محمود عزت.. "الثعلب" بين قناع المظلومية وأفكار الجمود والعنف

رجل الإخوان الحديدي الذي يكشف الكثير من أسرار التنظيم.
الخميس 2020/12/24
صقر التيار القطبي السبعيني

نشط قادة جماعة الإخوان ومؤيدوهم داخل مصر وخارجها لنشر صورة القيادي الإخواني محمود عزت التي تناقلتها الصحف والمواقع الإعلامية أثناء محاكمته، بغرض توظيفها لإدانة النظام الذي يحاكم شيخًا ضعيفًا معتل الصحة والبنيان.

وقد اتبعت الجماعة إستراتيجية ارتداء ثوب المظلومية وتقمص شخصية المضطهد لأكثر من تسعين عامًا، بهدف تعطيل مفعول الصورة الأصلية كإرهابيين ارتكبوا العنف وسفكوا الدماء البريئة ومحاولة مداراتها خلف صورة خادعة للرأي العام يظهر فيها قادتها بمظهر الحملان الوديعة والمناضلين في سبيل الحق والحرية في مواجهة ما يصفونه بـ"بطش العسكريين وآلتهم القمعية".

أكثر من رفع لواء المظلومية، هم القطبيون، أي رفاق سيد قطب وتلامذته؛ فهو من هيأهم لخوض طريق شاقة ليست مفروشة بالورود والرياحين بل بالأشواك والأشلاء والجماجم ومزينة بالدماء، وبعد أن باتت المجتمعات جاهلية فما من مفر من فتح باب الهجرة مجددًا والذي أغلقه النبي بعد فتح مكة، ما يعني أن قطب كما قال في حديث له في ذكرى الهجرة النبوية سيلقي على أتباعه قولًا ثقيلًا وسيحملون من بعده حملًا ثقيلًا لاجتياز الطريق المثخنة بالابتلاءات والمحن في سيرهم إلى المجتمع المثالي على غرار دولة الإسلام بالمدينة المنورة.

صدام المنافقين والكافرين

عزت يظهر في المحكمة غارقًا في غموضه، محتفظًا بهالته المعتادة ونظراته الحادة متقمصًا نهاية أستاذه
عزت يظهر في المحكمة غارقًا في غموضه، محتفظًا بهالته المعتادة ونظراته الحادة متقمصًا نهاية أستاذه

أطروحات كتاب “معالم في الطريق” لقطب وغالبية تنظيراته التكفيرية في باقي كتبه، كانت نفسها هي محاور المساءلة المنهجية والفكرية والشرعية التي ناقشها القضاة مع واضعي كتب الفريضة الغائبة وميثاق العمل الإسلامي وحكم الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام وحتمية المواجهة، بل تكررت معاني الأناشيد التي رددها وراء الأقفاص أعضاء الجهاد والجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة على غرار معاني النشيدين اللذين ألفهما قطب “هبل هبل” و”أخي أنت حر وراء السدود”.

ما من شك أن هذا الشعور كان مسيطرًا على كوامن نفس عزت، رجل الجماعة الحديدي وصقر التيار القطبي السبعيني الذي اشتعل شعر لحيته ورأسه بالبياض، وهو جالس غارقًا في غموضه ومحتفظًا بهالته المعتادة ونظراته الحادة متقمصًا نهاية أستاذه والمهمة الثقيلة التي ألقاها على عاتقه وفق صورته المتداولة في مواجهة قضاته.

اعتقل عزت، المعروف في أوساط الجماعة بـ”الثعلب” سنة 1965 ضمن أعضاء التنظيم الذي تزعمه  قطب، وحُوكم جميع أعضائه في ذلك العام، وخرجوا بعدها بعشر سنوات، ولذا يُطلق عليهم أيضًا تنظيم “العشرات”، نسبة إلى قضائهم 10 سنوات في السجون المصرية إلى عام 1975، بعدها رحل للعمل في جامعة صنعاء، وحصل على الدكتوراه من إنجلترا ثم عاد إلى مصر.

