محمود حميدة فنان مصري يستهويه العصيان

ممثل مصاب بجنون العظمة يتقن استمالة الشباب، ومزاجه أصبح يتحكم في غيابه أو حضوره الفني.
الثلاثاء 2020/07/28
ضمن قائمة كبار النجوم

هو حالة خاصة في السينما المصرية والعربية، ليس فقط بسبب مشواره الفني الذي تجاوز 30 عاما، بل لكونه شخصية متمردة كسرت تابوهات عديدة، سواء في ما يرتبط بالأعمال التي تُعرض عليه، أو بالصدام مع المجتمع، أو حتى الوسط الفني الذي يُفترض أنه أحد أبنائه، ولذلك كثيرا ما يوصف بالفوضوي والعشوائي.

إنه الفنان المصري محمود حميدة، الذي بدا دوره الأخير في مسلسل “لما كنا صغيرين” الذي عرض أخيرا كرجل أعمال وتاجر مخدرات وأستاذ جامعي يحتوي الشباب، متسقا مع تركيبته الشخصية التي تحمل في جوهرها مجموعة من التناقضات، وكأن شخصية “سليم” السلطوي هو حميدة في الحقيقة، مع الفارق في التشبيهات والمهام.

ممثل خاص وجمهور خاص

خلق لنفسه مكانة بطبيعته الحادة، حتى أصبح له جمهوره الخاص الذي يستمتع بآراء وتمثيل ومواقف هذا المتمرد، ويصعب أن يخرج في لقاء إعلامي دون جدل، إذ يتعمد النبش في قضايا شائكة وموضوعات مثيرة بعيدة عن طبيعة عمله كفنان.

أدواره التي يؤديها أمام الكاميرات، لا يمكن أن تمر دون أن تترك صدى اجتماعيا لإصراره على خوض تجارب فنية تلامس الشارع وهمومه، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ومع أنه وقف أمام مخرجين وفنانين كبار أخفقوا في ترويضه ووقف عناده وتمسكه بأن يحمل لقب الفنان الذي يستهويه العصيان.

يكفي التدقيق في شخصية حميدة لاكتشاف أنه راهب في معبد محاط بالخطوط الحمراء. كثيرا ما تشعر بأنه يفضل الانطواء من شدة رفضه لكم التصرفات التي تحدث والأقوال التي تصدر والمفاهيم التي تُعتنق، وهو غير راضٍ عنها، سواء منها ما يرتبط بمهنة الفن أو ما يتعلق بالطقوس العامة.

بلغت درجة الرهبنة أنه يدرك أن الله خلقه ليعبده بالتمثيل، لذلك يرى أن الفن في حد ذاته مهنة مقدسة، وهو غير مقتنع بأنه رسالة، ومن شدة دفاعه لجأ إلى إصدار مجلة تحمل اسم “الفن السابع” لتكون منبرا إعلاميا يتحدث باسم هذه الصناعة، لا أن تنتظر من الصحف والفضائيات أن تتناولها بالخير أو بالشر.

رأيه في المشاهد الجريئة لا يزال تهمة تطارد حميدة طوال الوقت، بعد أن دافع عن حتمية إدراجها في الأعمال السينمائية، طالما أن هذه الأفعال موجودة في الواقع، وزاد على ذلك بتأكيد أنه لا يُمانع تجسيد دور فنان مثلي

يُعرف بأنه الممثل الذي يمثل له لسانه أكبر أزمات حياته من شدة جرأته وكراهيته لنفاق الجمهور، فهو لا يجيد لغة التصنع أو الادعاء، بل يعترف من أول وهلة بأمور تبدو صادمة للرأي العام، لكنه يبادر بالقول "من لا يحترم صراحتي لا يستحق احترامي”.

لا يخشى حميدة تعرضه لهجوم شرس، أو تتأثر حياته الفنية بتصريح صحافي أو لقاء تلفزيوني صادم، طالما أنه مقتنع برأيه، ولو كان مغايرا لتوجهات وأفكار قطاع كبير من الجمهور، بحكم العادات والتقاليد والموروثات القديمة، إذ يعتبر أن كل ذلك لا يعنيه، وما يشغله فقط أن يكون صادقا مع نفسه.

