محمد دسوقي يجسّد العمارة التراثية بمفردات معاصرة

الفنان المصري يسعى إلى إعداد موسوعة تشكيلية تضم لوحات من كل المدن العربية.
السبت 2021/02/06
تجسيد جمالي لكل الأطرزة المعمارية

طالما كانت العمارة الأكثر تماهيا مع البيئة العربية، وقد تم تأسيسها بناء على اعتبارات مناخية ومتطلبات اجتماعية وثقافية خاصة بها، واتبع حرفيون محليون تقنيات وأساليب مميزة في العمارة التقليدية نجحوا من خلالها في تصميم تفاصيل ومفردات دقيقة، جرى ربطها ببراعة مع النسيج المحلي المتكامل.

القاهرة - أصبحت العمارة مصدر إلهام لبعض التشكيليين، منهم الفنان المصري محمد دسوقي الذي قدّم على مدى مشواره الفني رصدا للبيئة المحلية عبر لغة تشكيلية حديثة تشي بالدفء والألفة.

وفي معرضه الاستيعادي الأخير الذي احتضنه غاليري “غرانت” بالعاصمة المصرية القاهرة تحت عنوان “أحلامي”، أخذ دسوقي المشاهد في رحلة لمكونات مكانية وإنسانية متعدّدة بين شمال مصر وجنوبها وشرقها وغربها.

وقال دسوقي لـ”العرب”، “حين أختار مكانا لأرسمه، أتوجّه إليه وأقيم فيه لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، وإن سبقت لي زيارته من قبلُ، كي أتعايش معه وأرصده وأدرس عمارته، وأسير في شوارعه، وأتأمل الظل والنور، وتساقط أشعة الشمس على المارة والأرض، وحركة الناس وسلوكياتهم على مدى اليوم، ومن ثم أحدّد أفضل زاوية معمارية أبدأ بها”.

وبعد أن يقوم دسوقي برسم مجموعة من الاسكتشات، يعود إلى مقره ليرسمها في لوحات، بعد أن يضيف ويحذف تفاصيل كثيرة كيفما يتراءى له، وحسب أحلامه، فهي ليست نسخا أو طبوغرافيا لها.

أقام دسوقي عدة تظاهرات قدّم فيها أعماله، واختار لمعرضه الأخير عنوان “أحلامي”، ولمعارضه السابقة عناوين مثل: “من وحي النوبة”، و”أومن” و”وحي النيل”.

القرية الملهمة

لوحات تسرد حيوات المهمشين في مصر
لوحات تسرد حيوات المهمشين في مصر

لا يقدّم دسوقي لجمهوره رحلة مكانية عادية، إنما هي إلى جانب ذلك رحلة بين ثنايا النسيج التراثي المصري، حيث تمثل فيها العمارة المحلية قوامه الأساسي، بما تحتويه من مضامين فكرية واجتماعية وتشكيلية، كنتاج طبيعي لثراء البيئة التي نشأ فيها.

وينبع اهتمامه بالعمارة المحلية من تأثرّه بمسقط رأسه، فهو ابن منطقة “قليوب المحطة”، بمحافظة القليوبية، في شمال القاهرة، كبيئة ريفية، ووُلد في منزل إذا فتح عينيه في غرفة نومه صباحا شاهد مناظر طبيعية خلابة وممتدة إلى ما لا نهاية له.

وعندما يصعد سطح المنزل أو يتجوّل في شوارع بلدته والنجوع والقرى المجاورة، كان يشاهد البيوت المبنية بأساليب بسيطة، من الطوب اللبن، إلى جانب أبراج الحمام، والطرقات الضيقة الملتوية والحارات التي تعجّ بناسها وعاداتهم وتقاليدهم، من هنا كانت قريته بما يحيط بها ملهمته الأولى.

محمد دسوقي: حين أختار مكانا لأرسمه، أتوجّه إليه وأقيم فيه لمدة طويلة

ومن رسم قريته انتقل دسوقي إلى رسم أمكنة أخرى في مصر، ولاسيما في جنوبها. قام بزيارة منطقة النوبة، الواقعة جنوب القاهرة بنحو ألف كيلومتر، وجسّد منازلها، بكل ما تحمله من بوابات وزخارف ومعمار متفرّد وتصاميم داخلية، وتفاصيل الحياة اليومية لسكانها، وما يعكسه ذلك من عادات وتقاليد وتجمعات ومناسبات سعيدة وحزينة.

كان شديد الشغف بقرية “القرنة” بالقرب من مدينة الأقصر، واستلهم منها 15 لوحة، قدّمها في معرض أطلق عليه لقب “أبوالقرنة”، ونقل عبر أعماله الحياة في الوادي الجديد وسيوة في صحراء مصر الغربية.

وتابع “كنت محظوظا، فقد أتيحت لي فرصة رسم هذه الأمكنة شديدة الثراء المعماري والإنساني وهي لا تزال بكرا، إنها لم تفقد جانبا كبيرا من عفويتها وهويتها”.

من هنا، يكون الزائر لمعرضه الأخير والمتأمّل في لوحاته كمن زار مختلف أنحاء مصر، فمن خلال مجموعة لوحاته عن مدينة “القصر” في الوادي الجديد، يزور المُشاهد مدينة مبنية بالكامل من الطوب اللبن، ويفاجأ بمنازل استخدمت في بنائها بعض الأعمدة الفرعونية التي كانت تدخل في بناء معابد متهدّمة، بينما تتبع منازل أخرى من الطراز المعماري السائد في الدولة الأيوبية.