الإخوان يحرصون على إخفاء عوار أفكارهم، من تكفير واستباحة للدماء والأموال، خلف دعاوى الاضطهاد تحت زعم كونهم مبتعثين لساحات النضال

كان إعدام قطب نقطة تحول في حياة عزت، فقد ارتبط تنظيميًا وفكريًا بأكثر القطبيين تشددًا، في مقدمتهم مصطفى مشهور المرشد الخامس للجماعة، حيث خرجا معًا بعد تنفيذ الإعدام على قطب إلى بعض الدول العربية والأوروبية لتشكيل التنظيم الدولي للجماعة، وعادا معًا، وفي رأسيهما هدف واحد وهو السيطرة الكاملة على الجماعة لتصبح مقاليدها بيد القطبيين وحدهم، الذين راحوا يفرضون رؤيتهم ونظرياتهم المتشددة شيئًا فشيئًا على التنظيم.

اختلفوا فكريًا مع القيادة الرسمية للإخوان في مرحلة حسن الهضيبي ورفضوا كتابه “دعاة لا قضاة” الذي جاء ردا على طروحات قطب، ثم اصطدموا مع المرشد الثالث عمر التلمساني، الذي حذر منهم مبكرًا وقال ضمن نبوءة تتحقق اليوم، إن نهاية جماعة الإخوان ستكون على يد القطبيين، محاولًا إعاقة سيطرتهم على التنظيم، وذهب البعض منهم إلى اليمن وقال عنهم إنهم ليسوا من الإخوان.

اشتد عود هؤلاء تنظيميًا والخطة التي بدأها عزت بالتعاون مع رفاقه وفي مقدمتهم رشاد بيومي ومشهور باستبعاد رموز الجناح الإصلاحي مثل فريد عبدالخالق وعبدالمتعال الجابري وتوفيق الشاوي، بغرض الاستيلاء على القيادة من فريق التلمساني، أكملها عزت حتى النهاية بعقليته المخابراتية التآمرية حيث كان واضع خطط الإطاحة بمحمد حبيب وعبدالمنعم أبوالفتوح والمحاميين ثروت الخرباوي ومختار نوح.

خداع مركب

أكثر من يرفع لواء المظلومية، هم القطبيون، أي رفاق سيد قطب وتلامذته؛ وهو الذي هيأ الإخوان لخوض طريق شاقة ليست مفروشة بالورود والرياحين بل بالأشواك والأشلاء والجماجم ومزينة بالدماء
أكثر من يرفع لواء المظلومية، هم القطبيون، أي رفاق سيد قطب وتلامذته؛ وهو الذي هيأ الإخوان لخوض طريق شاقة ليست مفروشة بالورود والرياحين بل بالأشواك والأشلاء والجماجم ومزينة بالدماء

بدأت سيطرة هذا الفريق على الجماعة بموت التلمساني وتوجت بإعلان محمد بديع مرشدًا في يناير عام 2010، وهو الذي قال عنه عبدالستار المليجي المنشق عن الجماعة، بأنه سيقود الجماعة إلى صدام حقيقي مع الدولة.

وقع الصدام بالفعل ليكتمل المشهد الصدامي الذي رسمه عزت ورفاقه، وليصبح نسخة مفترضة من واقع المؤمنين في بداية البعثة المحمدية وصولًا إلى الهجرة إلى المدينة؛ حيث ناضل القطبيون وجاهدوا في مواجهة صنفين، الأول منافقون داخل صف الجماعة يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان وهم الإصلاحيون وأتباعهم.

لذلك حاكموا محمد رشدي وفصلوا حسن جودة ومئتين من طلبة الإخوان، الذين جسدوا جميعًا طبقة المنافقين، حسب زعمهم، أما الكافرون فيمثلون المجتمع الجاهلي وهم الحكام وأعوانهم.