وما زال رأيه في المشاهد الجريئة تهمة تطارده طوال الوقت، بعد أن تحدث بلغة المحامي الذي يدافع عن حتمية إدراجها في الأعمال

السينمائية، طالما أن هذه الأفعال موجودة في الواقع، وزاد على ذلك بتأكيد أنه لا يُمانع تجسيد دور فنان مثلي، طالما أن هؤلاء موجودون في المجتمع ويجب تسليط الضوء عليهم فنيا.

عندما سُئل عن رد فعله تجاه صديق إذا علم أنه مثلي، رد بالقول “لا يمكن أن أنهي علاقتي بشخص لمجرد أنه شاذ، فهذه حياته لا يجب أن يتدخل أحد فيها”، وهو التصريح الذي تعرض بسببه لهجوم شرس، بذريعة أنه يشجع على المثلية.

يثني البعض على شجاعة حميدة في الإدلاء بآراء مرفوضة من شريحة كبيرة في المجتمع، لكن آخرين يقولون إن الفنان يجب أن يكون حكيما في تصريحاته. لكن حميدة نفسه، يرد بحتمية التحرر من فكرة القدوة، مهما بلغت مثالية الشخصية، لأن الجمهور أذكى من أن تعامله كطفل، وتحدد له الصواب من الخطأ.

جنون العظمة

أدوار حميدة التي يؤديها أمام الكاميرات، لا يمكن أن تمر دون أن تترك صدى اجتماعيا واسعًا، لإصراره على خوض تجارب فنية تلامس الشارع وهمومه
أدوار حميدة التي يؤديها أمام الكاميرات، لا يمكن أن تمر دون أن تترك صدى اجتماعيا واسعًا، لإصراره على خوض تجارب فنية تلامس الشارع وهمومه

يصعب أن يخرج الفنان على الرأي العام، ويقول إنه مغرور ومتكبر، باعتبار أن هذا الأمر قد يسبب له أزمات كثيرة هو في غنى عنها، ومن الطبيعي في هذه الحالات أن يُنكر التهمة التي تطارده لتبييض وجهه والحفاظ على شعبيته، لكن حميدة لا يترك مناسبة إلا ويؤكد أنه مصاب بجنون العظمة، ومنذ صغره كان يتعالى على والده، ما تسبب له في مشكلات وأزمات عائلية استغرقت سنوات من القطيعة.

بلغت درجة تمرده أنه أعلن مقاطعة “الثوابت والمبادئ”، لأنها تكبل أيّ إنسان عن أن يكون حرا طليقا يمارس حياته بما يرضيه وحده، حتى لو كانت البيئة المحيطة به لا تسمح بأقواله أو تصرفاته، فلن يغلف شخصيته بأخرى تدّعي الفضيلة وتعمل ألف حساب لغضب الناس، لأن هؤلاء ليس لهم علاقة بحياته.

وجدت فئة من الشباب تتمرد على المجتمع بطقوسه وأعرافه، في شخصية حميدة، القدوة للتحرر من هيمنة الموروثات، وأن الناس وحدهم من يحددون نمط حياة الفرد، لذلك تجد أن أغلب الذين يدافعون عنه ويمجدون أقواله المتمردون. وهو تماهى بذكاء شديد مع الشباب، وأصبح يوجه خطابه إليهم ويلعب على وتر غضبهم من السجن المجتمعي، واكتسب جماهيرية استثنائية عند الجيل الصاعد، وبعض الذين يسايرونه في الفكر والثقافة والعصرنة من باقي الفئات.

وعندما سئل عن إمكانية طلب ابنه أن يتزوج من راقصة، أجاب “بالطبع سأوافق، طالما أن هذه رغبته الشخصية، ولا يجب أن يتدخل الآباء في اختيارات الأبناء ولو كانت خاطئة”، ما أثار حفيظة البعض، واتهموه بأنه يشجع على تمرد الأبناء.

