي الذي صار مطالبا بالحفاظ على جماهيريته، لكن بقواعد مهنية وأخلاقية بعيدا عن الاحتماء في الإثارة من أجل البقاء.

18