وبعد توليه منصب المرشد العام للجماعة خلفًا لبديع، دفع عزت الجماعة إلى أقصى العنف والرفض والتمرد، حيث كان الرأس المدبر لاعتصامي رابعة والنهضة عام 2013، وللتحالف مع فصائل السلفية الجهادية في سيناء. لعب دور حلقة الوصل بين مصر والتنظيم الدولي وقادة تركيا، فاتحًا الباب واسعًا على المزيد من الدم ضمن مرحلة من أشد مراحل الجماعة إرهابًا وعنفًا، وصولًا إلى مشهدي القبض عليه وجلوسه التاريخي لمحاكمته.

كان عزت متيقنًا في وعيه الداخلي أنه سائر نحو إقامة الدولة الإسلامية ومجتمع المدينة الفاضلة، متحملًا في سبيل ذلك “إيذاء الكافرين وتخذيل المنافقين”. وقد حملت صورة محاكمته الأخيرة خداعًا مركبًا، فالمحن والمظالم عانى منها النوابغ والمفكرون التنويريون الذين قدموا آلاف الكتب المؤلفة والمترجمة وعصارة أفكارهم واجتهاداتهم التقدمية في سبيل نهضة مصر الحديثة، وليست حكرًا على دعاة وقادة الإخوان.

مفاهيم الجاهلية والحاكمية التي يروجها الإخوان لم تكن دينية بالأساس، بل سياسية هدفها سحب الشرعية من النظام القائم، عبر كسره وتحطيمه وتشويهه معنويًا وشعبيًا باستخدام الدعاية الدينية السوداء

لم تقتصر محنة التنويريين على النفي والسجن والتصفية الجسدية والمحاكمات والفصل من العمل والحرمان من الوظيفة، كما جرى لرفاعة الطهطاوي، وطه حسين، وعبدالمتعال الصعيدي، وعلي عبدالرازق، وفرج فودة، وغيرهم، إنما شملت محاولات طمس منتجهم الفكري الذي شمل رؤى الإصلاح في مختلف المجالات، مثل برامج تطوير التعليم والاقتصاد وتحسين الوضع الاجتماعي والثقافي.

المفكرون التنويريون لم يشتكوا من اضطهاد الآخرين لهم وحسب، بل واصلوا النضال، كحال الطهطاوي الذي لم ييأس بعد أن وجد نفسه منفيًا إلى السودان، وأغلقت المدارس التي سهر على إنشائها، بينها مدرسة الألسن، وعزل من كل وظائفه وراح يطبق أفكاره ورؤاه نفسها في منفاه. بينما حرص رموز وقادة الإخوان على إخفاء عوار أفكارهم، من تكفير واستحلال واستباحة الدماء والأموال وغيرها من عشرات النتوءات الفاسدة التي نُسبت إلى الإسلام زورًا وافتراءً، خلف دعاوى المظلومية والاضطهاد تحت زعم كونهم مبتعثين لساحات النضال لمواجهة الطغاة المستبدين.

استغرق هذا الزيف المقنع من عمر الأمة عقودًا طويلة قبل أن تكتشف الخديعة الكبرى، فليس خلف قناع المظلومية برامج إصلاح حقيقية إنما عُقد تكفيرية مقيتة وانفعالات طائفية رجعية، فضلًا عن الجهد والوقت الطويل الذي استغرقه المفكرون الحقيقيون لنفي صلة تلك الأفكار بالإسلام وإثبات مناهضتها للمصلحة الحقيقية للأوطان.

لم تكن مفاهيم الجاهلية والحاكمية التي روجوها دينية بالأساس، بل سياسية هدفها سحب الشرعية من النظام القائم عبر كسره وتحطيمه وتشويهه معنويًا وشعبيًا باستخدام الدعاية الدينية السوداء التي لم يجد دعاتها غيرها لمجابهة رجل ملك قلوب المصريين بقوانين الإصلاح الزراعي وبناء السد العالي وباهتمامه بالعدل الاجتماعي وقضايا التحرر العربي وبزعامته الكاريزمية، فليس أقوى من الدين في قلوب العامة، عندما تطلق تعاليمه لتقويض الحكم وإسقاط مؤسساته واستباحة محاربة جيش الدولة وعصيان القضاة لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله، وهو المنهج العقدي التكفيري الجاهز لتبرير تدمير القناطر الخيرية واستهداف مرافق الدولة من محطات كهرباء ومياه لتكون بمثابة بداية الثورة الإسلامية وإنذار شديد للناس لينتبهوا من غفلتهم وسكرتهم بنظامي حكم عبدالناصر وعبدالفتاح السيسي.