يرى حميدة في أبناء الجيل الثائر على العادات محطة مهمة للعودة إلى الوسط الفني بقوة بعد فترة طويلة من الغياب، فاستطاع أن يكسب ودهم ورضاهم من خلال التحدث بلسانهم، أو حتى الدفاع عن حقوقهم المسلوبة، والثناء على قدراتهم في أن يحددوا لأنفسهم نمط الحياة المثالي الذي يفرض كبار السن أنفسهم عليه بالأمر الواقع.

الفنان والثائر السياسي

الشباب المصري يلقبه بـ”الإمبراطور“، بحكم ارتباط هذه الكلمة بأول أعماله السينمائية. أما مشكلته في الوقت الراهن، فتكمن في أن مزاجه أصبح يتحكم في غيابه أو حضوره الفني.
الشباب المصري يلقبه بـ”الإمبراطور“، بحكم ارتباط هذه الكلمة بأول أعماله السينمائية. أما مشكلته في الوقت الراهن، فتكمن في أن مزاجه أصبح يتحكم في غيابه أو حضوره الفني

يصعب أن تجد في قاموس حميدة ثناء على الأنظمة السياسية السابقة، لأنها وفق رأيه تعمدت صناعة العداء مع الشباب، واستعانت بأهل الثقة على حساب أهل الخبرة. وقد يعتقد البعض أن هذا الكلام يستهدف نفاق الفئات الشبابية لتحقيق المزيد من الجماهيرية، لكن في الحقيقة حميدة شخص ثائر سياسيا ضد أي كيان أو سلطة تحتكر المشهد، وتظن أنها الأفضل.

كان من أوائل الفنانين الذين دعموا ثورة 25 يناير 2011 لإسقاط نظام حسني مبارك، رغم أنه حقق خلال هذه الفترة نجومية، لكن ذلك لم يمنعه من مشاركة الشباب في الثورة على الفساد الذي تسبب في المزيد من الفقر وكرس القبضة الأمنية ضد الحركات الشبابية والأحزاب والائتلافات المستقلة والجامعات.

لا يعبأ حميدة بإمكانية أن تتسبب مواقفه السياسية في خسارة شريحة واسعة من الجمهور، لأنه يدرك قيمة التمرد الذاتي في صناعة نجم، سواء كانت النجومية فنية أو اجتماعية، وحتى إذا نصحه مقربون بضرورة تضييق قاعدة العداء، لا يقتنع، ويتمسك بمواقفه، وبات خصما لأنصار عبدالناصر والسادات ومبارك والإخوان.

أثرت البيئة الاجتماعية التي عاش فيها حميدة فترة طفولته وشبابه، على أن يكون شخصية متمردة، فهو الذي دخل مجال التمثيل رغما عن عائلته التي كانت ترفض بشدة هذا المسار، وأرادت أن تتحكم في رغبته بذريعة أن الفن يخالف العادات والتقاليد العائلية، حتى قرر أن يمنح لنفسه الاستقلال الذاتي.

موهبة حميدة تضعه ضمن قائمة كبار النجوم، فقد برهن على أنه ممثل قادر على تجسيد أي شخصية مهما كانت معقدة، وأصبح في أرشيفه الفني ما يزيد عن 60 فيلما سينمائيا وعملا دراميا

عاش حياة بسيطة بكل تفاصيلها وتعقيداتها، وفي نفس الوقت كان ينتمي إلى عائلة أرستقراطية، وأثر التباين في شخصيته بالتنوع والإبداع، فقد كان فلاحا يشارك والده في الحقل، ومارس التجارة في سوق الحيوانات والبقوليات بإحدى قرى محافظة بني سويف، والتحق بكلية التجارة ومنها انتسب إلى فرقة المسرح الجامعي.

كان يقوم ببعض الأدوار التمثيلية بين أزقة القرية التي يعيش فيها، وكلما نال إعجاب الحاضرين تشجع لدخول عالم الفن والوقوف أمام الكاميرات، وفي خضمّ هذه الظروف لم تكن تعجبه حياته وسط الزراعات، وبين مجتمع يعيش في العصور الوسطى، فكريا وثقافيا، وكل يوم تراوده أحلام الهروب إلى بيئة ينعم فيها بالتحرر والنجومية.