كما أنه بسبب طبيعة التربة الني بنيت عليها المدينة، تظهر في لوحات مجسّدة لحظات الغروب، كما لو أنها تتلألأ مثل الذهب، والبيوت فيها تبدو وكأنها تشعّ نورا يضيء الشمس، وليس العكس.

ضمّ معرضه الأخير أعمالا بألوان وخامات مختلفة، كالأكريليك والألوان الزيتية والمائية، وهو رقم 67 للفنان، ويمثل تتويجا لـ35 سنة من الفن.

يتذكّر الفنان التشكيلي، كيف حاول عند ترميم المباني مؤخرا إقناع المسؤولين بالحفاظ على هذا الطراز المعماري، وأحضر لوحاته التي توثّق للمكان منذ نحو ثلاثة عقود، إلّا أنه فوجئ عند تجديدها بنسق معماري مغاير شديد “السيمترية” والتنميق ما أفقدها روحها التراثية البسيطة.

ويحفّز دسوقي على الاحتفاء بالعمارة البيئية، ما يلمسه من ثراء في العمارة المصرية منذ الحضارة القديمة، قائلا “حضارتنا كانت بسبب الحجر، فلولا الاستقرار حول النيل والبناء بجواره، ووجود الحجر الثابت ما قامت الحضارة، وبدأ الأمر بحجارة متراكمة إلى أن وصلنا إلى الصروح الفرعونية التي نتفاخر بها”.

معرض دائم

تعانق المعمار مع الإنسان
تعانق المعمار مع الإنسان

لم يحتف الفنان بالعمارة وحدها في الأمكنة التي قام بزيارتها، إنما قدّم للمتلقي البعد الإنساني أيضا، فرسم بانوراما حياتية لمن تحتضنهم من البشر، مثل عمال التراحيل، وجامعي الدود في موسم حصاد القطن، والباعة المنجولين.

ومن ذلك لوحة تجسّد بائع الترمس على كورنيش النيل، ذلك المشهد المعروف بمصر، وجسّده الفنان في ليلة شتوية دافئة، وجعل من إضاءة المصباح الذي يضعه البائع على عربته أداة لتركيز عيني المشاهد على حبيبين يسيران في الطريق.

وفي لوحات أخرى هناك راعية الغنم، والصبايا الصغيرات والبدو الرحل، بينما تمتدّ المساحات الواسعة مترامية الأطراف، وتظهر عن بعد البيوت والنخل، ويتدفّق الحنان في لوحة الأم وهي تحمل صغيرها أثناء سيرها بطريق ضيق في سيوة، حيث المشهد الذي تتعانق فيه الجذور مع البيت والظل.

وجعل الاستغراق في الحياة المصرية معماريا وإنسانيا أعمال الفنان محمد دسوقي ثروة حقيقية، تحرص على اقتنائها مختلف متاحف مصر وسفاراتها في الخارج، إلى جانب إقامة العديد من المعارض حول العالم، ووجود معرض دائم باسمه في ألمانيا، يعكس البيئة المصرية.

لوحة "بائع الترمس"، جسّدها الفنان بخيال عاطفي، مركزا إضاءة المصباح على حبيبين يسيران في الطريق

وكشف لـ”العرب”، أن الحكومة المصرية أهدت عام 1989 معرضا كاملا له يضم 25 عملا، منها لوحات تبرز عادات وتقاليد المصريين وهويتهم التراثية، ومن ذلك لوحة لعبة التحطيب التي تم وضعها (اللعبة) على قائمة اليونسكو للتراث اللامادي.

وجاء النجاح والانتشار بعد مشوار طويل قام خلاله بدراسات أكاديمية عشقا في التراث المصري، حيث حصل الفنان محمد دسوقي، على ماجستير في الفنون التشكيلية الشعبية من المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون في القاهرة عام 2006.

وأسهم في العديد من الأبحاث الميدانية في إطار عمله التوثيقي في أرشيف الفلكلور المصري، وقدّم له مئات الصور الفوتوغرافية التي التقطها خلال ترحاله الطويل في مصر عن الحرف الشعبية وفناني التراث اليدوي وقد ضمها الأرشيف إلى صفحاته.

ويمزج الفنان التشكيلي في أعماله بين الفرشاة وسكين الألوان، ويعتمد على الفرشاة في التفاصيل الدقيقة، بينما تتيح له السكين والعجائن اللونية تحقيق الملامس والمؤثرات المطلوبة باللوحة، كما يجيد اللعب باللون والظل، ويوظفهما لاصطحاب عين المتلقي حيثما يريد داخل العمل.

ويعتمد على استخدام ألوان الطبيعة، فيسيطر على اللوحات، بإبراز البني والأخضر والأصفر، إضافة إلى الألوان النحاسية التي تمنح الإحساس بعامل الزمن.

ويعكف دسوقي الآن على إعداد أول موسوعة للعمارة البيئية المصرية من خلال منظور فنان تشكيلي، وعن ذلك يقول “إذا كان المتلقي قد اعتاد أن تكون بين يديه الكتب والموسوعات التي تضم شرحا هندسيا وتفاسير علمية، فإنني سأقدّم موسوعة متكاملة تتضمّن لوحات وشرحا فنيا لها، وحكايات ومواقف مررت بها مع السكان المحليين، وأتمنى أن أفعل الشيء نفسه مع مدن وقرى عربية قمت بزيارتها ورسمتها على مدى مشواري الفني”.

15