جيل وراء جيل

تولّيه منصبَ المرشد العام للجماعة خلفًا لبديع، يعتبر المفصل الذي دفع عزت من خلاله الجماعة إلى أقصى العنف والرفض والتمرد، حيث كان الرأس المدبر لاعتصامي رابعة والنهضة عام 2013
تولّيه منصبَ المرشد العام للجماعة خلفًا لبديع، يعتبر المفصل الذي دفع عزت من خلاله الجماعة إلى أقصى العنف والرفض والتمرد، حيث كان الرأس المدبر لاعتصامي رابعة والنهضة عام 2013

مشهد محاكمة عزت وقبله رفاقه الذين هيمنوا على الجماعة وسعوا للسيطرة على الدولة لم يكن الأول من نوعه، كإرث خاص بالإخوان وحدهم انطلاقًا من المقدمات وصولًا إلى النتائج التي تكاد تكون متشابهة. فهذا الفكر هو المرجع

الرئيسي الذي مد أجيالا متعاقبة من الجهاديين بزادهم التكفيري المسمم، ليتكرر مشهد المحاكمة على نفس اللحن الأول الذي عزفه الجيل

السابق، بداية من تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية ومحاكمات اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، مرورًا بمحاكمة “الشوقيين” و”الناجين من النار”، وصولًا إلى محاكمات قادة الإخوان اليوم. وليزعم رواد هذا التفكير بكامل عدتهم التنظيرية والتكفيرية والبلاغية والخطابية منذ قطب وحتى عزت، أنهم ضحية ظلم واقع عليهم من نظم سلطوية قمعية، وهل ناضلوا لإيقاظ الأمة من غفلتها ولتأخذ بأسباب التقدم كما فعل الغرب؟ أم توهموا جميعًا أن رفضهم قيم الغرب وإعلان الحرب على الكافرين ورفض مظاهر التمدين والتطور والحداثة هو ما سيجعلهم القادة الجدد للبشرية؟

بدأ هذا التصور مع قطب بعد عودته من رحلة أميركا إلى مصر، محملًا بأفكار غاضبة ومفاصلة نفسية ومنقلبًا على حركة المجتمع كارهًا قيم الحضارة الغربية، ورافضًا لكل ما ارتبط بها من حداثة وعلمانية وديمقراطية ومادية، وهو ما ساعده في وضع الإطار العام لتصورات الحركة الإسلامية من بعده، وفق ما ذكر لورانس رايت في كتابه “البروج المشيدة”.

يجلس عزت الآن عاكسًا صورة مشابهة ليس فحسب لتفاصيل المشهد القديم الحسية، إنما لنفس التصورات أيضا، متهمًا الآخرين بظلمه وباضطهاد الإسلام في شخصه، وكأن المجتمع مُطالب منذ عشرات السنين إلى اليوم بالطبطبة على كل من يتخذ موقفًا انعزاليًا تجاه الواقع، وساعيًا لإعادة العقل المسلم إلى الكهوف التي كلما حاول الخروج منها والتعافي من أمراضها المزمنة حاولوا هم إدخاله فيها.

ليتها كانت خطة لتحرير العقل المسلم من غفلة الجمود الفكري وانتشال المجتمعات من وهدة التخلف الحضاري وتحقيق التنمية والرفاهية والكرامة لشعوبها، بل لإيقاف التاريخ عند نهاية الخلافة الراشدة، ولوقف حركة الزمان والمكان عند مرحلة واحدة من تاريخ

البشرية، هذه المرحلة التي ستجب كل ما قبلها وما بعدها، معتبرين كل ما تلاها نكوصًا وارتدادًا على العصر الإسلامي الذي تلته من بعد عصور من الجاهلية المستجدة، ليهدروا كل ما أعقبها من حضارة وتاريخ ثقافي وقيمي.

12