لجأ إلى تعلم الرقص كمدخل لإعادة ضبط مسار حياته، وإثبات أنه قادر على العصيان والتمرد على كل ما يقف في طريقه ويتعلق بالعادات والتقاليد، ونجح في المهمة حتى تعرف عليه المخرج التلفزيوني أحمد خضر وقدمه في مسلسل “حارة الشرفاء” بعدما شاهده في أحد قصور الثقافة وهو يجسد أحد الأدوار المسرحية، ومن بعدها اختاره المخرج طارق العريان لأداء دور مهم في فيلم “الإمبراطور” أمام الراحل أحمد زكي.

التمثيل بالهموم

شخصية ذات ثقافة واسعة
شخصية ذات ثقافة واسعة

ما سهل طريقه نحو النجومية أنه شخصية ذات ثقافة واسعة، حيث  عُرف عنه حب القراءة وبالأخص الشعر والأدب، وهو صاحب نظرية “التمثيل بالهموم”، بمعنى أنه لا يستطيع تجسيد شخصية، إلا إذا كان ممتلئا بالهموم ليفرغها في الدور الذي يؤديه، لذلك تجده نادر الابتسامة في الأعمال الفنية، وإذا ابتسم تشعر وكأنه يتصنع.

فرض نفسه بموهبته، ووضع ضمن قائمة كبار النجوم، وبرهن على أنه ممثل قادر على تجسيد أي شخصية مهما كانت معقدة، وأصبح في أرشيفه الفني ما يزيد عن 60 فيلما سينمائيا وعملا دراميا، مع مخرجين كبار.

يعد حميدة، أو الإمبراطور، كما يصنفه الكثير من الشباب، بحكم أن هذا اللقب يرتبط بأول أعماله السينمائية، من الفنانين القلائل الذين لا يمانعون توجيه النقد القاسي للجيل القديم من الفنانين، لأنهم احتكروا المشهد ولم يتركوا الفرصة لجيل جديد يقود المهمة. وهو يصر على دعم المواهب الفنية ولو كان ذلك من ماله الخاص. ففي العام 1996 أنشأ شركة إنتاج أطلق عليها اسم “البطريق”، واستعان بأفضل المتخصصين في مختلف المجالات لجعلها مركز تدريب وصقل المواهب الشابة.

لم يكن يرفض أيّ دور يُعرض عليه تيمنا بنصيحة عادل إمام الذي طالبه بالموافقة على كل الأعمال ولو كانت هامشية، لحين الوصول إلى مرحلة القبول أو الرفض، وكان
يشارك في ثلاثة أو أربعة أفلام في العام الواحد، لكن فلسفته تغيرت تدريجيا، حتى أنه أصبح يقبل العمل الذي يقتنع به.

حميدة لا يترك مناسبة إلا ويؤكد أنه مصاب بجنون العظمة، ومنذ صغره كان يتعالى على والده، ما تسبب له في مشكلات وأزمات عائلية استغرقت سنوات من القطيعة

مشكلة حميدة في الوقت الراهن، أن مزاجه أصبح يتحكم في غيابه أو حضوره الفني، حيث أخفق في فصل تركيبته الشخصية عن العمل. فمثلا، لو عُرض عليه دور مثالي في فيلم فكرته استثنائية وكان مزاجه سيئا لا يقبله مهما بلغ المقابل المادي، حتى أصبح التمرد يطارده في أدق تفاصيل حياته، لدرجة أنه يصف نفسه بـ”السخيف” لإخفاقه في عدم تجاوز هذه الصفة.

وضع نظرية “الدفع مقابل الظهور”، حيث ما زال يتباهى بأنه أول فنان يشترط الحصول على أجر نظير إجراء حوار صحافي أو تلفزيوني، وبرر ذلك بأن “والده لم يعلمه مجانا حتى يظهر في الإعلام بدون مقابل”، ما جعله يُتهم بالتجارة بشهرته ودعاه كثيرون إلى انتقاء كلامه لتجنب خسارة الناس، لكنه رد بالقول “خسارة الأشخاص لا تؤلمني وتتسق مع شخصيتي”.

13